طنجرة الضغط وما يراهنون عليه...

نشر بتاريخ: 01/10/2005 ( آخر تحديث: 01/10/2005 الساعة: 09:16 )
غزة- معا- الوضع سيان, في الضفة الغربية جدار فصل ولكنه من الاسمنت يأكل آلاف الدونمات الزراعية التابعة لمزارعين فلسطينيين، وفي قطاع غزة جداران ينتظران الجدار الثالث ولكنها من الأسلاك الشائكة وأيضاً تأكل هذه الأسيجة آلاف الدونمات الخصبة.

فلعل الصورة هنا تبدو واضحة، قطاع غزة مع توقعات ارتفاع سكاني خلال السنوات العشر المقبلة ومع كثافة سكانية هي الأعلى بين العالم يترك قرابة مليون ونصف مواطن على مساحة لا تتجاوز 365 كيلومتر مربع، مع اختلافات أيديولوجية وسياسية ومعبر وحيد شبه مغلق وبحر له حدود إقليمية قريبة جداً من الشاطئ بحيث لا تتجاوز ثمانية اميال في حين تتمتع كل البلاد الساحلية بمياه إقليمية تتجاوز عشرين ميلاً.

وبالتحليل لخطة فك الارتباط أحادية الجانب فإن شارون يهرع خائفاً من الغول الديموغرافي الذي يتوقع نموه في قطاع غزة، فهو لا يستطيع أن يواصل حكم النار والحديد لقرابة مليون ونصف مواطن وثمانية مخيمات مكتظة عن آخرها وتفرخ إرهابيين على حد قوله، ويقول لهم ها قد تركت لكم القطاع وإن فكرتم بالتنفس في مساحة اوسع منه فسأعيدكم إلى سيرتكم الأولى، أي إلى ما قبل نكسة العام 1967 حيث تعيد مصر سيادتها على قطاع غزة، فيما تعود الضفة الغربية إلى الحكم الأردني وتصبحان جزءين منفصلين تماماً كما السابق، في مخالفة واضحة لكل الاتفاقات الدولية والمواثيق التي أصرت على الربط بين شطري الأرض الفلسطينية المحتلة.

الاحتلال الإسرائيلي عندما خرج من قطاع غزة سحب معه قرابة ثمانية آلاف مستوطن فقط من إحدى وعشرين مستوطنة، سيطروا على قرابة 40% من مساحة قطاع غزة، وعلى كافة المخزون المائي العذب، وعلى أخصب الأراضي الزراعية تاركاً مليون ونصف مواطن فلسطيني مزدحمين في مخيماتهم الضيقة ومنازلهم المتلاصقة، مع قلة الفرص للبناء في توسع رأسي نظراً لصعوبة إدخال آليات البناء الضخمة بين الأزقة، عدا عن قدم هذه المنازل مما يهدد إما بتصدعها أو سقوطها رأساً على عقب فيما لو خطر ببال أحدهم بناء طابق فوقها.

بعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة استطاع الفلسطينيون رؤية ما كان مبهماً لديهم وغائباً عن ناظريهم، أخطر ما رأوا حدود العام 1967 من الشرق والشمال، حتى ان نساء في جباليا وبيت حانون جذبهن ما رأته أعينهن على بعد مئات الأمتار من مدينة المجدل المدينة الفلسطينية المحتلة في العام 1948.

وفي وسط قطاع غزة رأت النساء بالقرب من قرية المغراقة مكاناً حرم على أبناء القطاع الاقتراب منه وهو جحر الديك نقطة عسكرية إسرائيلية في وسط القطاع ومن خلفها تقع المستوطنات الإسرائيلية والمدن التي احتلت في العام 48 على بعد قليل من بئر السبع، وعندما خرج الاحتلال ترك للفلسطينيين مساحة حدودية قدرها 150 متراً فقط، أي ان المواطنين الذين سيتكاثرون في ظروف عشرة أعوام لن يكون أمامهم سوى هذه الأمتار المائة والخمسين، ولكن هذا الاحتلال عاد فتراجع ليأكل من الأرض الفلسطينية التي لم يهنأ بها الفلسطينيون بعد ما مقداره 650 متراً اتخذها كحدود يجب على العالم ان يعترف بها، مهدداً بإطلاق النار وربما القذائف المدفعية باتجاه من تسول له نفسه الاقتراب منها، وهو بذلك يوجه رسالة مكشوفة لفصائل المقاومة بالتفكير مائة مرة قبل إطلاق صاروخ واحد، وإلا فإن طائرات الاحتلال لديها من الغارات الوهمية وقنابل الصوت والقنابل الضوئية وصواريخ القتل والتدمير ما لا يروق لكثيرين.

الاحتلال يقيم حول القطاع جدارين من الأسلاك الشائكة، الأول طبعاً في منطقة حدودية ويلتف حول القطاع كالأفعى، ويتخذ شكلاً مضحكاً فهو سياج متشابك وملتف يقع على بعد قرابة ثلاث أمتار ممشطة جيداً، ويضرب عمقه بالأرض، ومن ثم ثلاثة أمتار أخرى ممشطة جيداً كذلك وسياج آخر، وكلاهما يرتفع ستة أمتار على سطح الأرض، مع عزم تظهر آثاره على الأرض لبناء جدار اسمنتي يكون رقمه الثالث خلف هذين الجدارين ويعمل كحاجز قوي لأي اختراق كان، فيما يرتفع ثمانية امتار عن الأرض وبذلك يكون ارتفاعه مساوياً لعدد مخيمات القطاع، بينما تكون آثاره سياسية أكبر من ان تستوعب عودة لملايين اللاجئين حيث تناقلت في الاونة الاخيرة أنباء حول محاولات لتوطين لاجئي لبنان في قطاع غزة.

جداران متشابهان أحدهما في الضفة الغربية وآخر في قطاع غزة، مع تسارع ملحوظ في تسوية الأرض الفلسطينية شمالي القطاع لترسيم منطقة حدودية عازلة، يختزل خلف ثلاثة جدر ومنطقة عازلة مليون فلسطيني ونصف، يتنعمون بهواء بحر مسلوب وأجواء ملبدة بالطائرات وحدود محكمة السيطرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

المواطن الفلسطيني يفطن لهذه الأجواء النهائية للخطة الإسرائيلية فك الارتباط ولب السؤال لديه أين سيسكن ابني وحفيدي، وهل التوسع الرأسي هو نهاية المطاف؟.