الإثنين: 03/10/2022

ما بعد... بعد "دار سيدي" !

نشر بتاريخ: 21/09/2022 ( آخر تحديث: 21/09/2022 الساعة: 19:40 )
ما بعد... بعد "دار سيدي" !



بقلم: د. صبري صيدم

هناك ووسط قطاع غزة، وتحديداً في مخيم النصيرات الأصيل يقع ما تبقى من منزل جدي، أو كما يحلو للفلسطينيين أن يسمونه بـ»دار سيدي»، وهو ليس كما كل بيوت العالم، إنما هو المأوى الوحيد الذي جمع والدي ومن كان قد ولد من أعمام وعمات، ليبدأوا جميعاً عام 1948 رحلة لجوئهم المقيت من قريتهم الحالمة «عاقر»، التي تبعد عن مقر اللجوء الجديد ساعة تقريباً، وهي المسافة الزمنية الفاصلة بين قطاع غزة ومدينة الرملة ولوائها الأصيل، أي أنك لاجئ في وطنك، لا تفصلك عن زيتونك وليمونك وأرض أجدادك، لا حدود ولا دول ولا بحار ولا صحارى، وإنما سلسلة من الحواجز والمستوطنات ومعسكرات وقواعد حربية للجيش الغازي. هذا الحال ليس حكراً على «سيدي»، إنما هو صورة مصغرة عن لاجئ فلسطيني منكوب.

وهناك وعلى بعد كيلومترات بسيطة أيضاً من «دار سيدي» تقع حقول الغاز التي اكتشفت في تسعينيات القرن الماضي، مقابل شواطئ غزة وعلى امتداد الوطن السليب، وصولاً إلى لبنان. حقول انعقد عليها الأمل الموعود بالانتعاش الاقتصادي المطلوب للشعب الفلسطيني، بما يشمل إنعاش الضفة الغربية وانتشال قطاع غزة المكلوم من الفقر والاكتظاظ ومعدلات البطالة العالية، وليبدأ أبو عمار رحلته الشهيرة ببناء سنغافورة التي لطالما حدثنا عنها، بينما يبدأ الاقتصاد الفلسطيني رحلته نحو الانعتاق من التبعية الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي، وطلاقه المنشود من عوزه الدائم لأموال المانحين، وصولاً إلى التحرير والدولة.

وفي المقابل ذهب لبنان نحو ترسيم حدوده مع دولة الاحتلال، التي لا يعترف بها لكنه شاء أن يحدد مساحته السيادية، وصولاً إلى استخراج غازه وتحقيق ما يشاء من رفعة ونمو، ومعه ذهبت الأحزاب والقوى اللبنانية على اختلافها لتتابع الملف على طريقتها، إلى أن اقتربت الأمور من لحظة توقيع اتفاق ترعاه الأمم المتحدة بين لبنان ودولة الاحتلال، عندما سمعنا تصريحاً صادراً عن الأمين العام لحزب الله، مهدداً الاحتلال بأن العيون والصواريخ على حقل الغاز المعروف بحقل كاريش، مذكراً الجميع بخيارين لا ثالث لهما، إما الترسيم وإما الحرب، هذا التصريح قابلته تصريحات أخرى ساقها الساسة اللبنانيون.

الغاز الفلسطيني بالمقابل، الذي ترى شعلته التي أطلقها الزعيم ياسر عرفات مضاءة قبالة الشاطئ القريب لدار سيدي، يبقى كما الشعب الفلسطيني برمته مختطفاً من قبل الاحتلال.

الغاز الفلسطيني الذي كان من المفترض أن ينشل الاقتصاد الفلسطيني من العوز، ويأخذ به إلى مساحات الرخاء يبقى أسيراً لرغبات الاحتلال. إذن لا لبنان ولا فلسطين تمكنتا وحتى تاريخه من استخراج الغاز الموعود، فلا كاريش ولا غزة مارين بحقليه الأول والثاني، رأيا النور وهو ما يطرح أسئلة قديمة جديدة ويدفع بها إلى حيز الحياة من جديد.

هل هندس الاحتلال الصهيوني وأدواته الانقسام الفلسطيني حتى يؤخر استخراج الغاز واستفادة فلسطين منه في نموها على طريق بلورة دولتها المستقلة، كاملة السيادة الجغرافية والاقتصادية والمالية؟ وهل اختلق الحروب المتعاقبة على غزة، حتى يعزز هذا الاختطاف وهذا التأخير؟ وهل يمارس عملية السرقة الصامتة لهذا الغاز، من دون أن يعلم أحد، أو يعرف عن ما يجري في قاع البحر؟ وهل يمتص الاحتلال دم الفلسطيني وغازه إلى يوم ينفذ فيه المخزون فيعود للحديث بعدها عن السلام المزعوم، وفق التسوية السياسية التي يريد، بعد أن يكون المكون الأساس للاقتصاد الفلسطيني الحر قد ذهب مخزونه أدراج الرياح، على قاعدة أن جاراً ضعيفاً تابعاً هو أجدى من جار قوي لديه ملاءته المالية والسيادية؟ وهل دفعت إسرائيل وأدواتها لبنان نحو الهاوية، بحروب متعاقبة ومشيخات طائفية متناحرة، تحقق استدامة نزاعاته وآهاته؟ وهل سيق لبنان بنفاياته وشح كهربائه ومرفئه المفجور نحو الهاوية الأزلية، لينشغل بهمومه ويبتعد عن التفكير بكاريش وما بعد كاريش؟

الجواب ليس فقط على باب دار سيدي ولا في بيروت فحسب، بل عند العالم المجنون الذي تذكرنا بعض حكوماتها كل يوم بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها! وأن إسرائيل إنما هي واحة الديمقراطية الوحيدة المزعومة في الشرق الأوسط! وأن إسرائيل هي واحة الازدهار التكنولوجي والتقني، كما يروج ذاك العالم.

خوف البعض من إسرائيل جعلهم يطبلون ويصفقون لها وصولاً لعواصم التطبيع، خاصة من اختار التطبيع الفاقع والمليء بمحاولة تحبيط الفلسطيني، عبر سلسلة واهية من النشاطات المختلقة والطاعنة في المغالاة والتضخيم.

أياً كانت الظروف فإن قضايا الصراع لن تحل حتماً عند عتبات دار سيدي، وإنما ما بعد.. بعد تلك الدار وما بعد.. بعد غزة مرين وكاريش، وتحديداً على طاولة العالم النائم الظالم ، الذي يستطيع أن يفعل إن أراد!