عندما عانقت خانيونس البحر والتحمت رفح بأهلهـا - بقلم : د. مصطفى البرغوثي

نشر بتاريخ: 20/09/2005 ( آخر تحديث: 20/09/2005 الساعة: 12:04 )
معا - في لحظة انسانية فريدة، ومع خروج اخر جندي احتلال من مستوطنات غزة، أشرق نهار الثاني عشر من ايلول على قطاع غزة، لتندفع محافظات رفح وخانيونس بأطفالها ورجالها وشيوخها ونسائها نحو البحر الذي حرموا منه لخمس سنوات.
مشهد لن ينسى لالاف من البشر يلتحمون بالبحر والرمال والحقول. سكان المواصي والقرية السويدية الذين كانوا سجناء خلف أسياج المستوطنات خرجوا لأول مرة من الحصار. احدهم قال لي، لم اغادر قريتي منذ خمس سنوات واليوم ولدت من جديد.
وفي نفس اللحظات اندفع الالاف بعفوية كاملة يجتازون الحدود للقاء أحبتهم في النصف الثاني من رفح على الجانب المصري وفي العريش.
أحدهم قال ذهبت لأجلب اختي التي لم نرها منذ اثني عشر عاما وآخر ذهب ليقابل خطيبته التي انقطع عنها خمسة أعوام وأمهات جررن أمراضهن وعمرهن العتي ليتسلقن الحاجز كي يشاهدن ابناءهن بعد انقطاع بدا انه لن ينتهي.
وأم شاهدت لأول مرة ابنها المبعد منذ عشر سنوات واحتارت ملامح وجهها بين الدموع وبسمة الفرح.
أما الصيادون الذين صدأت مراكبهم فعادوا لأول مرة بالسمك من بحر لم تصله شباكهم منذ سنوات.
هذه صور لم ينقلها للأسف الاعلام، لا العالمي ولا العربي.
كما لم ينقل بالعمق والزخم المطلوب حجم الدمار الذي خلفه جيش الاحتلال في ارض محروقة بالمعنى الحرفي للكلمة.
سواء ركام بيوت المستوطنات المدمرة، واشجار النخيل والفواكه المقتلعة والمحترقة، او صور الاراضي الزراعية المجرفة وعشرات الكيلومترات من الطرق والبنى التحتية، وخطوط المياه والكهرباء التي جرفت عن بكرة أبيهـا.
ولم يعرف الاعلام كيف ينقل صور ما سموه الكنس، التي خربها الاسرائيليون قبل ان يخرجوا دون ان يتركوا فيها نافذة ولا باب ولا مصباح الا وحطموه، ثم اخذوا يندبون لان الفلسطينيين سيهدموها.
حتى العيادة الوحيدة التي تركوها، لم يكن فيها جدار واحد غير ممزق ولا مغسلة غير محطمة ولا نافذة غير مهشمـة.

أرض محروقة، ودمار حاقد شامل.


وبالمقابل لم ينقل الاعلام صور الدمار الهائل لالاف البيوت الفلسطينية في رفح وخانيونس والمناطق الوسطى التي كانت هدفاً لمرمى النيران الاسرائيلية على مدار سنوات. والتي يغدو مشهدها صاعقاً عندما يراها الانسان من الجانب الاخر، تذكرنا بمشهد المدن المدمرة في الحرب العالمية الثانية، كاشفة حجم الجريمة التي ارتكبها المحتلون ضد الاف البيوت، ومئات الشهداء بمن فيهم راشيل كوري وتوم هارندل الذين لم تحمهم جنسيتهم الامريكية والبريطانية من ان يسقطوا شهداء برصاص الجيش الاسرائيلي وهم يحاولون حماية بيت وطفل في رفح.


ومع كل ذلك لم يجد بعض الاعلاميين ما ينقلوه سوى صور الفقراء الذين هرسهم الفقر والعوز وهم يبحثون بين ركام المستوطنات عن ما يساوي بضعة شيكلات من الالمنيوم او الخشب ووجهوا اللوم للناس البسطاء على الفوضى، دون ان يسأل أي منهم، اين ذهبت لجان المساندة والحماية وفرق الدعم التي انفق عليها الكثير ولم نر لها وجودا في مستوطنات غزة.


لم يصور الاعلام جدار الفصل العنصري الجديد الذي بدأت اجزاء منه بالظهور في شمال غزة، ولا طائرات الاحتلال التي تمسح شوارع ومدن القطاع بالبوصة على مدار الساعة، ولا الشريط الشمالي والشرقي الذي ما زال محتلاً بدبابات الاحتلال والمرابطة داخل حدود قطاع غزة.
انتصر شعب غزة بصموده وكفاحه ومقاومته وفشل الاعلام في ان ينقل للعالم صورة شعب اسير خرج من الزنازين، ليواجه مخاطر سجن محكـم.
ولم ينجح الاعلام في تصوير الوعي الذكي لابناء وبنات شعبنا في قطاع غزة، والذين فهموا ان الاحتلال لم ينته بعد، وانهم خرجوا من زنازينهم ليجدوا انفسهم في سجن كبير محاط بجيش الاحتلال.
التقينا خلال تجوالنا في القطاع من شماله الى جنوبه بالالاف من الناس ورجال الامن الوطني والشرطة المرهقين بتعب لا يوصف دون ان يتذمروا ولم نسمع من كل من قدمنا له التهنئة بخروج المستوطنين الا جواباً واحداً ظل يتكرر دون تغيير ......فرحتنا الحقيقية عندما تتحرر القدس والضفة. وعلى عكس بعض الفصائل التي تبدي عجزاً عن الذوبان في محيط الوطن الواسع ومشاعره الكبيرة بعيداً عن التنافس الفصائلي والفئوي وحرب الرايات المتنافسة، فان الناس فرحوا ولم يفرطوا في الاحتفـال.
ولذلك لن تقلقنا محاولات فصل غزة عن الضفة واوهام شارون بتصفية وحدة مصير الشعب الفلسطيني وطموحه للاستقلال في وطن حر وموحد.
الذي يقلقنا هو غياب الاستراتيجية الوطنية المشتركة في مواجهة هجوم شارون السياسي. ونجاح اسرائيل الاعلامي في اخفاء معالم جريمتها طوال ثمانية وثلاثين عاماً خلف تأوهات ومعاناة مزيفة لمستوطنين لصوص اضطروا ان يتركوا ما سرقوه من ارض وبحر، وما زالوا يصرون على ابقاء هيمنتهم على معابر وبحر وجو قطاع غزة.
ويقلقنا تبختر شارون في اروقة الامم المتحدة في الذكرى الثالثة والعشرين لمجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبها، يتلقى النياشين وجوائز التطبيع من وزراء العرب والمسلمين ودون ان يعلو في نفس الاروقة صوت يمثل ويعبر عن صوت المظلومين والمحرومين الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة، والمطوقين بسبعمائة حاجز وجدار فصل اجرامي في سجون مقطعة الاوصال في الضفة الغربية والقدس. صوت الاف السجناء من غزة والضفة والقدس الذين ما زالوا يقبعون في سجون الاحتلال. وصوت صيادي وبحارة غزة الذين تمنعهم زوارق الاحتلال عن الابحار لمتر واحد اعمق من الكيلومترات الخمسة المحددة لهم، حتى بعد خروج المستوطنين والحكم العسكري.
ان ما يريده الفلسطينيون ونريده، رؤية واضحة لكيفية مواجهة الامر الواقع الاسرائيلي بالامر الواقع الفلسطيني والهجوم السياسي الشاروني بهجوم سياسي مضاد. ما نريده الدعوة فوراً لمؤتمر دولي يفتح ملفات قضايا الحل النهائي في اطار القانون الدولي والشرعية الدولية، وفتح فوري لملف محكمة لاهاي وقرارها ضد جدار الفصل العنصري للضغط على اسرائيل كي تزيل الجدار او تواجه العقوبات.
وما يريده الناس قرار فلسطيني مصري بابقاء معبر رفح مفتوحاً وحملة ضغط لتحقيق عبور آمن بين الضفة والقطاع، ووقفة شعبية شاملة تقتدي ببلعين في تصديها لجدار الفصل العنصري.
وقديماً قيل "لا يضيع حق وراءه مطالب" ولن يضيع حقنا ما دمنا قادرين على ان نطالب ونكافح.
ومن يريد تأكيداً فليسأل الحاج ابو هولي الذي صمد ليرى بعد ان تجاوز الثمانين تهاوي حاجز الاحتلال البشع، واستعادته لحقه في ان يفخر باسمه.



الامين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية