الأربعاء: 22/05/2024 بتوقيت القدس الشريف

لا لحنَ لموتي قتيلا

نشر بتاريخ: 15/11/2023 ( آخر تحديث: 15/11/2023 الساعة: 21:16 )
لا لحنَ لموتي قتيلا

الكاتب: الواثق طه ١٥ نوفمبر ٢٠٢٣

إنّه يوم الاستقلال الفلسطيني. قال هازئًا بينما كُنتُ أحملُ فنجان قهوة عقدتُ عليه أملا كبيرًا كي أقتُل فيلا يصرخ في عروقي، أسقطته من يدي عمدًا، فتناثرت القوة على بنطاله النظيف وحذائه الأبيض، وفي اللحظة نفسها وبينما كانت تحتشدُ صرخته حنقًا لأجل حذائه، شتمت الاحتلال وأمه على هذه الحادثة.

صرخ في وجهي: أنت من أسقط القهوة وليس الاحتلال. فقلت ببرود شديد: بل الاحتلال. لو لم يكن موجودًا على أرضنا، لجاء مثل هذا اليوم محمولا بفخرنا وحديثنا عن المستقبل، ولما أُجبرتُ أن أسمع تعليقك السخيف، إنّه الاحتلال، وشيءٌ من حماقتك من أسقطا القهوة وهذا الصباح الدّامي.

تركته مُغتاظًا يمسح القهوة عن حذائه، وصوت المذيع عبر التلفاز ينتحبُ اقتحامَ مستشفى الشفاء في غزّة، بينما قفزت إلى مخيّلتي صورة تذكاريةالتقطها جنود الاحتلال بعد السيطرة على مقر المجلس التشريعي في غزة، الحمقى كان عليهم تأجيل هذه الصورة لمثل هذا اليوم، يوم إعلان وثيقة استقلالنا، هي صورة شبيهة لما حدث في العراق قبل عشرين عامًا بالضبط، و مُلائمة لهذا اليوم. ما المُلائم فيها لا أعلم، لكنّه احتلال فقد دقّته في استفزازنا، لو كنت مكان هؤلاء لنشرتها اليوم. مهلا... هل سأكون مكان هؤلاء يومًا ما؟ هل سأحمل بندقية مُحتلّ يغتصبُ آمال شعب آخر ويُشعل محرقته فيهم؟ أجابَ جينٌ فلسطينيّ ناشطٌ فيّ: كلّا.

حملت هاتفي، كتب أحدهم تعليقًا على فيديو أولئك الفتية الذين يقصفون الجيش بالحجارة "لحنُ الموت"... كانت الأغنية السويدية تحيا فلسطين تصدحُ في خلفية الصورة، هي واحدة من الأغنيات والمقاطع الموسيقية المفضلة، سأحكي لكم سرًّا صغيرًا... أنا لا أُحبّ الأغنيات إلا بعضها، لكنّني أحبُّ الموسيقى، خصوصًا تلك المُلحّنة للأفلام والألعاب، التي تحفّز الدماء، وتحرّك الحماسة.

خلال الأعوام الماضية، كنت أنسحب إلى كهفٍ خاصّ بي، أجلب غيومًا تخيّم على صمتنا سوداء معتمة لأنشرها في غرفتي تاركًا ضوء الشاشة مصدرًا للتأمل، ثمّ أحرّض نفسي على نفض اليأس، والشروع في الكتابة ببعض المقاطع الموسيقية، ثم أنتقل إلى تلك المقاطع التي تحكي قصتنا، بخلفيات موسيقية فيها نشيد موطني، وهذه الأغنية السويدية وغيرها، وكم هو مذهلأن تُعيد هذه الأغنية إنتاج نفسها نشيدًا أمميًّا لكل شعوب الأرض عام ٢٠٢٣ وأيضًا: بكلمات فلسطينية، لكنّ كلّ ذلك لم يُنتج سوى مزيدٍ من أحلام اليقظة، وورقة بيضاء فارغة من كلّ شيء سوى الألم الصامت.

لحنُ الموت! أيّ لحنٍ هذا؟ لا لحنَ لموتي قتيلا، بل صوتُ الجريمة الآثم،ودمائي التي تسيل نسلا مهدورًا قُضي عليه بطلقة واحدة، أو صاروخ واحد، لا فرق في النتيجة، لا لحنَ للموت بهذه الطريقة، بلا وداعٍ أو نزاع أخير بعد مرض، أو خَلَفٍ يبكي ذكرياته معي، كيف أُبكَى وقد سُحقَ كلّ من سيخلّدون اسمي؟

إنه يومُ إعلان وثيقة استقلالنا، لن نمزّق الوثيقة، ولن ننقلب على أنفسنا، لن نفعل، باسم تلك الوثيقة نُقتل، في غزّة يٌقتلون ويُشرّدون بينما يقول المذبوحون حزنًا: فداءً لفلسطين... باسمها سيحرُثُ أبناؤنا تُراب الأرض المختلط بلحمنا، وسيغرسون في قلبي سارية الاستقلال، لترتفع بالعَلَم الفلسطينيّ فخرًا ومستقبلا مجيدًا للناجين، وقتئذ سيحكون لأبنائهم قصتنا، قصّة الاستقلال والحرية، وكيفَ أنطَقنا حجارة العالم بلهجتنا.

لا لحنَ لموتي قتيلا، لن أسمَعه، لن يصلني صوتُ الهدير والغضب، ولا كلام الرثاء والشعر، أو صوت العدالة تعتذر أنْ فقدت لسانها، لا لحنَ يُرشدني إلى جثّتي... لا أحَد سوى عويل الشتاء ودفء المطر... وشيءٌ من فلسطين.