الإثنين: 04/03/2024 بتوقيت القدس الشريف

تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإعلام.. رهاب استبدالنا بالآلة

نشر بتاريخ: 03/05/2023 ( آخر تحديث: 03/05/2023 الساعة: 12:40 )
تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإعلام.. رهاب استبدالنا بالآلة

بقلم: رأفت حج علي- محاضر أكاديمي- قسم الإعلام وصناعة الأفلام،جامعة فلسطين التقنية-خضوري/ فرع رام الله

رام الله- معا- أتابع ومنذ فترة هذه الثورة المتسارعة في مجال تطبيقات الذكاء الاصطناعي Artificial intelligence Apps وخاصة المبنية على نظام Large language model (LLM)، وهي التطبيقات المعتمدة على التعلم تحت الإشراف الذاتي أو شبه الذاتي من خلال خوارزميات تحلل البيانات الرقمية الضخمة المدخلة في هذه التطبيقات. وقد بدأ تطبيق هذا النظام وحصد نتائجه منذ العام 2018، حين ظهرت أولى نتائج هذا النوع من تعليم الآلة في بعض التطبيقات-إن صح التعبير، ومنها على سبيل المثال: wav2vec من شركة ميتا، و GPT-3 من OpenAI، BioGPT من مايكروسفت، وخوارزمية Yarowsky، Connexion، BLOOM ووغيرها الكثير من التطبيقات في مختلف المجالات العلمية التي لا يمكن حصرها أو تفسيرها في مثل هذا المقال.

من واقع اهتمامي وعملي في مجال تقنيات الإعلام الحديث، كان لافتاً كيف تناول الإعلاميون ووسائل الاعلام هذا الأمر بكثير من الفضول والاهتمام والتخوف، أثيرت التساؤلات حول مستقبل المهنة الإعلامية في ظل منافسة غير متكافئة بين الصحفي البشري والآلية كما يطرح البعض، ربما لأن الكثير من الصحفيين يعانون من رهاب الاستبدال بالآلة! فهل هذه التطبيقات نعمة علينا أم نقمة، ولماذا؟

الإجابة الأكيدة أن مهن الإعلام وطرق القيام بها لن تبقى كما كانت قبل هذه التطبيقات ونحن متجهون نحو صحافة الذكاء الاصطناعي. ولكن قبل أن تبدأ المخاوف بغزو أفكارك، دعني أقول لك أن هذه التطبيقات ببساطة هي نعمة في الوقت الراهن على الأقل!، فالبروفسور في علم الكمبيوتر في جامعة أوكسفورد "مايكل وولدريدج" يقول: "ستحل هذه التكنولوجيا محل الصحفيين بنفس الطريقة التي حلت بها جداول البيانات محل علماء الرياضيات، بعبارة أخرى، لا أعتقد أنها ستحل لذا لا داعي أن يخاف الصحفيون". ولكن يمكنني أن أعقب على ذلك بالقول: إن هذه التطبيقات لم تحل بعد مكان الصحفي صحيح، ولكنها ستأخذ مكان الصحفي الكسول! الذي لن يحدث من قدراته ويتدرب على طرق التعامل معها، فالكثير من الوكالات العالمية اليوم باتت تستخدم تطبيقات تساعدها في جمع المعلومات وتحليل التقارير المالية والاقتصادية الصعبة، وكتابة التقارير الصحفية، وتدقيق النصوص لغوياً، وتحول المقابلات الصوتية أو الفيديو إلى نصوص والعكس.

فعلى سبيل المثال تعتبر وكالة الأسوشيتد برس (AP) من أوائل المؤسسات الإعلامية التي استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، عندما أعلنت بالتعاون مع الواشنطن بوست عن المحرر الآلي Robo Journalism المتخصص في تحرير أخبار الطقس وحالة الطرق، وتوظيف عدد آخر من تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج التقارير الاقتصادية، التي ساهمت في إنجاز أكثر من ثلاث ألاف تقرير اقتصادي بدلاً من ثلاثمئة تقرير كان ينجزها الصحفيون البشر بالكثير من الجهد والوقت والمال.

ومثال آخر فقد أطلقت وكالة رويترز منذ سنوات Cybernetic newsroom، وهي غرفة الاخبار المعززة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي تساعد الصحفيين في اختصار الوقت، وتسريع عمليات التحرير النصي والبصري. واليوم تعمل شبكة BBC أيضاً من خلال فريق (BBC NEWS LABS) على تحديث وتطوير عدد كبير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها مثل The Juicer، فمنها ما يستطيع التعرف على تمييز البشر في الصور والتعريف بهم، ومنها ما يستطيع تكوين المقالات أو إعادة الصياغة أو الاختصار، وحتى توليد النصوص الجديدة، أو كتابة الأخبار بناء على عدد كبير من المقالات والأحداث، أو توقع الآراء واتجاهات الجمهور حول قضية رأي عام معينة، ومنها ما يترجم بشكل فوري لأي لغة.. الخ. من المهام التي باتت الخوارزميات الحاسوبية تقدمها لغرف التحرير، وبحسب دراسة أعدتها رويترز فإن حوالي 80% من المنصات الإعلامية في العالم المتقدم بدأت فعلاً في استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات توليد النصوص (NLG) و(Automated insights) في غرف الاخبار لديها.

بالتالي فالتخوف نحو اختفاء الكثير من المهام والوظائف التقليدية للصحفي اليوم مبرر ومفهوم، ولكن بنظرة أقرب وأعمق يمكن أن نرى مهنة الإعلام والصحافة بالأساس ومنذ نشأتها تواكب في شكلها ومضمونها التطور التكنولوجي، ومن هذا المنطلق كثير من المؤسسات التعليمية تعدل بشكل دوري على المناهج والتخصصات الخاصة بالإعلام لجعلها أكثر مواكبة للتكنولوجيا الحديثة، فأصبح لزاماً عليها تدريب الطلبة والخريجين الجدد على طرق التحرير الحديثة التي تطورت من أيام التحرير اليدوي في الصحافة المطبوعة، إلى التحرير الرقمي في الصحافة الإلكترونية. واليوم نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي الذي يقوم بتحرير النصوص وتدقيقها لغوياً، وتوقع التوجيهات من خلال تطبيقات ذكية قادرة على فهم ومعالجة اللغة، كما هو الحال في أداة Narrative Science مثلاً، وطرق جمع البينات والمعلومات والتحقق منها ومراقبة قضايا الساعة (الترند) اختلف من الصحفي العامل في الميدان إلى الصحفي الجالس خلف الحاسوب، واليوم تقوم الخوارزميات بهذه المهمة كما هو الحال في تطبيق News API Connexun.

مجالات مونتاج الفيديو، والصوت، والصورة هي الأخرى لم تعد كما كانت قبل عصر الذكاء الاصطناعي فنحن ننتظر حالياً تطبيق firefly ضمن فئة AI Art Generator، من عملاق البرمجيات الأمريكية Adobe والمتوقع أن يغير الكثير من أساليب المونتاج التقليدية، أسوة بالبرامج والتطبيقات التي سهلت إنتاج الشخصيات الافتراضية في عالم Animationوقللت من تكاليف أفلام الخيال العلمي.

وعندما حاولت الحصول على إجابة على سؤال المقال من خلال سؤال تطبيق ChatGPT، حول إن كان يتوقع أن تحل تطبيقات الذكاء بديلاً عن الإنسان في مجال الإعلام، أجاب إجابةً تبدو وافية ومقنعة، حيث قال أو قالت إن صح التعبير، وأنقل لكم هنا الإجابة حرفياً كما كتبها الذكاء الاصطناعي: " بالرغم من أن تقدم التكنولوجيا في مجال الذكاء الاصطناعي قد جعل من الممكن استخدامها في الصحافة والإعلام، إلا أنه لا يمكن أن تحل محل الإنسان بشكل كامل في هذه المجالات. في المقام الأول، الصحافة والإعلام تتطلب القدرة على التفكير النقدي والإبداع والمنطق، وهذه الصفات لا تزال مميزات إنسانية لا يمكن تطبيقها بنفس الطريقة في الحواسيب والروبوتات.

كما أن الإعلام يتطلب أيضًا القدرة على فهم وتفسير السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذا يتطلب تفاعلًا مباشرًا مع العالم الخارجي والبيئة الإعلامية المتغيرة باستمرار. وبالإضافة إلى ذلك، تمثل الصحافة والإعلام مصدرًا مهمًا للتواصل الإنساني والتفاعل الاجتماعي، حيث يتفاعل الإنسان مع الإعلام والصحافة بشكل شخصي ومباشر، ويشعر بالتواصل والمشاركة في الحوار العام والتفكير الجماعي. بالتالي، لا يمكن اعتبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي بديلاً كاملاً للإنسان في مجال الصحافة والإعلام، ولكن يمكن استخدام هذه التقنيات لتعزيز الإنسان وتحسين كفاءته وفعاليته في هذه المجالات".

ختاماً، العيش في عصر تقوده شركات التقنية ليس خياراً، بل واقعاً يجب أن نحسن التعامل معه، وفي ظل انطلاق صحافة الذكاء الاصطناعي، ومواكبة العديد من البلدان لمتطلباتها، علينا العمل على تحديث أنفسنا بشكل مستمر وحذر، فلا أتوقع أن يكون هناك قوانين في الوقت القريب تحد أو تقنن هذه التقنيات وطرق استخدامها، كما حدث مع بداية عصر التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن، فالصحفي أو الإعلامي بشكل عام عليه البحث عن طريق التعامل مع الأدوات الجديدة والنظر لها كأداة مساعدة في تسهيل العمل وتقليل الجهد والمال، ففي مقابل الوظائف التي ستختفي ستظهر وظائف أخرى تتطلب ذكاء الإنسان في إدارة واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، هذا في الوقت الراهن قبل أن نصل إلى عصر Super Artificial Intelligence الذي يعدنا خبراء التقنية أنه بات قريباً.