الأحد: 26/05/2024 بتوقيت القدس الشريف

الساعة الثالثة فجرا - بقلم عيسى قراقع

نشر بتاريخ: 24/07/2005 ( آخر تحديث: 24/07/2005 الساعة: 15:55 )
معا - في الساعة الثالثة فجراً يداهم جنود الاحتلال منازل الفلسطينيين....لا يطرقون الباب بل يقتحمون كل شيء حتى النوم العميق...يدخلون الى غرف النوم، صراخ، وكلاب متوحشة...أضواء وإطلاق نار، ويبدأ التكسير والتفجير وحشر أفراد المنزل في المطبخ أو في غرفة صغيرة...يعبثون في الوسائد والفراش والكتب وألعاب الصغار ويدعسون على مشتل النعنع ويكسرون قوار الورد، كل ذلك بهدف الاعتقال....هم مفزوعون جداً، متوترون ، يدقون الأحلام بالبنادق ولا يبرزون مذكرة الاعتقال...

جنود الساعة الثالثة لا يأبهون لبكاء وصراخ الأطفال...ولا يكترثون للخوف في وجوه النساء...كأنهم يشنون حرباً على الفراشات النائمة على خدود الصغار وهم مستعجلون قبل ان يبزغ الصباح وتكشفهم أشعة الشمس الوردية أمام النهار...يكرهون الأبيض في النوم وفي السكينة ولا يتركون خلفهم سوى الدمار بعد أن سرقوا الولد من حضن أٌمه قبل أن يرتدي ملابسه أو يشرب كأس ماء أو يلتفت ليودع أهله واخوته الخائفين...

إن 90% من المعتقلين الفلسطينيين تعرضوا للاعتداء والتنكيل والضرب الوحشي أثناء اعتقالهم أو في الطريق أثناء نقلهم إلى السجن أو إلى مركز التحقيق والتوقيف.

ولا يبدأ التعذيب عند المثول أمام المحقق بل إن التعذيب يبدأ في الطريق...وهو الأخطر والأقسى...جنود منفلتون حاقدون يتعاملون مع كل أسير فلسطيني كأنه ليس بشرا...يدعسون عليه وينهالون بضربه بأعقاب البنادق والهراوات والأرجل...بل يتفننون في تعذيبه ويجعلونه مدار سخرية واستهزاء...يحولونه الى لعبة امام ساديتهم ونوازعهم العدوانية... لا يستجوبونه ولا يسألونه بل يمارسون الاعتداء من اجل الاعتداء، كأنهم زعران وقراصنة، يصطادون ضحاياهم، يجبرونهم على التعري واكل التراب وشرب البول، يطلقون عليهم كلاباً أو قططاً متوحشة ويمارسون لعبة اليانصيب معهم في اختيار طرائق التعذيب والضرب.

في الساعة الثالثة صباحاً يبدأ التعذيب...صراخ على الطريق..على ارض الجيب العسكري أو في مستوطنة نائية أو في حرش بعيد حيث لا أحد..لا قمر ولا نهار ولا محامي ولا قانون، لا أحد سوى البساطير والشتائم البذيئة وتكسير الأيدي واطفاء السجائر على الجسم ليصبح ليل الأسير أطول ليل في التاريخ...

صحيفة هآرتس الإسرائيلية في افتتاحيتها الرسمية يوم 20/4/2003 قالت إن أعمال التنكيل والثأر والزعرنة والإهانة للمعتقلين الفلسطينيين تنتشر كالوباء... بحيث غدا الشعب الفلسطيني برمته عدواً.

في الساعة الثالثة اعتقل الجنود "هادي إسماعيل زحايقة" 17 سنة سكان السواحرة الشرقية وقام الجنود بالاعتداء عليه بالضرب المبرح واطلاق كلب مسعور متوحش باتجاهه....وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين وقام الكلب بنهشه وإصابته بجروح...ونتيجة الضرب كسرت رجله اليسرى.

وفي الساعة الثالثة صباحاً هجم الجنود على قاهرة سعيد السعدي...ضربوها إمام أولادها الصغار...جروها وقيدوا يديها إلى الخلف وعصبوا عينيها...أولادها يصرخون...بكاء وعويل...لم يعد أحد في البيت لأن الأب في المعتقل...تعرضت قاهرة داخل الجيب العسكري إلى الشتائم القذرة والضرب بأعقاب البنادق...ظل صوت أولادها يلاحقها وظلت ابنتها "ساندي" تنادي ولا من مستجيب...

وتدل شهادات الأسرى أن أكثر من يتعرض للتنكيل خلال الاعتقال هم القاصرون الصغار لا رحمة ولا شفقة ولا أي اعتبار لسنهم...كأن جنود الساعة الثالثة يفرحون للرعب في عيون الصغار...يرقصون أمام ارتجاف أجسامهم اليافعة واستغاثاتهم التي تضيع في عمق الليل المدلهم...

هل سمعتم ماذا جرى مع "محمد عبد الجواد أبو غيث" 17 سنة عندما انهال عليه رجال الساعة الثالثة بالضرب الذي أدى إلى كسر يده وقاموا بتعريته من ملابسه أمام المجندات ليكون مدار سخرية واستهزاء ثم قاموا بتصويره بواسطة البلفونات...ولم يكتف الجنود بذلك بل أطلقوا باتجاهه كلب متوحش.

انهم لا يريدون انتزاع معلومات بحجة الأمن كما يدعون بل يحاولون إشباع غريزة العنف اتجاه الآخرين فما علاقة وضع قطة متوحشة على وجه الأسير "مروان القواسمة" واجبار الأسير سميح رحال على تجرع البول ما علاقة ذلك بأمن دولة إسرائيل وهدوء تل أبيب؟.

انه فساد أخلاقي عميق ينتشر في المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية وحالة فلتان لجيش أطلق له العقال دون حسيب ورقيب، انهم رجال معدنيين فقدوا الحساسية وأصبحت الحرب هاجسهم الدائم، فقدوا الجمال والإنسانية كونهم يشعرون دائماً أنهم مستهدفون، تركوا خلفهم في الماضي والحاضر جريمة وسيل دماء...يخافون الشبح وظهور الضحية.

وهؤلاء الرجال المعدنيين هم الذين استدرجوا ثلاثة أطفال في قطاع غزة وكأنهم فئران للاقتراب من الفخ وقتلوهم من اجل التسلية.

رجال فقدوا هويتهم ومشاعرهم وتحكمت بهم البندقية والألوان المعدنية السوداء التي أطلقت على كل حملاتهم العسكرية في المناطق المحتلة.

وقد عبر " شاي ساغي" وهو نقيب في كتيبة المظليين الإسرائيلية عن منهج سياسة التنكيل بالأسرى قائلاً [ كل معتقل نقتاده في السيارة العسكرية يتلق سلسلة من الضربات من كل الجنود الموجودين فيها...صفعات ورفس بالبساطير..هذا روتيني...كما كنا نسرق من المنازل التي نداهمها...]

أما العريف الأول في الجيش الإسرائيلي ويدعى "عوكتس" روى قائلاً [ قلنا لأحد المعتقلين أن يجلس...أجلسنا الكلاب إلى جانبه اثنان من كل جانب وصورناه وهو ميت من الخوف وسألناه هل أنت خائف؟؟ لمجرد الضحك...].

يستخدم رجال الساعة الثالثة لعبة التعذيب مع الأسرى خاصة الأطفال... فالأسير "محمود راضي عريقات" 16 سنة سكان أبو ديس اقتادوه إلى مركز اعتقال في معاليه أدوميم وهناك شبحوه بالمقلوب، تكون اليدين إلى الأسفل والقدمين إلى الأعلى ولمدة طويلة...وبعد ذلك قاموا بربط خصيتيه بحبل وشدها مما سبب آلام شديدة وتم إطفاء أعقاب السجائر على جسده...

لم يطلبوا منه اعتراف...انه فريسة ناضجة لممارسة اللعب لجنود يعيشون حالة من الهستيريا ويتصرفون كالقراصنة المتوحشين، أخذوه إلى منطقة في جبل أبو ديس وتم تصويره في أوضاع مهينة وعندما طلب منهم الشرب قاموا بسكب دلو ماء على رأسه دون السماح له بالشرب...ومن ثم قام الجنود باستخدام لعبة التعذيب معه عندما جرى تربيطه وتقييده وأخذوا ينكفون عليه بالحجارة والجندي الشاطر الذي يصيبه في منطقة الرأس يتم التصفيق له...

هي بطولة جيش قرر أن ينتصر بالبطش على إنسانية الانسان، يخشى الحقيقة ولا يعترف بأن الحرب قد شوهته وان الاحتلال حوله إلى جيش فاسد وسادي وعنيف...

لقد سجلت العديد من الحالات التي مورس فيها التحرش الجنسي والتهديد بالاغتصاب وأعمال قذرة ارتكبت بحق الأسرى والأسيرات وكل ذلك أمام صمت القرار الدولي وعدم فاعلية مؤسسات حقوق الانسان وتأثيرها...

وظلت الساعة الثالثة...ساعة اقتحام النوم وطرد الندى عن الشجر...لأن رجال دهنوا وجوههم بالأسود جاءوا يبحثون عن فريسة في هذا البيت أو ذاك....أفزعوا العصافير، لا يعرفون لون البحر ولا يسمعون الموسيقى...مؤللين بالبنادق والقنابل والمصفحات، يطاردون شعباً في مستقبله بعد أن أنكرهم التاريخ والأرض وغضبت عليهم السماء..

رجال لم يقدموا لمحاكمة على أعمالهم التعسفية بحق المدنين والأبرياء بسبب ارتكابهم مخالفات خطيرة وأن قدم بعضهم للمحاكمة فسرعان ما يطلق سراحه لأنهم يتفوقون بالقوة على القانون و الشرائع الإنسانية...يدعسون على مواثيق حقوق الانسان من اجل دولتهم الوليدة كي تبقى سعيدة، وكي يبقى أطفالهم سعداء فرحين في مدارسهم وعلى شواطئ البحار...

رجال يخشون أن ينظروا بعد كل عملية اعتقال إلى وجوه أولادهم... تفضحهم قراءة الدم ورائحة الليل الغريبة....قادمون من مهمات الصفيح وأكياس الشبح والأغلال تكاد صرخات الطفل "عمار منذر إبراهيم" ابن 16 سنة تتحول إلى هدير يحتل العالم الماً ووجعاً عندما وضعه جنود الساعة الثالثة في مكان وهو مقيد اليدين وأخذوا يتسابقون جرياً مهرولين بسرعة ليقفزوا فوق بطنه بأقدامهم الثقيلة انهم يتسلون مع هذا الطفل الصغير، طالب المدرسة، يزرعون في جسده وعقله جنون الرعب...وقد رآهم واحداً واحداً....لا يمكن أن ينساهم طوال حياته...سيظل ألمه رواية تتناقل عبر الزمن...

وهم بذلك دمروا الأغنية من قلبه وزرعوا الحديد في الذاكرة

بقلم: عيسى قراقع