تكية سيدنا ابراهيم بين التكافل الاجتماعي والتقليد

نشر بتاريخ: 17/07/2005 ( آخر تحديث: 17/07/2005 الساعة: 15:20 )
الخليل -معا بعد تردد وخوف تجرأت قدماي على السير وسط جمال أزقة معتمة(نسبياً) في البلدة القديمة من الخليل، وتحت أعين جنود ومستوطني الاحتلال... كنت أسير- ولأول مرة منذ سنين عديدة - وأطرح السؤال تلو السؤال على المواطنين لأتعرف على مداخل هذه المنطقة المتلألئة في سماء فلسطين كلها... كان هناك الأطفال والشيوخ والنساء الذين يتسابقون حاملين في أياديهم أوان ٍ مختلفة... بعد سير طويل خرجت من عتمة الأزقة الى فضاء واسع ولكن لبضع أمتار، حيث بدأ زقاق آخر انتهى في غير نهايته ببوابة حديدية يشاهد من خلالها موقع عسكري لجيش الاحتلال، وقد أبت أصالة وجبروت الخليل إلى أن تضع بصماتها أمام هذه البوابة التي أنهت ممراً للبشر، لكنها أبداً لن تنهي طريق الارادة لاسترجاع الحق المسلوب، هذه البصمات لم تكن وليدة اللحظة أو العصر بل هي موروث منذ عهد ابراهيم الخليل عليه السلام... هذا الموروث الأصيل هو " التكية ".

ما هي حقيقة التكية؟
عندما سمعت - ولأول مرة- عن هذه الظاهرة تخوفت من أن تكون بدعة وتقديساً غير شرعي لسيدنا ابراهيم عليه السلام، ولكن عندما استفسرت من السيد مجدي الحموري، الذي يعمل في التكية منذ ثمان وعشرين سنة في مجالي الطبخ والتوزيع أجاب:" سميت هذه الظاهرة بـ"تكية سيدنا ابراهيم"، أو" وقف سيدنا ابراهيم" و"الشوربة" وصلتها بسيدنا ابراهيم تعود الى أنه كان لا يحب أن يأكل لوحده، بل كان يأتي بآخرين ليشاركوه طعامه، فسمي عليه السلام بـ" أبو الضيفان " أي أبو الضيوف، ومنذ ذلك الوقت تداول الناس هذه الظاهرة كاقتداء بعادة هذا النبي"، وعن بركة التكية قال:" ثبتت البركة فيها، فقد قمت بعملها في البيت مرتان، الأولى كانت في فترة حرب الخليج عام 1991م لكنها لم تكن كما أعملها في مكانها الحالي، أما المرة الثانية فعملتها لأمي- المرحومة- حيث كانت مريضة فطلبت مني عمل شوربة القمح حتى تتعالج بها، وقمت بعملها في البيت وقدمتها لها، وعندما تذوقتها أقسمت بأن الشوربة تم عملها في البيت، وذلك لأن طعمها كان يختلف كلياً عن الشوربة التي يتم عملها في مكانها الأصلي... كما أن هناك بعض المواطنين الذين كانوا يعانون من أمراض وشفوا بعد أن أكلوا من التكية ".

وعن الادارة والاشراف في التكية قال مجدي:" تشرف عليه الأوقاف ممثلة بمديرها الشيخ صلاح النتشة، أما هنا في التكية فالسيد عمار الخطيب هو المسؤول عن الإدارة(الداخلية)والتنسيق مع الجهات المعنية كالأوقاف وغيرها".

كيف يتم العمل فيها ؟
طريقتها لم تفاجئني حيث أنها الطريقة الرسمية عند غالبية أهل محافظة الخليل الذين في الحقيقة يعرفون بكرمهم وحسن ضيافتهم.
ويوجد في مركز التكية 6 " دسوت" (جمع دست) وهي تشبه القدر الشعبي لكن الأولى أكبر حجماً، وعن عملية الطبخ يقول مجدي الحموري:" يومي الاثنين والخميس يكون فيها طعام ساخن، ويكون فيه لحمة، وبقوليات مثل الفاصولياء وغيرها، ويكون هذان اليومان مخصصان للفقراء والمساكين مع ندرة وجود الاشخاص الاغنياء، أما باقي الأيام فيتم طبخ الشوربة للأغنياء والفقراء معاً، وهي عبارة عن قمح يضاف اليه الماء ويطبخ في "الدست"، وبعد نضجها تتكون فيها ثلاث طبقات: طبقة القمح في قاع الدست، وفوقها طبقة قشرة القمح، وعلى السطح طبقة ماء مثل ماء زمزم في صفائها وطعمها اللذيذ الشافي، ويتم توزيع الشوربة مباشرة من الدست".

عن الكميات التي تطبخ قال مجدي :" نحتاج - في العادة- لطبخ الشوربة الى 115كيلو قمح، أما أيام الطعام الساخن فنحتاج عادة الى ما بين 100-150 كيلو لحمة بالاضافة الى البقوليات، أما أيام شهر رمضان فتكون الكميات مضاعفة".

من المموّل، ومن المستفيد؟
عندما وصلت الى التكية كان هناك مدخلان، مدخل للذكور، واخر للإناث، وداخل غرفة الأنتظار في المركز كان يفصل بين القسمين قضبان حديدية ... كان معظم الموجودين من الأطفال الذين ارتفعت اصواتهم بالهتاف وسط ضجيج الطرق على اوانيهم الحديدية منها والبلاستيكية.

في الداخل كانت أيضاً قاعة انتظار ثانية، لكنها مختلطة، ومفتوحة على غرفة الطبخ، التي تؤدي الى غرفة المدير عمار الخطيب، كانت هناك أكوام من الخبز، ودستين على النار مملوئان بشوربة القمح.يتوافد من800-1000شخص يومياً في الأيام العادية على التكية وفي رمضان لا يقل العدد عن 200عائلة.

المستفيدون ليسوا فقط من الخليل، بل إن هناك من يأتون من خارج فلسطين، من الأردن والسعودية وغيرها "للتبرك" من التكية، وهذا حسب اسئلة تم طرحها على العاملين، وكذلك على الوافدين من المواطنين.

هذا النظام والعمل المكلف يحتاج الى تمويل ليس بقليل، فمن أين يأتي؟ يجيب مجدي قائلاً:" كل التمويل للتكية هو من التبرع، الذي يتنوع من أموال، أو لوازم الطبخ من لحوم، وخضار، وبقوليات، وخبز، وهناك تبرع بالأرض، وأملاك أخرى حيث تسمى وقفاً لسيدنا ابراهيم عليه السلام".

وعن كيفية التبرع يقول:" التبرع يكون بالتنسيق والحجز مع الأوقاف، وهناك الكثير من المتبرعين، ومن يحزن أكثر ممن يرضى ويسعد، أي أن هناك فائضاً من التبرعات لا يمكن استيعابه". وعن شهر رمضان قال مجدي أنه في الأيام العشرة الأولى تكون التبرعات كافية للشهر كله.

وهكذا ينتهي الحديث عن ظاهرة أصيلة، بقيت وستبقى منارة في سماء فلسطين والعالم كله، تثبت للجميع أن التكافل والاتحاد المفقودان بين كثير من الشعوب التي تنعم بالاستقرار هي موجودة في خليل الرحمن في ظل حصار الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنيه ووسط مضايقاتهم اليومية لأهالي المدينة.