الإثنين: 15/08/2022

انفصام في الشخصية وإدارة سيئة للصراع

نشر بتاريخ: 30/09/2005 ( آخر تحديث: 30/09/2005 الساعة: 16:32 )
معـــــا - بقلم مهند عبد الكريم العكلوك
يستمر الصراع على أشده، وتستمر حرب لا هوادة فيها، حتى بعد إخلاء غزة من الجيش والمستوطنين الإسرائيليين، بل تعود جذوة الصراع إلى المربع الأول، ويستأنف جيش الاحتلال سياسة الاغتيالات، ويرسل شارون طائرات الـ F16 والأباتشي في كل نهار وليلة، ومع اقتراب الفجر، ليوقظ صوت غاراتها الوهمية كل من هو نائم في غزة من إنسان وحيوان ونبات، ويتم ذلك في لعبة رعبٍ لا إنسانية، على شكل عاصفة رعدية مُرعبة تهز الأرض، وتسقط القلوب، وتشيب لها رؤوس الولدان.

تفرض عملية "أول الغيث" العدوانية الإسرائيلية قواعد جديدة للعبة، كما يقول وزير الدفاع الإسرائيلي، ولشدت وحشيتها، أو ربما تصحيحاً لخطأ ما وقع في جباليا، تُعلن بعض فصائل المقاومة وقف عملياتها انطلاقاً من قطاع غزة، في سابقة ربما، أقول ربما، تجرح للوهلة الأولى كبرياء المقاومة الفلسطينية التي لم يتضمّن قاموس خطاباتها العاطفية يوماً مصطلحات الاستسلام أو الانحناء للعاصفة.

لماذا وصلنا إلى هنا، ولماذا بعد نجاح المقاومة في ردع الاحتلال، اضطررنا إلى إعلان وقفها من غزة على هذا النحو جهاراً نهاراً، وفي حالة من الرعب، بالضبط كما سعى شارون لأخذ براءة تحييد غزة من الصراع؟ لا أقول أننا يجب أن نقاوم حتى الموت، فرسالتنا هي أن نحيى بحرية وكرامة، ولا أقول أننا يجب أن نقاوم من أجل المقاومة، بل من أجل تقرير المصير وقطف الثمار، ولا أقول أنه من العيب تقييم وسائل وأساليب المقاومة، فهذا ضروري لكل زمان ومكان مع تبدل الظروف واختلافها، ولا أقول أن الصراع كرّ دون فرّ، بل هو تراجع وتقدّم، لكني أقول أن قضيتنا العادلة فشلت هذه المرّة في إيجاد محامٍ ناجح يترافع عنها، وهذه النتيجة التي وصلنا إليها لا يُلام عليها طرف فلسطيني دون آخر، بل كل الأطراف يقع عليها اللوم في سوء إدارة هذا الصراع المرير مع الاحتلال، على الأقل في هذه المرحلة من تاريخ الصراع، وعلينا أن نعترف بذلك.

دعونا نتخيل إنساناً لديه جسد قوي، يديره رأس ضعيف، أو أنّ هذا الرأس لم يعد يسيطر أو يضبط حركات هذا الجسد؛ ففي الوقت الذي يأمر الرأس الذراع اليُمنى لتصافح، وبينما هي تمتد، تنطلق الذراع اليُسرى لتضرب. ماذا يكون حال هذا الإنسان؟ ربما يكون مصاباً بمرض "انفصام الشخصية"، وهذا ما عليه حالنا هذه الأيام، فشعبنا وقضيتنا هي ذلك الجسد القوي الذي لا يضبطه رأس قوي، بل أن لديه رأس شرعي، ورؤوس أخرى غير شرعية، والنتيجة أن قرارنا ليس واحداً، علماً أنه يجوز الاختلاف في الرأي لكن لا يجوز التشتت في القرار، وهذا من حسنات الديمقراطية التي تتيح تعدد الآراء السياسية، لكنها تبقي القرار والمسؤولية عنه لدى الجهة المنتخبة والمفوضة من الشعب، متيحةً الفرصة لمعارضتها ضمن القنوات الشرعية.

رغم محاولاتها التوفيقية الدائمة، لا تبدو السلطة الوطنية الفلسطينية بمظهر الدولة ذات السطوة، التي تفرض سيطرتها الشرعية على سير الأمور في قطاع غزة، فلا أحد بات يشك بوجود انفلات أمني، أهم مظاهره الاغتيالات السياسية والاختطافات بين الفينة والأخرى، وتعدد الجهات التي تمتلك السلاح وتستخدمه وتستعرضه في الشارع، من فصائل وعائلات مما يؤدي إلى إرباك في التعامل مع السلاح وتعريفه، ما بين سلاح المقاومة وسلاح الفوضى الذي اختلط أحياناً ببعضه البعض، وأحياناً استخدم الأول في مكان الثاني، ما أدى إلى فقدان الاستقرار والأمن والنظام، وهذه من أوّل المسؤوليات الملقاة على عاتق أي سلطة أو حكومة، ولكنها إذا فشلت في فرض النظام مهما كانت الأسباب، وكانت النتيجة فقدان المجتمع لأمنه فإن على هذه السلطة أن تخلي مكانها، مستقيلةً،غير مأسوف عليها.

السلطة الوطنية تجد نفسها في موقف حرج ما بين التعامل بالقوة مع حالة تعدد السلاح، التي تؤدي إلى فوضى، وحقيقة أن الاحتلال مازال جاثماً على أرضنا ما يبرر لبعض الفصائل الاحتفاظ بسلاحها، خاصةً وأنه ليس هناك ثقة بأن طريق المفاوضات مع شخص مثل شارون، هو الطريق الوحيد الناجع والفعال المؤدي لاسترداد الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ لكن هذا لا يعفي السلطة من مطالبة مواطنيها لها بتحقيق الاستقرار والأمن الداخلي، وبالتالي يجب حل هذا الإشكال تماماً وبفاعلية وبسرعة، بين السلطة والفصائل، ونتمنى أن يتم ذلك عبر الحوار والتوافق الوطني.

على فصائل المعارضة المسلحة بسلاح المقاومة، أن تراعي الظروف التاريخية الدقيقة التي تمر بها قضية الشعب الفلسطيني، وعليها أن تزن الأمور بميزان الذهب، وأن تراعِ المصالح العليا للشعب الفلسطيني، وأن تغلّبها على كل مصحة حزبية أو فئوية ضيقة، إنّ على هذه الفصائل أمانة غالية، معمّدة بالدماء والتضحيات والآلام والمعاناة، مطلوب منها صيانة هذه الأمانة وعدم التفريط بها، فالانتماء إلى الوطن والحرص عليه ينبغي أن يكون أشد من الانتماء إلى فصيل ما والحرص عليه، ويجب أن تتوافق الأجندة الحزبية مع الأجندة الوطنية الكلية، لا أن يُختصر الوطن في الحزب.

الحكم وسلاحه وصلاحياته ومسؤولياته منوط بالسلطة أو الحكومة الشرعية المُنتخبة، أو تلك التي ستُنتخب عندنا في كانون الثاني المقبل، ولا يجوز، بل لا يصح أن تحكم المعارضة، وإنما يمكنها المشاركة عن طريق الرقابة على سير الحكم، فتدعم البناء السليم، وتفضح الممارسات السلبية والفساد على اختلاف أشكاله ومرتكبيه، والقضاء المُستقل هو الحكم؛ هذه هي قواعد اللعبة الديمقراطية، فالمعارضة عندما تمارس الحكم، سيقع خللٌ لا محالة، فهي ليست مفوّضة ولا مسؤولة من الشعب، وهي لا تقع تحت تلك الضغوط السياسية العربية والدولية التي عادةً ما تُمارس على الحاكم وليس على المعارضة، والتي لابدّ أن يُستجاب لها إلى حدّ ما، وإلا سنفقد غطاءنا الدولي؛ ومعلوم أننا نعيش في عالمٍ لا تميل دفّته نحو حقوقنا، وذلك بسبب تركيبته أحادية القرن الأمريكية، المنحازة إلى الدولة العبرية المحتلة، بحيث يتساوى في حكم هذه التركيبة الضحية مع الجلاد، بل غالباً ما ينصف الظالم على حساب المظلوم.

لن ينفعنا إلا اعتمادنا على أنفسنا بالدرجة الأولى، وكي نحسن إدارة صراعنا المُعقّد الطويل مع الاحتلال المجرم، لا بُدّ أن يكون قرارنا واحد، يُصنع في مطبخ سياسي واحد، لا يهم إن تعددت الآراء، ولكن المهم أن لا يتشتت الجهد والقرار، وهذا لا يجب أن يكون إجراء شكلي تجميلي نلجأ إليه كلما واجهنا مأزقاً ما، كما تجري الأمور في ما يُطلق عليه "لجنة المتابعة العليا للقوى والفصائل الوطنية والإسلامية"، مع احترامنا لحسن نوايا القائمين عليها. إنّ منطق الاحتلال في قوته، ولكنّ قوتنا في منطقنا وعدالة قضيتنا، فلنوظف لها دفاعاً ناجحاً يذود عنها ويترافع لها.