الأربعاء: 29/05/2024 بتوقيت القدس الشريف

مجزرة اريحا/ بقلم:رشيد شاهين

نشر بتاريخ: 18/03/2006 ( آخر تحديث: 18/03/2006 الساعة: 17:40 )
السلطة الفلسطينية كما هو معلوم كانت احد اهم النتائج الاكثر بؤسا لما يسمى اتفاقات اوسلو تلك الاتفاقات التي لا تزال محل جدل بين ابناء الشعب الفلسطيني وكما المهتمين بالشأن الفلسطيني.

لقد كانت بدايات السلطة بما عرف في حينه غزة اريحا اولا , ذلك ان تطبيق تلك الاتفاقات قد بدأ في هاتين المنطقتين, وقد حاول المناوئون لتلك الاتفاقات ان يعالجوا الموضوع من منظور مرتبط بالفهم الديني التوراتي في ما يتعلق باريحا وانها كانت ترتبط بلعنة على اليهود فآثروا تسليمها لسلطة فلسطينية وهذا تقريبا ما يمكن ان ينسحب على قطاع غزة.

السلطة الفلسطينية كما ينظر اليها الكثير من ابناء الشعب الفلسطيني, ليست سوى شكل محسن مما سعت الدولة العبرية الى فرضة على الاراضي الفلسطينية في نهاية السبعينات , والذي كان يعرف في حينه بروابط القرى , هذا الشكل الذي رفضته الفصائل الفلسطينية وتمت محاربته بشراسة من قبل هذه الفصائل متمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية.

هذه المنظمة وتلك الفصائل هي نفسها التي عادت وقبلت بهذه التركيبة او شكل الحكم من روابط القرى , لكن تحت اسم او مسمى قد يكون اكثر جاذبية , بغض النظر عن كل المبررات والمسميات فان ما وافقت عليه الفصائل الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير لم يكن سوى شكل " راق ربما" من روابط القرى , وربما بمهمات ووظائف وصلاحيات اوسع, الا ان هذا الشكل لم يرق ابدا الى ما يمكن ان يسمى او يكون شكلا من اشكال الحكم الذاتي والذي رفضته ايضا منظمة التحرير الفلسطينية عندما دعا اليه المرحوم انور السادات.

الدولة العبرية حاولت جاهدة وبكل السبل الشرعية وغير الشرعية تسويق روابط القرى وفشلت في ذلك , لان المنظمة وبمساندة شعبية فلسطينية عارمة وقفت ضد المشروع, ولم تتوقف اسرائيل عن محاولاتها الايقاع بالمنظمة والشعب الفلسطيني , وكان ان نجحت في ذلك عندما لفت حبل اوسلو حول عنق المنظمة.

لم تمارس الدولة العبرية خداعا اكبر مما مورس في اوسلو, كما لم تمارس ابدا سرية تشبه السرية التي احاطت بها تلك الاتفاقات , لانها كانت تدرك مدى هشاشتها وعدم تماسكها او اتزانها "فيما يتعلق بالجانب الفلسطيني" وهناك الكثيرون ممن يعتقدون انه لو تم تسريب ما يحدث في اوسلو قبل التوقيع عليه, لكان تم افشاله ليس فقط من قبل ابناء الشعب الفلسطيني بل من كل الغيارى والخيرين من ابناء الامة العربية , وعليه فقد كانت اسرائيل هي الطرف الاكثر حرصا على ان تبقى المفاوضات تسير بشكل سري الى نهايتها , وهذا ما تم فعلا.

السلطة الفلسطينية واتفاقات اوسلوا واريحا اولا كانت اذن مطلبا اسرائيليا قبل ان تكون مطلب اي طرف آخر, وان محاولات التجميل وتحميل تلك الاتفاقات اكثر مما تحتمل والحديث عن العودة لعشرات الآف من الكوادر وكل ما يتم ترديده لا يغني عن الحقيقة القائلة ان اريحا اولا لم يكن سوى روابط ," ربما روابط بلدات, روابط مدن او اي روابط ", لقد كانت بالمحصلة عبارة عن روابط , الا انها لم تشكل ابدا ولن تشكل الحد الادنى من الطموح الفلسطيني.

بعد ما يزيد على العشر سنوات من دخول السلطة , ما الذي تحقق على ارض الواقع ؟ جيش من الموظفين, وجيوش من العاطلين عن العمل, وعملاء بالآلاف يمنع المساس بهم لانه كان قد تمت حمايتهم من خلال تلك الاتفاقات , وتغير في الفهم المقاوم, وانماط جديدة من العيش ومنظمات غير حكومية بالآلاف وسلطة تعج بالفساد والافساد.

الدعوة لحل السلطة ليست جديدة, وهي تتصاعد كل ما حلت او وقعت واقعة تهز وجدان وضمائر الناس, فيشعرون انها سلطة بدون سلطة, وانها سلطة المفسدة وانه لم يعد مبرر لوجودها طالما تزداد الامور اندحارا وانحدارا.

الدعوة لحل السلطة دعوة تنبع من بقايا الضمير الحي, وبقية شعور بالكرامة يتم امتهانه يوميا, وكان آخر امتهان لهذه البقية الباقية من الكرامة او الشعور بالكرامة في مهزلة اريحا, اريحا كانت مجزرة ليست كأي من المجازر. لقد كانت مجزرة للبقية من الكرامة والشعور بالعزة, مجزرة للتقاليد العربية الاصيلة, للانفة والآباء , مجزرة " للشرف الرفيع" مجزرة للقادم من الايام.

فبعد اريحا كيف سيشعر رجل الامن بالهيبة او الكبرياء , وكيف يشعر بالشموخ كيف يمكن ان يواجه اعداءه , لا بل كيف سيواجه لصا او مهربا او حتى مرتكبا لمخالفة سير, هل يمكن ان يطلب من هذا ان يصمد في اي مواجهة, لا بل كيف سيكون احساسه امام اطفاله وزوجته واصدقائه.

اريحا كانت مجزرة سال فيها القليل من الدماء لكن سال فيها ان لم يكن كل فالكثير من الرجولة والكرامة والأباء .

الدعوة لحل السلطة ليست دعوة مترفه, بل هي دعوة اصيلة وجادة, ويجب ان يتم التعامل معها بكل الجدية المطلوبة, ويعتقد الفلسطينيون بشكل واسع ان على السلطة ان ترحل , ليس مهما الى اين , المهم ان لا تبقى, كما يعتقد هؤلاء ان من يدافع عن بقائها انما يدافع عن مصالح شخصية خاصة ليس اكثر.

الادعاءات والتصريحات الاسرائيلية بأن اسرائيل جاهزة لاسوأ الاحتمالات , ادعاءات باطلة, وتصريحات لارضاء النفس وطمأنة المواطن الاسرائيلي, ان مجرد التلويح بالرحيل من قبل السلطة يشكل كابوسا يؤرق كل القادة الاسرائيليين, و ماذا يمكن ان يصرح هؤلاء غير انهم مستعدون لأسوأ الأحتمالات, هل يتوقع منهم ان يقولوا انهم خلاف ذلك , ان من اكثر اللحظات سواء بالنسبة الى اسرائيل هي العودة الكاملة لأحتلال كامل للاراضي الفلسطينية.

على السلطة ومن هم قائمون عليها ان لا يعتقدوا ان هناك الكثير يمكن ان تتم خسارته لأنه وعلى مدى اعوام السلطة لم يكن هناك الكثير مما تم تحقيقه.

اريحا اولا كانت, ترى هل اريحا آخرا ستكون؟؟