الأحد: 03/03/2024 بتوقيت القدس الشريف

انتفاضة الاقصى.... الاحداث والمصطلحات.... واثرها على لغة الاطفال

نشر بتاريخ: 30/07/2005 ( آخر تحديث: 30/07/2005 الساعة: 17:19 )
جنين- معا- منذ بداية انتفاضة الاقصى وحتى وقتنا الحاضر شهد الشعب الفلسطيني اقسى انواع العقوبات، وخسر الكثير من الشهداء، وقصفت الكثير من المساكن والمدارس والمستشفيات، وشهد انواعا من الاجتياحات والاغتيالات، وتعرف على جميع الاسلحة والدبابات والطائرات التي تمتلكها اسرائيل.

وجميع هذه الاشياء ذكرتها وسائل الاعلام حسب طبيعة عملها ومنها يرى المواطنون هذه الوسائل فيكون لديهم علم بما حدث، ومن هؤلاء المواطنون الاطفال .

ما تعريف الطفل
الطفل هو كل انسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر ما لم يبلغ سن الرشد بموجب قانون الامم المتحدة في المادة رقم (1) حسب ما اتفق عليه دول الاطراف على حقوق الاطفال.

اسماء الاليات العسكرية بدل اللعب والهدايا
ففي ايامنا هذه نسمع الكثير من الاطفال وخاصة ما بين 4 - 7 سنين ينطقون بمصطلحات كبيرة اكبر من سنهم، ككلمة اجتياح، واطلاق نار، وقناص، وشهيد، وهدموا البيت، ودبابة، ومجنزرة، ومدرعة، وبلدوزر، ومنع تجول، واغلاق، وخبر عاجل، ومات الولد، والعديد العديد من المصطلحات.

الحدث يحفر في ذاكرة الطفل
لنعرف كيف يفكر الطفل؟ وكيف يتحدث عن الاوضاع الذي يعيشه؟ ذهبنا الى احدى المخيمات الصيفية للاطفال في مخيم جنين والتقينا مع مسؤولة المخيم السيدة آيات السعدي حيث ذكرت ان الاطفال في الروضة تحولت احلامهم من البراءة الى الخوف، وتذكر ما عاشوه في احداث جنين التي حصلت، فبدأوا يتخيلون الدبابات والقصف الجوي وقصص الشهداء وبدأوا يطبقونها.واضافت بدلا من أن يلعبوا بألعابهم التي تحولت الى جيش وعرب يلعبون على انه في مسيرة ويهتفون الكلمات التي كانت تنطق في المسيرات الحقيقية. وقد التقينا مع بعض الاطفال الذين عايشوا الاحداث تذكر منهم:
هاشم سمير(6) سنوات ابن شهيدة، الطفلة ملاك زياد ( 6 ) سنين ابنة شهيد، الطفل احمد حواشين ( 6 ) سنين، والطفلة ميساء عيسى (7) سنين، والطفلة قمر محمد ( 7 ) سنين بيوتهم مهدمة.
ذكر الطفل احمد حواشين قصة هدم بيته حيث قال ( كان زلمة يطخ من قدام دارنا وبعدين اجت دبابة مركفاه ومجنزرة وبلدوزر وجيبات جيش وهدوا دارنا ) واضاف حواشين ( قعد بابا يبني بيتنا 4 سنين وكان عامل يشتغل في اسرائيل وما صدق يخلص من بناية الدار واجوا الجيش وهدوه خلال ساعة.
بهذه الكلمات العامية ذكر الطفل كيف هدم الجيش بيته وكان ينطق بمصطلحات غريبة بالنسبة لسنه مثل: ميركافاه ومجنزرة وبلدوزر.
وجلس الطفل احمد حواشين يذكر لنا بعض القصص التي شاهدها اثناء الاجتياحات المتكررة لمدينة جنين ومخيمها حيث قال: ( كنت انا وبابا طالعين من عند دار عمي رايحين نشتري اكل وبعدين شوفنا جنود مشاه وقفوا سيارة وطخوا زياد الربيع "شهيد" من بطنه وصدره ) واضاف ( بعدين اجوا الشباب واخذوه على المستشفى). وبدأ يذكر لنا الطفل حواشين اسماء الشهداء الذين سقطوا في المخيم اثناء الاجتياح الاسرائيلي لمدينة جنين.
وعندما سألنا الطفل ماذا يفعل عندما يكبر اجاب انه سيعمل ويجتهد في عمله ليجلب المال ويساعد ابوه في بناء البيت الذي هدمه جيش الاحتلال في خلال ساعة.
دمعه تذرف من عين هاشم
الطفل هاشم سمير ابن الشهيدة رجاء التي استشهدت في اجداث جنين يذكر لنا قصة استشهادها حيث قال: ( لما كنا في الدار ماما راحت على المطبخ علشان تجهز اكل وبعدين سمعنا صوت انفجار) واضاف ( راح بابا على المطبخ وشاف ماما ملطخة بالدم) .
وعند سؤالنا اين ذهبت امك اجاب( ماما راحت على الجنة علشان تشتري موز وتفاح وبرتقال) واضاف ( بابا حكى ان التفاح في الجنة احلى من تفاح جنين وانا بدي اشوفها). وعند سؤالنا هل رأيت امك قبل ان تذهب الى الجنة اجاب ( شوفتها وكانت نايمه على السرير وعلى صدرها ووجهها دم) وذرفت الدموع من عينيه الخضراوتين.
اما عن امنية الطفل هاشم هو شراء ام-16 او كلاشينكوف ويقتل من قتل امه.

اليهود ضيعوا العابي
بوجه ملائكي دخلت علينا الطفلة ملاك عامر ابنة الشهيد زياد عامر الذي استشهد وهو يدافع عن ارضه واول ما قالته لي ( انا ما بحب اليهود لانهم قتلوا بابا وشردونا من بيتنا) واضافت ( قبل ما بابا يروح على الجنة اشترى العاب كثيرة بس اليهود الكلاب ضيعوها لما اجوا على الدار ).

اعتقوا بابا قبل ما يهدوا الدار
بابتسامة جميلة تقرأ براءة الطفولة من عيني الطفلة قمر محمد التي ذكرت لنا قصة بيتهم الكائن على طرف المخيم حيث قالت ( طلب الجيش منا نطلع من الدار والا بدهم يهدوه فوق روسنا، وبابا خاف علينا طلعنا كلنا ومسكوا بابا واخوي معتز وضربوهم وحطوهم في ناقلة الجنود وودوهم على معسكر سالم وجابوا بلدوزر وكانت هناك مجنزرة وهدوا دارنا وقبل هيك طخوا بالرشاش الخمسماية على الدار ) اما عن امنية قمر وهي ( انا لما اكبر بدي اصير محامية علشان اطلع بابا ومعتز وكل المسجونين من سجن اليهود).

الالوان القاتمة في رسومهم
بعد لقائنا مع الاطفال طلبنا منهم ان يرسموا ما يتخيلوه فكانوا يستخدمون الالوان القاتمة وخاصة اللون الاسود والاخضر والاحمر وعند سؤالنا عن استخدام هذه الالوان، اجابوا ان اللون الاحمر يشبه لون دم الشهيد واللون الاسود يشبه السواد الذي يضعه الجنود (الكوماندوز) على وجوههم اثناء اجتياح البيوت اما الاخضر فهو يشبه لون المزارع الخضراء التي كانت قبل اجتياح الاحتلال الاسرائيلي لمدينة جنين.
من الاطفال من رسم الدبابات وهي تجتاح وتهدم البيوت ومنهم من رسم السجون الاسرائيلية ومنهم من رسم شجرة الزيتون ومنهم من رسم طفل يحمل صاروخ يطلقه على الجيش الاسرائيلي الذي هدم بيته.

الخوف هو السبب الرئيسي
ولكي نعرف عن سبب رسخ هذه المصطلحات في ذاكرة الاطفال وعن الاثر الناجم عليهم اجاب الدكتور محمد داوود المشرف في جمعية الشبان المسيحية في جنين حيث قال: ان السبب الرئيسي في رسخها هو الخوف، والخوف هو شعور طبيعي لاحداث غير طبيعية تحيط بحياتنا اليومية ويشعر خلالها الطفل بالرعب والفزع. والخوف يسبب الكثير من المشاكل النفسية التي تنعكس على سلوكيات الفرد المختلفة مثل ارتباك التفكير والتشتت. فمثلا اذا راى الطفل امه حزينة لقلة المال ولان اباه لم يخرج الى العمل بسبب الحصار فالطفل يخاف احيانا لانه يفكر بانه السبب في حزن امه. ويمكن ان يؤدي الخوف الى الكبت وهو اسلوب من اساليب التكيف والحيل الدفاعية التي يطورها الانسان في حياته للتعامل مع الاحداث المؤلمة فيقوم انسان في كبت الافكار الصعبة والذكريات الاليمة وحزنها في نطاق اللاوعي.
واضاف علينا نحن كبالغين ان نتذكر انهم مجرد اطفال لا يفهمون الاحداث التي تجري من حولهم ولا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم، فلنحاول فهم ما يشعر به الطفل فمثلا ابوه يثور لانه لم يخرج الى العمل منذ اسبوع بماذا يحس الطفل؟
امه التي تطرده بعيدا عنها بماذا يشعر الطفل؟ سماعه صوت الاسعاف وهي مجرد محاولات طبيعية وجاده يقوم بها من اجل التأقلم مع الوضع فلا يحتاجون منا الا القليل من التشجيع والدعم المعنوي.
واضاف المهم ان نشرح للطفل ما ذا يحدث حوله فمثلا اذا تغيب اخوه علينا ان نشرح للطفل ونخبره انه سيرجع لاحقا، واذا سأل عن سبب شعور ابيه بالحزن فيفضل ان تخبره ان اباه حزين بسبب قلة العمل.
واضاف اما دور الاهل في تهدئة الطفل قدر الامكان وذلك يحتاج منهم اكثر من ان يفتحوا احضانهم وصدروهم الدافئة لاحتضان اطفالهم.

من اجل مساعدتهم ماذا نفعل؟
اجاب على هذا السؤال الدكتور محمد داوود حيث قال: على الاسرة ان تفهم الاعراض النفسية المختلفة سواء كانت سلزكية او جسمية او عاطفية التي تظهر على الطفل نتيجة مروره بخبرات صادقة وتشكيل الدعم العاطفي له. اما بالنسبة للمدرسة فعلى المعلمين والمعلمات ان يتفهموا الاعراض ويتعاملوا معها من خلال دعم هؤلالء الاطفال ومساعدتهم على التغلب عليها ويشكلوا اتصال مع الاسرة حتى يستطيعوا مساعدتهم، اما بالنسبة للمجتمع فعليهم ان يدعموا قطاع الاطفال ويساعدوهم على اعداد المتنزهات وايضا على المجتمع ان يضغطوا على وسائل الاعلام وان يخففوا من عرض الاشياء العنيفة التي تسبب لهم.

درو اتحاد لجان العمل النسائي
من المؤسسات التي اهتمت بشؤون الطفل هي اتحاد لجان العمل النسائي وقد ذكرت لنا السيدة تمام مديرة الاتحاد دور المؤسسة حيث قالت: كلفنا الاطفال برسم ما يتخيلوه وما يخطر في بالهم من اجل التفريغ وعمل مخيمات صيفية لهم ورحلات ترفيهية وعمل مسيرات للاطفال ليعبروا فيها، واقامت حفلات في نهاية كل سنة عند الانتهاء من الروضة ومن المخيمات الصيفية.
واضافت: لكن مع كل هذه النشاطات الا انها تخفف نوعا ما حيث اذا رجع الى البيت او الى الشارع، وبمجرد المعاناة اليومية يرجع الاطفال الى ما كانوا عليه.
وتطرقت السيدة تمام الى دور الاسرة بالنسبة للاطفال حيث قالت: يجب على الاسرة ان ينزعوا الخوف حيث يمنعوهم من مشاهدة الاخبار ويجب على الام ان تعطي اطفالها بعض الاطمئنان والحنان عن طريق احتضانهم ، كما يجب على الاسرة ان يردوا على اسئلتهم بطريقة موضوعية حيث يقتنع الطفل بها ولا نظهر لهم الخوف اثناء وجود حدث كبير.
واضافت اما دور المدرسة هو التنويع في عملية التدريس للاطفال وعمل برامج ترفيهية للاطفال من اجل الخروج في الوضع الذي هم فيه من خلال القصة او الالعاب واعداد رحلات للاطفال حتى لو كانت قصيرة.

حقوق الطفل في ميثاق الامم المتحدة
المادة الثالثة من حقوق الطفل في ميثاق الامم المتحدة والتي اتفقت عليها الدول الاطراف تقول: " تتعهد الدول الاطراف بان تضمن للطفل الحماية والرعاية اللازمتين لرفاهه، مراعية حقوق وواجبات والديه او اوصيائه او غيرهم او غيرهم من الاطراف المسؤولين قانونا عنه وتتخذ تحقيقا لهذا العرض جميع التدابير التشريعية والادارية الملائمة".
والمادة السادسة من حقوق الطفل تقول: " ان تعترف دول الاطراف بانلكل طفل حقا اصيلا في الحياه كما تكفل الدول الاطراف الى اقصى حد ممكن بقاء الطفل ونموه".
والمادة الثالثة عشر تقول:" يكون للطفل الحق في الحرية والتعبير ويشمل هذا الحق حريه الطلب في جميع انواع المعلومات والافكار وتلقيها واذاعتها ودون أي اعتبار للحدود سواء بالقول او الكتابة او الطباعه او اية وسيلة يختارها الطفل".
والمادة التاسعة عشرة من حقوق الطفل تقول:" تتخذ الدول الاطراف جميع التدابير التشريعية والادارية والاجتماعيةوالتعليمية الملائمة لحماية الطفل من كافة اشكال العنف او الضرر او الاساءة البدنية او العقلية او الاهمال".
وكذلك المادة (24) تقول :" تعترف الدول الاطراف بحق الطفل في الراحة ووقت الفراغ ومزاولة الالعاب ونشاطه والمشاركه بحريه في الحياه الثقافية وفي الفنون".
فهل وفرت اسرائيل الحماية والرعاية للطفل الفلسطيني ام شربته الخوف والهلع؟
وهل اعطت اسرائيل الطفل الفلسطيني الحق في الحياه؟
وهل اعطت اسرائيل الحرية في التعبير للطفل الفلسطين؟
وهل وفرت اسرائيل الصحة والتعليم للطفل الفلسطيني؟
وهل اعطت اسرائيل الطفل الفلسطيني فرصة ومزاولة الالعاب والمشاركة في الحياة الثقافية والفنية ام ماذا؟