الأحد: 23/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

سندس وبسام.. حكاية بطاقتين وجدار!

نشر بتاريخ: 02/05/2006 ( آخر تحديث: 02/05/2006 الساعة: 12:41 )
القدس- معا- يوم الخميس من كل اسبوع يوم مميز في حياة " سندس" الطفلة المقدسية المولودة لـ "بسام " والمنحدر من قرية عقابا بمحافظة جنين.

منذ نحو عام اضطر "بسام" للانتقال الى رام الله والسكن فيها بفعل جدار الفصل العنصري تاركاً خلفه زوجته " فدوى " ووحيدته " سندس" ابنة الـ 11عاما - في بيت أقامت فيه الأسرة نحو عشر سنوات في بيت حنينا - من ضواحي القدس الشمالية.

منذ عام تركت " سندس" غرفة نومها والعابها وبعض متعلقات والدها لتلتحق كل خميس به حيث يقيم في بيت اضطر الى استئجاره في " أم الشرايط " ليصبح مسؤولا عن بيتين, واحد في القدس وآخر حيث يقيم.. بيت اضطر لاسئجاره ليمضي فيه مع أسرته نهاية كل اسبوع... فيما بيته في القدس لا زال يحوي كل متعلقاته.. وذكرياته أيضاً.

"سندس" التي باتت تدرك الآن رغم حداثة سنها أن الحاجز الذي حولوه الى معبر "قلنديا" وكذلك جدار الفصل العنصري حول مدينتها هما سبب معاناتها وحزنها وانشغال تفكيرها بوالدها التي تعودت أن تغفو كل ليل على ذراعيه قبل أن يوسدها في فراشها الدافيء...!

الوصول الى القدس والالتحاق بالابنة والزوجة هذه الأيام ضرب من المستحيل - كما يقول بسام - رغم أنه غير مكان سكنه من عقابا الى بيت حنينا، ورغم تقديمه طلب جمع شمل الى وزارة الداخلية الاسرائيلية منذ نحو عشر سنوات رفض أكثر من مرة.يقول :" الذهاب الى سنغافورة أو اندونيسيا كان أسهل بالنسبة لي من الوصول الى القدس ..سافرت الى هذين البلدين ، والى السعودية وقطر الا انني لم أتمكن من الوصول الى القدس ..قبل نحو ستة أشهر توفيت والدة زوجتي _ وهي من سكان عقبة السرايا في القدس القديمة لم أتمكن من المشاركة في جنازتها والقيام بواجب العزاء..ومناسبات عديدة اخرى تحدث لا اشارك فيها حتى عيد ميلاد طفلتي الوحيدة ..!

المسافة بين القدس ورام الله لا تزيد عن 17 كيلو مترا كان المسافر يقطعها قبل وضع الحاجز وبناء الجدار بنحو 15 دقيقة ، اما اليوم فالمسافة بين المدينتين تقاس بالزمن الضوئي - كما يقول بسام - مضيفا :" قبل أن يقيموا الجدار كان بامكاني التنقل بين المدينتين متسللا ..انتقل عبر حاجز قلنديا وفوق رأسي سحب من الرصاص تلاحقني وكثير ممن يضطرون لقطع التلال والأودية المحيطة بالحاجز وصولا الى الرام وضاحية البريد ومنهما الى القدس ومن ينجح في تخطي الحواجز الثابتة والطيارة فلا ريب أنه ذو حظ عظيم..."

منذ انتقال بسام الى الى اقامته الجديدة في رام الله قبل نحو عام يتاح له يوم واحد او يومان للقاء " سندس " وامها ..يقول " لا مناص سوى التعايش مع هذا الواقع ، رغم العبء المادي الكبير الناجم عنه ..فاغلاق البيت في القدس معناه ان تفقد سندس وامها اقامتهما وهذا ما لانريده..والبديل أن اسكن لوحدي في رام الله...!

يعمل بسام محرراً للصفحة الرياضية في صحيفة " الحياة الجديدة" في رام الله ،و كان تعرف على " فدوى" خلال عملهما في صحيفة الفجر المقدسية قبل اغلاقها في العام 1993 / حيث تزوجا وأنجبا طفلتهما الوحيدة...وأقاما ذلك الحين في القدس قبل أن يعتقل بتهمة أمنية ويرفض طلبه بجمع الشمل بسبب هذ الاعتقال بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من الحصول عليه..!

يحمل بسام البطاقة البرتقالية ..فيما زوجته وطفلته تحملان البطاقة الزرقاء ..وما بين البطاقتين اللتين فرقتا أسرة بكاملها جدار من الاسمنت المسلح وفضاء من الفولاذ...

الأمر بالنسبة لـ " سندس " كان أكثر من بطاقتين ..وأشد قسوة من فولاذية الجدار العنصري ..بالنسبة اليها هو افتراق كل اسبوع : بداية سعيدة مغمورة بشوق اللقاء ..ونهاية ملآى بالحزن لحظة الافتراق عن والدها ...ولو كان الجدار الصلب عند قلنديا ينطق لشهد على وداع مؤثر بين الأب وطفلته التي ما تنفك تبكي الى ان يتوارى الوالد خلف السواتر والحجارة الضخمة على امتداد الطريق الى رام الله...!

أضاف الواقع الجديد عبئاً آخر على بسام.. فهو لم يعد ايضا قادرا على التواصل مع عائلته في " عقابا" - قضاء جنين_ ..هناك والداه، واخوته، والأعمام، والأخوال والأقارب..وزيارتهم في هذه الأيام ضرب من المستحيل أيضا بعد أن منع الأسرائيليون سكان جنين وطولكرم من الوصول الى رام الله ....!

يمضي بسام جل وقته في " الحياة الجديدة" ويمتد دوامه فيها الى أكثر من عشر ساعات يوميا ..وفي بعض الأحيان يصل ليله بنهاره فيها طالما أنه لن يذهب الى البيت لمجرد الجلوس بين جدران اربعة..عند هذا الواقع توقفت عقارب الحياة بالنسبة اليه ، اللهم الا من صداقات جديدة ومن زملاء يمضي معهم جل وقته.. جسده في رام الله لكن قلبه وعقله وفكره يراوح بين بيت حنينا ، وعقابا ..فهناك الأحبة والأهل..وهناك ترفرف روحه...!

أما "فدوى": فمطلوب منها ان تقوم بالدور كله في رعاية " سندس " ..ان توفر لها كل احتياجاتها ومتطلباتها ..وأن تمنحها الدفء والحنان ..وتعوضها كثيرا من عطف والدها..وهي لا توفر جهدا ووقتا الا وتمنحه لوحيدتها ..تقول :" ليس هناك من بديل ..بيتان واحد في القدس وآخر في رام الله عبء كبير ..ومع ذلك فالبديل الآخر هو الأسوأ. .!" هل يعني ذلك الأفتراق عن الزوج؟ سألنا فدوى:" هذا لن يكون ابدا ..لكنها الحياة ونريد أن تستمر."لكن الى متى؟ لا تعرف فدوى جوابا، لكن ما تعرفه هو أن أسرتها ستبقى ، فهي واحدة من الآف الأسر المقدسية التي تعيش ظروفا مشابهة حين يكون الزوج من الضفة ، وتكون الزوجة مقدسية...والأرقام غير المؤكدة تشير الى وجود نحو 30 الف مواطن فلسطيني من حملة البطاقة البرتقالية متزوجون من مقدسيات أو من داخل الخط الأخضر يواجهون ذات المشكلة..منهم من لازال يقيم في القدس وضواحيها لكنه في حبس كبير لا يغادره، ومنهم من يقيم في الضواحي البعيدة حول القدس مثل الرام، وضاحية البريد، وعناتا..وهو أيضا لايغادرها الا الى رام الله...!

قبل ايام احتفلت " سندس " بعيد ميلادها الحادي عشر ..كانت حفلة كبيرة غاب عنها والدها ..وحين زارته في رام الله فاجأها بكعكة الميلاد وبهدية أيضا ..كانت تفضل ان تتلقاها منه أمام صديقاتها من مدرسة الفرسان ..وأمام بنات خالاتها ...!

حتى هذه اللحظة لا تعرف الصغيرة متى تجتمع مع والدها في بيت الأسرة في بيت حنينا، تماما مثلما لا يعرف بسام متى تزال الجدران والحواجز ليجتمع شمله مع "سندس" و" فدوى" ومع عائلته الكبيرة في " عقابا" ففي قريته البعيدة أم يحن لقهوتها ووالد غالبه الكبر يتشوق لرؤية نجله وحفيدته....!

يحلم بسام ببطاقة واحدة ..لا زرقاء ولا برتقالية..بطاقة بلون تلال وسفوح بلاده يسافر عبرها بين ارجاء وطنه الممزق بالاستيطان والجدار.. فلا يمنعه البرتقالي بعد أو يحرمه من رؤية وحيدته.. ومن والدته التي لم تغب من ذاكرته تفاصيل وجهها..ولم تغادر رائحة الطابون...!