سلسلة القيادة الإيرانية والصراعات الداخلية بعيون أمريكية

نشر بتاريخ: 17/09/2012 ( آخر تحديث: 18/09/2012 الساعة: 08:06 )
بيت لحم- ترجمة خاصة بـ "معا"- أثارت طبيعة العلاقات الداخلية في أوساط القيادة الإيرانية العليا وسلسلة إصدار الأوامر والقيادة ولا زالت الكثير من التساؤلات والتأويل الذي لامس في كثير من الأحيان حدود الخيال والتخيل مارا بتقاطع المصالح والدعاية المضادة والحرب النفسية منتهيا بالتمني والأماني دون ان تخلوا جميع الأوضاع السابقة من الحقيقة او جزءا منها.

الجديد في هذا التحليل لسلسلة القيادة الإيرانية العليا انه منسوبا لرئيس "السي أي اية" الحالي دافيد بيتراوس الذي وضع تصوره وفهمه لطبيعة القيادة الإيرانية في تقرير رفعه عام 2008 حيث كان يشغل منصب قائد القوات الأمريكية في العراق وفي أوج المعركة ضد قوات مقتدى الصدر.

نقل احد المسؤولين العراقيين الكبار هاتفه النقال للجنرال الأمريكي ليطلعه على رسالة نصية وصلته جاء فيها "جنرال بتراوس عليك إن تعرف بان محدثك هو قاسم سليماني المخول بإدارة السياسة الإيرانية في العراق ولبنان وغزة وأفغانستان إن السفير الإيراني الحالي لدى العراق هو احد قادة قوات القدس ويتوقع أن يحل مكانه قائدا أخر في القوات من قوات القدس " .

ومن عادة كاتب الرسالة النصية الجنرال سليماني أن يضع ليس فقط أعداء إيران في مكانهم الصحيح بل وصل الأمر قبل أسبوعيين وفقا لما نقله موقع إيراني الالكتروني حد توبيخ الرئيس بشار الأسد لعدم إصغائه لنصائح قائد قوات القدس التابعة للحرس الثوري حيث صرح سليماني موجها خطابه للأسد بلهجة بدا عليها الغضب الشديد، "نحن نقول له بان ينشر أفراد الشرطة في الشوارع لكنه يرسل الجنود"، وفقا لموقع "هأرتس" الالكتروني الناطق بالعبرية الذي نشر التحليل اليوم الأحد.

|189544|انه الجنرال سليماني الذي ينحني رئيس وزراء العراق نوري المالكي رأسه بذل ومهانة أمام سطوة الجنرال الذي تتهمه الأوساط الاستخبارية الإسرائيلية والغربية بالوقوف وراء تفجير المركز اليهودي في العاصمة الأرجنتينية عام 1994 وبالمسؤولية عن إدارة وتشغيل القوات الإيرانية العاملة " قوات القدس " في أفغانستان ودول القوقاز ويعتبر احد اقرب الشخصيات القيادة للمرشد الروحي علي خامنئي بصفته قائده المباشر إضافة للصداقة الشخصية التي تربطهما والحديث لا زال لموقع "هأرتس" الالكتروني.

أقيمت قوات القدس أثناء الحرب العراقية الإيرانية كقوات خاصة ومختارة مهمتها الأساسية مساعدة الأكراد في حربهم المستعرة ضد نظام الرئيس صدام حسين وتحولت بعد فترة لجهة مسؤولة عن تدريب مقاتلين في دول خارجية مثل قوات حزب الله إضافة لتنفيذ عمليات تستهدف المعارضين الإيرانيين في أنحاء العالم.

ويترك سليماني الحديث للصحافة الإيرانية للساسة الذين لا يجلهم أو يقيم لهم اعتبارا بشكل عام باستثناء احترامه الخاص لصديقه المرشد الروحي فيما مكتفيا بالقيل من التصريحات التي يدلي بها بين الفينة والأخرى وهو ليس من مؤدي طريقة الحكم الحالية التي تنصب الزعيم الروحي الأعلى زعيما سياسيا تلك الطريقة ووفقا للكثير من الدراسات والمقالات التي نشرها الإيرانيون في المهاجر تشكل سببا للصراع والجدل الداخلي حيث أعرب العديد من رجال الدين المهمين في إيران عن معارضتهم لطريقة الحكم الحالية التي ارسي قواعدها الإمام الخميني مطالبين بضرورة ابعاد الدين عن التدخل المباشر بالسياسة أو الجيش.

ولا يعتبر الجنرال سليماني البالغ من العمر 55 عاما رجل دين حيث عمل في شبابه كعامل بناء بسيط لمساعدة عائلته على مواجهة ظروف العيش والحياة لينتقل بعد فترة للعمل كفني صيانة في دائرة مياه مدينة كرمان ولا يوجد أي شهادة او شاهد يشير إلى مشاركته حتى بمظاهرة واحدة ضد نظام الشاه السابق لكنه انضم بعد الثورة للمعسكر الصحيح حيث شارك في الحرب العراقية الإيرانية وتطوع في صفوف الحرس الثوري في مدينة كرمان وتلقى تدريبا عسكريا لستة اسابيع فقط ليتحول اليوم الى الرجل القوي في الحرس الثوري تفوق قوته ما يمتلكه قائد الحرس الثوري نفسه اللواء محمد علي الجعفري من قوة وسلطة.

يبدو ان الهرم القيادي في الحرس الثوري الإيراني شبيه بالهرم الموجود لدى جميع الجيوش في العالم ويمكن تشبيه حالة الصراع الداخلي بواقعة ارتداء الجنرال الاسرائيلي "موشيه يعلون"حذاء طويلا للتحذير مما اسماه بالأفاعى داخل مقر القيادة العليا للجيش الاسرائيلي " هكرياه".

وأقدم الزعيم الروحي الحالي علي خمنائي فور توليه مهام منصبه عام 1997 على إقالة قائد الحرس محسن رجائي الذي شغل المنصب لأكثر من 16 عاما وعين مكانه يحي رحيم صفوي وفي رد فعل على هذه الخطوة وجه 31 ضابطا من ضمنهم الجنرال سليماني رسالة احتجاج للرئيس الإيراني يحتجون فيها على إقالة الجنرال رجائي لكن وللمفارقة فان القائد الجديد الجنرال صفوي هو من عين سليماني نهاية تسعينيات القرن الماضي قائدا لقوات القدس ليجل مكان احمد وحيدي الذي يشغل حاليا منصب وزير الدفاع والذي يسن باليه التورط في قضية إيران غيت التي انكشف أمرها ثمانينيات القرن الماضي وصدر امر اعتقال دولي بحقه لمسؤوليته المفترضة عن تفجيرات الأرجنتين.


وعكست سلسلة التعيينات سابقة الذكر نفسها على شكل تأثير قوي على طبيعة العلاقات التي تربط الحرس الثوري الإيراني بالمستوى السياسي التي تعتبر منظومة مسكونة بالنزاعات والولاءات.

منظومة تربط بين فروع القوات العسكرية الأربعة البحرية والبرية والجوية وقوات القدس وقطبي السلطة السياسية "الزعيم الروحي علي حمنائي والرئيس الإيراني احد نجاة" الذي طورا على مدى السنوات الماضية منظومة علاقات قائمة على الشك والكراهية العميقة تجلت في تلميحات الزعيم الروحي حين قال بأنه لا توجد مشكلة في تغيير طريقة انتخاب الرئيس ليتولى البرلمان هذه المهمة بدلا من الشعب كما هو حاصل حاليا وعلى كل عال فان احمد نحاة الذي سينهي ولايته الثانية لا يمكنه الترشح مرة أخرى لكن الخلافات العلنية مع الزعيم الروحي أجبرت القيادة العسكرية العليا والقوى الدينية على توضيح موقفها لجهة ولائها ولمن تمنح ثقتها.

ولا تعتبر خلافات نحاة وخمينائي ظاهرة جديدة حيث رافقت الخلافات الداخلية قيادة الثورة الإيرانية منذ تأسيسها لكن شخصية الإمام الخميني ووضعه كرجل دين ومرجع شيعي ودوره في إنجاح الثورة الإيرانية والتأيد الجارف الذي تمتع به من قبل قوات الحرس الثوري الذي أسسه منحه الصلاحيات والشرعية لتصفية خصومه الدينيين والسياسيين هذه الشرعية والدعم التي يفتقد لها المرشد الحالي علي خمينائي الذي لم يكن أفضل المرشحين لخلافة الخميني ويفتقد للمؤهلات والتفويض الديني الرفيع المناسب لمنصب المرشد الروحي وحتى وقت قصير من تعينه في هذا المنصب الهام كان يقول ويصرح بمعارضته لطريقة الحكم التي أسسها وقادها سلفه الحميني وذلك فيما يبدو لعدم قناعته بإمكانية تعينيه خلافا للإمام.

ويصف خمينائي بالرجل الشكاك بطبعه ولا يستند لقاعدة من الدعم الشعبي أو دعم عائلي هام عكس الرئيس الإيراني السابق رفسنجاني الذي استند إلى وضع عائلته القوي خاصة في مجال التجارة والإعمال وعلاقات عائلته المتشعبة والمتنوعة لكن خمينائي نجح وبسرعة كبيرة بإقامة منظومة موازية من العلاقات والسيطرة وزرع مؤيديه في كل فروع الجيش ووزارات الدولة وهناك الكثير من الوزراء الذين يدينون بالولاء له فقط ويقدمون تقاريرهم له مباشرة دون المرور بالرئيس احمد نجاة مثل وزير الدفاع وحيدي الذي يترأس أيضا مشروع تطوير الوسائل القتالية ووزير المخابرات " حيدر مسهلي" الذي اقله احمد نجاة عام 2011 لكنه عاد لمهامه بأمر مباشر من خامنئي نفسه.

ويشكل ممثلو خمينائي هؤلاء منظومة دفاعية ضد نوايا ومخططات مراكز القوة مثل الرئيس وقادة الحرس الثوري او رجال الدين الإصلاحيين الذي يحاولون زعزعة موقع وموقف خامنئي ويحتفظ المرشد إضافة لممثليه في الحرس الثور والجيش والوزارات بحاشية من المستشارين المتخصصين في جميع المجالات والنواحي أبرزهم علي اكبر ولايتي مستشاره لشؤون السياسة الخارجية والذي شغل مناصب وزارية رفيعة إضافة لعضويته في البرلمان ويعتبر ولايتي كما يبدو رجل الظل وحافظ أسرار المرشد وموفده السري في العديد من المهام الخارجية السرية تلك المهام التي لا يرغب خامنئي باطلاع احمد نجاة او وزير خارجيته عليها.

ويشار ان ولايتي لا يعمل متطوعا حيث مكنه قربه من المرشد من شراء العديد من المستشفيات في العاصمة طهران وهذا العمل يناسب شخصا مثله تخصص في طب الاطفال من جامعة " جونس هوفكينز " الامريكية.

وهناك صديق اخر مقرب للمرشد الروحي هو "محسسن رفيقدوست " الذي تولى حتى عام 1999 رئاسة مؤسسة المستضعفين المخصصة لمساعدة الطبقات الضعيفة وشهداء الحرب العراقية الايرانية وشغل منصب الوزير لشؤون الحرس الثوري وهو احد اغنياء ايران الكبار ويدير حاليا مؤسسة "نور" المسؤولة عن بناء الاف الشقق السكنية ويعتبر احد الممولين الكبار لجهاز المرشد الروحي خامنئي كما يوصف رئيس الاركان الايراني "حسن فيروز ابادي " باحد الاصدقاء المقربين من المرشد حيث ربطهم علاقة من الصداقة سبقت قيام الثورة وهو طبيب بيطري ويفتقر للخبرة العسكرية من تجربة بسيطة تراكمت لديه من واقع انتمائه إلى مليشيا الباسينج بادية الثورة ويوصف غناه بالفاحش لكن مصدر ثروته غير معروف.

هؤلاء فقط ابرز مستشاري المرشد الروحي الذي يترك أذنه مفتوحة لهم ويوجد إلى جانبهم سلسلة متشعبة ومتنوعة من أقارب المرشد يتولون مناصب ووظائف رفيعة وهامة مثل رجال دين من الدرجة الثانية يتولون مسؤولية الاتصال بين خامنئي ومراكز الدين الشيعي الهامة الموجودة بمدينة قم واصفهان وهناك من يتولون مهمة العلاقات مع الأقليات الكثيرة الموجودة داخل النسيج الإيراني ويتم تمويل جميع هؤلاء عبر منظومة مالية هائلة غالبيتها مثل تلك الخاصة بالجيش والحرس الثوري لا تخضع لرقابة البرلمان وجزء اخر منها يأتي من مصادر تمويل خاصة " متبرعين " ورجال اعمال حسب "هأرتس" العبرية.