الجمعة: 12/04/2024 بتوقيت القدس الشريف

حلم بيت دافئ تحول لخيمة فوق الحطام

نشر بتاريخ: 06/02/2014 ( آخر تحديث: 06/02/2014 الساعة: 18:51 )
القدس - معا - بينما كانت مي الدبعي تُحدّث جنينها عن غرفته التي اعدتها له وسريره الذي سيحتمي به من برد الشتاء وألبسته الجديدة والتجهيزات التي اعدت وتنتظر قدومه، لم تتصور مي بأنه سيكون اليوم الأخير لهذه الغرفة، وبعد دقائق لن تكون غرفة الجنين ولا البيت الذي سيتحول دفئه إلى ركام، وغرفه إلى خيمة فوق الحطام.

اشترى المواطن عزام ادريس وزوج ابنته بهاء الدبعي ارضا عام 2008 في حي الأشقرية الواقع في بيت حنينا بالقدس، وبعد عامين قاما بالإستدانة وبنوا بيتاً مكون من طابق واحد وقسموه إلى شقتين ليحميهم من برد الشتاء وحر الصيف وليكون مأوى لـ 15 شخصاً، ولكن اثناء البناء تعرضوا للكثير من المضايقات من قبل بلدية الاحتلال التي لم تتردد للحظة في تحرير مخالفة مالية باهظة للعائلة بقيمة 170,000 شيقل بحجة البناء غير المرخص.

وما بين الغرق في ديون البناء ومخالفة بلدية الإحتلال، أخذت العائلة تعمل ليل نهار من أجل سد الديون والمخالفة، متوقعين بأن الأمور ستقف عند هذا الحد ولن تزداد المضايقات، وسيكون البيت مكانا آمنا للأطفال والنساء تكبر أحلامهم داخله، ولكن بعد الانتهاء من البناء بدأت تزداد المضايقات ولكن هذه المرة من قبل المستوطنين وتحت حماية من قوات الاحتلال حسب ما قال ادريس.
|264511|

فبدأ المستوطن "ارييل كينغ" بالإدعاء بأنه يملك الأرض وأنه يملك أيضا أكثر من قطعة أرض في تلك المنطقة على الرغم من أن ادريس والدبعي قاما بشراء قطعة الأرض بشكل قانوني، فكان كينغ وجماعته يأتون في الليل "ليتلصصوا" على البيت من الشبابيك، ويرعبوا الأطفال، والنساء، ويقوموا بالمراقبة والترصد تحت حماية من شرطة الاحتلال.

وكان كينغ يأتي أيضاً برفقة صحفيين اسرائيليين، يقومون بتصوير البيت من الخارج، وعمل مقابلة مع كينغ وعدد من المستوطنين في محيط البيت، دون أخذ إذن من أصحاب البيت الحقيقيين، ضاربين بعرض الحائط قواعد المهنية الصحفية ومعتبرين بأن كينغ هو المالك الحقيقي للأرض.

اربعون يوما بعد تهديدات كينغ
لم تستغرق مدة كبيرة بين تهديدات كينغ وجلبه الصحفيين إلى البيت والهدم سوى أربعين يوما، ففي تمام الساعة التاسعة صباحاً من يوم الإثنين الموافق 27/1/2014م، داهمت قوة كبيرة من شرطة الاحتلال وحرس الحدود وطواقم بلدية الاحتلال والمستوطن ارييل كينغ وجماعته البيت بطريقة شرسة، فاقتحموا البيت وغرف النوم والأطفال والنساء نائمون بداخلها بطريقة وحشية، دون أدنى احترام لحرمة البيت، مما أدى إلى إصابة الأطفال بالذعر الشديد.

ودون سابق إنذار شرعوا بهدم البيت بعد الاقتحام دون السماح للعائلة بإخراج الأثاث أو بعض الملابس لتأويهم أو الأوراق الثبوتية أوالشهادات المدرسية للأطفال من المنزل، فهدموا البيت فوق كل شيء لتدمر قوات الاحتلال أحلام الأطفال بداخله.
|264512|

اعتقلوها وهي حامل
ولم تسلم مي الدبعي من قوات الاحتلال فعلى الرغم من معرفتهم بأنها حامل، قاموا باعتقالها لعدة ساعات، مسببين لها الذعر والخوف، بالإضافة إلى اعتداء قوات الاحتلال على أفراد العائلة، مما أصاب الأطفال الذين لم يتجاوز السبع سنوات بالذعر الشديد والبكاء جراء عملية الهدم الشرسة والاعتداء التعسفي على عائلتهم.


لم يكن من السهل على الطفل محمد الدبعي الذي يبلغ من العمر سنتين ما شاهده اثناء الاقتحام والهدم، فكان الطفل الشاهد الأول على عملية الاقتحام والهدم الشرسة، وشاهداً على البنادق التي رفعت في وجهه ووجه عائلته، وعلى الخوف الذي ساد المكان قبل أن تتحطم جدران غرفته.

اتصل الجيران ببهاء الدبعي الذي كان في العمل ليخبروه بحالة الهدم، وعندما قدم حاول حماية ابنه المرعوب وزوجته الحامل التي اعتقلت، فقامت قوات الاحتلال باعتقاله ايضاً وأخذه إلى مركز الشرطة في مستوطنة النبي يعقوب حسب ما قال بهاء.

كل هذه الصور التي سجلت في عقل محمد الصغير من اقتحام شرس لغرفته الآمنة، واعتقال لوالديه، وهدم منزله الجميل وسط البنادق والخوف الرهيب، أدت إلى اصابة الطفل محمد بحالة من الذعر الشديد جعلته وفي غضون ساعات مضطرباً نفسياً يعاني من الكوابيس عند النوم، والصراخ والبكاء المفاجئ في وضح النهار ناهيك عن ظهور مشاكل في النطق والخوف الدائم من الغرباء.

بعد الهدم .... خيمة
15 شخصاً يتوزعون الآن بين خيمتين، لا تأويهم من برد الشتاء، ينامون ويشربون ويأكلون في الخيمة بعد أن ابتلع الركام كافة ملابسهم وأغراضهم وأوراقهم الثبوتية ونقودهم، وأصبحت حالتهم مأساوية في ظل البرد القارص. حيث أفادت فاتنة ادريس، أنهم عندما بحثوا وحفروا بالركام الذي دمر كل شيء ليصلوا إلى أي من وثائقهم وأغراضهم الشخصية وخاصة النقود والذهب الذي جمعوه بشق الأنفس من أجل أن يخطبوا لابنهم، فلم يجدو المال ولا الذهب، فأدركت العائلة حسب ما ذكرته فاتنة ادريس بأن قوات الاحتلال خلال المداهمة وقبل الهدم قامت بسرقة مبلغ 10,000 شيقل وذهب بقيمة 11,000 شيقل.

لا تطبيق لاتفاقية جنيف
لم تكن عملية الهدم هذه الأولى ولن تكون الأخيرة، ففي نفس اليوم الذي هدم فيه بيت ادريس والدبعي، هدمت قوات الاحتلال أكثر من 4 منازل سكنية في بيت حنينا والعيسوية، وهناك الآف البيوت التي هدمت والآف العائلات التي شردت ويوجد آلاف الأشخاص الذين ينتظرون الهدم والتشريد، وذكرت الكثير من التقارير أن أكثر من ثلث المنازل في شرق القدس المحتلة مهددة بالهدم، ولكننا لم نسمع عن هدم منزلاً واحداً في غرب القدس رغم وجود الكثير من المنازل غير القانونية.

هذه القصة وثقها المكتب الإعلامي لإتحاد الجمعيات الخيرية -القدس، معتبرا ان سياسة التعنت وعدم منح تراخيص بناء للفلسطينيين في القدس من السياسات الممنهجة التي تعتمدها سلطات الاحتلال لتشريد الفلسطينيين من المدينة، رغم أنه وحسب القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة فان سكان القدس المحتلة هم مدنيون يقبعون تحت الاحتلال وتجدر حمايتهم كمدنيين عزل كما ورد في هذه المعاهدة، الا أن الاحتلال لا يلتزم بجنيف ولا بحقوق الانسان بل هم فوق أي القانون دولي.

وقال المكتب الاعلامي إن هذه المأساة التي تعرضت لها عائلة الدبعي وإدريس وغيرهم من العائلات المقدسية التي ُشردت قسراً، تجعلنا نتساءل:
لماذا تمنح تراخيص البناء في غرب القدس بسهولة ولا تمنح للفلسطينيين في شرقها؟
ولماذا لا يتم تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على الفلسطينين في القدس المحتلة؟
وما هو دور المؤسسات الدولية والحقوقية الموجودة في فلسطين تجاه الفلسطينيين وما يجري من حالات هدم شبه يومي؟ وإن لم تستطع هذه المؤسسات حماية الطفل محمد الدبعي الذي لم يتجاوز السنتين فما هو الداعي لوجودها؟
فهل المطلوب هو اصدار التقارير والتقاط الصور أم المطلوب حماية ومحاسبة؟!!