قصة من عين الحلوة - لم يعد ابو محمد الشاهد الحي

نشر بتاريخ: 18/07/2005 ( آخر تحديث: 18/07/2005 الساعة: 09:19 )
خاص معا - عصام الحلبي من عين الحلوة - جنوب لبنان - كنت كتبت هذه الاسطر القليلة حول مأساة رجل فلسطيني ابتدأ حياته ثائرا وختمها بائعا للقهوة ليس بارادته بل بحثا عن لقمة العيش له ولاطفاله, واليوم أضيف بضعة اسطر على حكاية ابو محمد بعد أن وافته المنية وهو على قارعة الطريق ممسكا " ببكرج قهوته " , راسماله وسنده الوحيد في ايامه الحزينة والصعبة, أضع بين ايديكم ما كتبته عن أبو محمد قبل وفاته وما اضفت بعد وفاته.
ابومحمد الشهيد الحي والشاهد على مأساة شعب

شوارع مخيم عين الحلوة كباقي شوارع وازقة المخيمات الفلسطينية تغص باللاجئين الذين خرجوا نصرةللقيم الدينية, نصرة للمصحف الشريف الذي دنسته ايدي وأقدام طغاة العصر وفراعنة الزمان " الامريكان " في كل من معتقل " غونتينامو" في كوبا وفي مساجد العراق التي تقف بشموخ لتشهد على مجازر وفظائع اكبر طغاة وبرابرة العصر, واثناء قيامي بواجبي الصحفي لتغطية هذا التحرك الشعبي الغاضب نصرة للدين وقيمه السامية استوقفني رجل مسن, شعث الشعر, قد حفرت السنون على وجهه خطوط وتعابير دهرا سحيقا من المعاناة والقهر والظلم والتشرد واللجوء, استوقفني وقد علت على وجهه ابتسامة عريضة قائلا: مرحبا أنت صحفي فلسطيني أنا اعرفك ومنذ مدة وانا اتردد في أن أتحدث اليك, واليوم حزمت أمري ولملمت كلماتي واستحضرت ألمي معي, وها أنا وكما تراني احمل " بكرج " مصب القهوة لاهثا وراء لقمة العيش, بعد أن كنت اقفز بين الوديان وعلى قمم الجبال من رام الله الى الكرامة الى جنوب لبنان وفتح لاند الى كل مواقع الشرف والبطولة والفداء في الثورة الفلسطينية .

وصلت كلماته الى مداركي وفعلت فعلها, اخذت اتنبا بما سيقوله لاحقا من كلمات وأنا ارقب المسيرة التي بدأت تمر من أمامي, وانا أقرأ بعض العناوين والشعارات التي يرفعها الغاضبون المشاركون فيها, والتقطت بعض الصور لاطفال ومشايخ وشبان وهم يحملون لافتات ومصاحف مفتوحة وقد دلت تعابير وجهوهم على الغضب من فعلة الجنود والضباط " الامريكان " الشنيعة بتدنيس المصحف الشريف .

وما هي الا دقائق قليلة الا وعدت ثانية الى بائع القهوة شدتني كلماته وفضولي الصحفي وفي لحظة اقترابي منه بادرته بالقول ها قد عدت واريد أن اسمع منك فأجاب ماذا تريد أن تسمع؟ كان الجواب مني ماالذي تخفيه هذه القسمات والتجاعيد المرسومة على وجههك من محطات تاريخية, أو احداث هامة أو ربما مأساة تريد أن تفصح عنها ولكني الاحظ في عينيك بريق التردد ممزوجا بالكبرياء والعنفوان .. تنهد الرجل وقال اسمي أبو محمد - خضر عمر علي موسى من بلدة "عجلول" قضاء " رام الله " التحقت بالثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها في العا م" 1965" وكنا يومها في الضفة الغربية لانستطيع أن نمارس عملنا الفدائي بشكل علني لان السلطة الاردنية التي كانت تمارس الوصاية والحكم على الضفة الغربية لاتسمح لنا بذلك وفي العام " 1967" احتلت عصابات الاحتلال الاسرائيلي ما تبقى من فلسطين أي - الضفة الغربية وقطاع غزة الذي كان أيضا تحت الادارة المصرية وبقيت أنا وكثير من الفدائيين داخل فلسطين نمارس عملنا المقاوم للاحتلال الاسرائيلي و في اواخر العام " 1967" اعتقلت من قبل الاحتلال الاسرائيلي وخرجت من السجن في العام " 1969" والتحقت ثانية بالثورة الفلسطينية في الاردن , وكانت أحداث أيلول في العام "1970" وانتقلت الى سوريا فلبنان مثلي مثل كثيرين من ابناء شعبنا الفلسطيني والثورة الفلسطينية , وهنا تدخلت طالبا منه الاختصار لان هذه المراحل ان لم يكن فيها شيئا شخصيا ومميزا فهي معروفة ولاداعي لسردها, فوافقني الرأي, وعاد ثانية الى الكلام وقال : منذ العام " 1970" ولهذه اللحظة وأنا في لبنان وضمن نطاق الثورة الفلسطينية, وقد تنقلت في العديد من الفصائل الفلسطينية " فتح والصاعقة والقيادة العامة والمجلس الثوري " ولكنني فتحاوي الهوى والمنشأ" الله يرحم رمزنا أبو عمار " قالها متنهدا ,.

سألته هل تزوجت وكونت عائلة, فأجاب بتنهيدة أكبر من سابقتها نعم تزوجت وكونت عائلة وعندي "5 " من الاولاد وهنا تكمن المأساة , كان لدي جواز سفر أردني وقد انتهت صلاحيته منذ زمن طويل, ولم تجدده السلطات الاردنية وكلما حاولتتجديده يكون الرفض أولادي لا أوراق ثبوتية لديهم, أنا لااملكها أيضا, وبفقدان هذه الاوراق لا استطيع لا أنا ولا أولادي من التحرك خارج المخيم أو العمل أو اكمال الدراسة الجامعية, أو حتى الزواج لان جميع ما ذكرت بحاجة الى أوراق ثبوتية وهوية وغيره من المعاملات والاوراق .

انا اليوم وكما تراني احمل هذا " المصب " المملؤ بالقهوة , وابيع القهوة في شوارع المخيم يحثا عن لقمة العيش ولكي أتمكن من تربية أولادي, ولكن السؤال الى متى فغدا هناك استحقاقات وكما يقال أتية على لبنان, وهناك تنظيم او مباحثات من أجل تنظيم وجود اللاجئين الفلسطينين في لبنان لكن أنا ومئات العائلات مثلي ممن ليس لديهم أوراق ثبوتية وغير مسجلين في لبنان كلاجئين ما هو مصيرهم ؟ وما هو مصير اولادنا ؟ نحن اليوم في قلق على وجودنا ووجود أولادنا قلقين على مستقبل اولادنا, صدقني لا يتوقف عقلي عن التفكير.... تصور أن تكون أنت واولادك في مهب الريح ..لا أوراق ثبوتية ولا حياة انسانية ولا اجتماعية ...

وخاطبني " أبو محمد " بصوت الحزين ما قلته لك أمانة في عنقك أكتبه, انشره ليقرأه اهلنا في كل مكان وليقرأه العرب لعلهم يجدوا حلا مؤقتا لنا يعيد بعض من انسانيتنا ويعيدنا الى ممارسة حياتنا الانسانية ووجودنا في انتظار العودة الى وطننا وارضنا التي لايمكن أن نتخلى عن ذرة تراب منها ولابد العودة قادمة وأن طال الزمان أو قصر , وفي نهاية حديثنا وعدته بنشر ما قال وحدثني به وصافحته مودعا وها أنا اكتب بكل أمانة ما قال أبو محمد .

ابو محمد يغادر الحياة على قارعة الطريق

بين 27-5- و 19-6/2005 ايام قليلة ففي التاريخ الاول التقيت ابو محمد يبيع القهوة على قارعة شوارع وازقة عين الحلوة ونظراته الحزينة لاتغادره ورجفة يديه القابضة على " مصب القهوة " لاتتوقف, ابو محمد لايكاد يغادر الشوارع والازقة خالدا الى الراحة الا في ساعة متاخرة من الليل, بحثا وراء لقمة العيش, بعد أن كان يطارد العدو الصهيوني مثله مثل باقي ابناء جيله من الفدائيين ومن خلفهم من ابناء شعبنا الفلسطيني المنخرطين في العمل النضالي والوطني, اليوم سقط ابو محمد مدويا فوق " اسفلت " ازقة مخيم عين الحلوة وتدحرج " بكرج " القهوة وافرغ كل ما فيه من قهوة قد اعدها ابو محمد ...... ومنذ اليوم سيفتقد عمال المخيم المستيقظون باكرا والذاهبون الى اعمالهم ابو محمد وقهوته و وكذلك سيفتقده زرافات الشبان اللاهون في الازقة عند المساء او العمال العائدون عصرا من أعمالهم سيفتقدون أبو محمد وقهوته .. الذي غادر الحياة الدنيا منتقلا الى جوار ربه وقد اضناه التعب وانهكه الضياع ... تاركا خلفه ابناء في عمر الورود لايملكون ما يدلل عليهم من أوراق ثبوتية .... او ما يضمن لهم حياة انسانية كريمة.