الخميس: 22/10/2020

حركة" الوعي واللاوعي" الفلسطينية بين أدب النكبة قبل 1948 والحاضر

نشر بتاريخ: 22/03/2018 ( آخر تحديث: 22/03/2018 الساعة: 23:06 )
حركة" الوعي واللاوعي" الفلسطينية بين أدب النكبة قبل 1948 والحاضر
بقلم: د. زياد بني شمسه
أستاذ الأدب والنقد
جامعة بيت لحم
2018
في ظل المخاض الفلسطيني الكبير اليوم من الاحتلال وممارسته على أرض الوطن؛ وكذبه وأطماعه؛ وفي ظل جلد الذات الفلسطينية وما آلت إليه الحالة الفلسطينية من التصادم والانقسام والوصول مع المحتل إلى سد منيع؛ وبين الوعي واللاوعي الوطني والاجتماعي والثقافي والسياسي.. ، قبل عام 1948 وبعدها، نطرح تساؤلا هنا هل تغيرت صورة الفلسطيني ووعيه لقضيته قبل 48 وبعدها؟ أم هي الصورة والحالة ذاتها بعد مرور سبعين عاما على النكبة؟ هل وعى الفلسطيني لماذا النكبة، أم نبقى نعلّق خيبتنا وهزيمتنا على شماعة الاحتلال وحدها؟ ألسنا نحن الفلسطينيين شركاء في الجريمة ارتكبناها بحق ذاتنا فكانت النكبة والنكسة والوكسة؟؟
من يقرأ التاريخ عليه أن يفرق بين ثلاثة مفاهيم للحالة الفلسطيني؛ التي من خلال معيار الوعي واللاوعي تمر في ثلاث حالات : الحالة الأولى " اللاوعي الثوري " : فجلّ ما خاضه الفلسطيني في معركته النضالية وما سجلته الذاكرة الأدبية قبل 48 يندرج تحت مسمى " الأدب الثوري" أو "أدب الكفاح االنضالي والاجتماعي"؛ فهي ثورة إما تعي نضالها وتعرف ما يحاك حولها وتحمل روحها على كفها:
سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى
وإما أن تعيش اللاوعي الثوري لا يعرف فيه الفلسطيني عدوه من صديقه؟
والحالة الفلسطينية الثانية ما بين 48-67؛ ضياع فلسطين وتقسيمها واحتلالها أنتج حالة فلسطينية ذاهلة مخذولة بالهزيمة النكراء؛ فما سجلته الذاكرة الأدبية لتلك الحالة يمكنني أن أطلق علية تسمية " أدب الذهول " فوقف الفلسطيني فاقدا وعيه بإرادته؛ باكيا حالته المشردة المهجرة عن وطنه وأحلامه، وظلت العيون دامية باكية على البيت والحقل والمحجر؛ والمفاتيح تتدلّى في الأعناق، وكل ما يُسمع هنا وهناك صوت شجي حزين، وبكاء في منفى، وتأبين لشهيد، ووصف لمجازر، وتساؤلات كثيرة معجمها اللفظي والمعنوي: غربة أو منفى أو مخيم، أو أشلاء، يقول الشاعر هارون هاشم رشيد :
لماذا نحنُ يا أبتِ؟ لماذا نحنُ أغرابُ؟
أليسَ لنا بهذا الكونِ أصحاب ٌوأحبابُ ؟
أليس لنا أخلاءٌ أليس لنا أحباءُ
أَمَا كانَ لنا وطنٌ
لماذا نحنُ يا أبتِ لماذا نحنُ أغرابُ؟
الحالة الثالثة حالة الوعي المقاوم ما بعد عام 67م: مرحلة الكف عن البكاء ولملمة الجراح، رغم محاولات التنكيل والاقتلاع وسلخ الفلسطيني عن أرضه؛ والتهجير الثانية بعد نكسة 67، مرحلة "الأدب المقاوم"؛ جعلت الأرض محور الشعر وقصيده ومقصده؛ فظهرت كوكبة من الشعراء منهم: الشاعر راشد حسن وحنا أبو حنا وتوفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم..، هي مرحلة الوعي الكاملة لشعب أدرك المرحلة وكشف المخططات وفهم الآخر المغتصب اليهودي المحتل، وتعددت فيها وسائل المقاومة الواعية؛ فمنها المقاومة الثقافية والاجتماعية والسياسية، معبرا عن الكدح الاجتماعي؛والمقاومة الثورية سلاحا مقاوما واعيا:
الأرضُ والفلاحُ والإصرارُ
قل لي: كيفَ تُقهر؟
هذه الأقانيمُ الثلاثةُ كيفَ تُقهر؟
أما عن حركة الوعي واللاوعي الفلسطيني للأنا والآخر" اليهودي" قبل 48
الأدباء المرآة الصادقة التي تعكس آلام وآمال شعبهم وأمتهم وإنسانيتهم، والشعراء الفلسطينيون كما وضح د. إحسان عباس في كتابه الموسوعة الفلسطينية " أنهم يشكلون من أنفسهم دعاة يقظة، وامتاز شعرهم بخطابية عالية، ويركزون على الصورة السلبية للفلسطيني"، ومن هنا يمكنني الحديث عن اللاوعي الفلسطيني الذي استنكره الأدباء على شعبهم وأمتهم العربية، وكان من رموز تلك الحركة إبراهيم طوقان شاعر النور والنار، وعبد الرحيم محمود الشاعر الشهيد، وعبد الكريم الكرمي شاعر الكلمة والسيف وغيرهم كثر في مسيرة التحرر الثوري.
الحقيقة المرّة التي نستنتجها بعد قراءة أدب النكبة قبل 48؛ هي مرحلة اللاوعي الثوري ؛ لم يع الفلسطيني تلك المرحلة؛ حتى لم يعرف عدوه من صديقه؟ " كما غلبت الصورة السلبية على أشعاره"، فكان شغلهم التوعية لسماسرة البلاد، وتحذير عميل أو خائن، وتعرية سياسي وحاكم وزعيم. حتى أن الفلسطيني قبل 48 كان صدى لا صوت؛ فتراه يمجد العثمانيين تارة؛ يقول الشاعر سليم اليعقوبي مادحا أنور باشا التركي:
هذهِ فلسطينُ فازت عرُبها بكم يا أنورَ الناس؛ من تركٍ ومن عربِ
ثم ترى الفلسطيني يجعل صديقه التركي عدوا بعد الثورة العربية الكبرى؛ وتظهر برطانيا مخلصا له، تعده بالتحرير والاستقلال؛ كغيره من أشقائه العرب،وسرعان ما تكشف برطانيا عن أنيابها، معلنة وعدها المشؤوم " بلفور عام 1917، لتعطي وعدا من لا يملك لمن لا يستحق"؛ وتتحول برطانيا إلى عدو بدلا من حليف وقد مارست على الفلسطيني والعربي الخدع، وأوقعته في حبال أكاذيبها.كما لم تكن صورة اليهودي واضحة في اللاوعي الفلسطيني قبل 48م، فمرة هو جاره وحميمه، وتارة تاجر سمسار لأرضه يتعاون معه؛ ثم عدوا لدودا فلما جاء محتلا مدربا واعيا بمخططاته مجهزا محملا بخريطة ومعدة للاحتلال الأرض والفكر والإنسان والثقافة؛ أمام لا وعي شعبي فلسطيني يزيده تضليله أمم وزعامات عربية وفلسطينية في آن.
الأدباء قدموا صورة سلبية للفلسطيني في العشرينيات والثلاثينيات تمثل اللاوعي بالمرحلة ومرحلة اللاوعي الثوري، رغم التضحيات والدماء والشهداء، لكن الخيانة والتخاذل والانقسام كان أبر فكانت النكبة.
الفلسطيني الثوري يحمل روحه على كتفه، ولا يعرف أين يوجه بندقيته؛ فهل عدوه( عثمانيا عربيا ابن جلدته برطانيا يهوديا)؛ ومن الصورة السلبية في مرحلة اللاوعي الفلسطيني يظهر الفلسطيني البائع للأرض لسماسرة البلاد،ويبدو أن الشعراء بدأوا يبحثون عن كلمة وطن ليبلوروها لشعبهم؛ يقول طوقان:
تلك البلادُ إذا قلتُ "اسمُها وطنٌ" لا يَفهمون ودونَ الفهمِ أطماعُ
يا بائعَ الأرضِ لم تحفلْ بعاقبة ولا علمتَ أن الخصمَ خدّاعُ
فكّرْ بموتِك في أرضٍ نشأتَ بها واحفظْ لقبرِك أرضًا طولُها باعُ
غير أن غسان كنفاني في تحديده للوطن في روايته " عائد إلى حيفا" كان أكثر وضوحا في مرحلة الوعي التي شكلت بدورها الأدب المقاوم بعد 67 ؛ يقول سعيد وهو في حيفا لصفية:" أتعرفين ما الوطن يا صفية ؟ الوطن ألا يحدث ذلك كله".
وهناك صورة أخرى تمثل مرحلة اللاوعي " الفلسطيني الزعيم"؛صورة قاتمة قبل 48 الزعيم الخائنة والحزبية والسيادة والسلطوية،المتسابق على كرسي أو مقعد مجلس أوبلدية أو مختار في العهد العثماني والانتداب البريطاني؛ يقول طوقان موضحا لا وعي القضية:
هزُلت قضيتكم فلا لحمٌ لكم ولا دمُ
بَلِيتْ قضيتُكم فص ـارتْ هيكلا يتهدمُ
ضَمُرت إلى بلديةٍ فيها العدا تتحكمُ
طوقان شاعر النور والنار،أراد أن يجعل الوطن محور القضية والانتماء في "صراع العقل السياسي"؛ مبينا أن الولاء لوطن لا للحزبية والعشائرية والقبلية،يقول: إنّ قلبي لبلادِي لا لحزبٍ أو زعيمْ
لم أَبِعهُ لشقيقٍ أو صديقٍ لي حميمْ
غايتي خدمةُ قومي بشقائِي أو نَعيمي
وفي ظل اللاوعي الفلسطيني بقيادته؛ وعقد المؤتمرات في ظل الضياع " مؤتمر القدس 1919 ومؤتمر نابلس 1922م،.. يبدأ طوقان يعرّي الانتهازيين من القادة التي تمارس الأكاذيب على شعبها؛ وأمام عدسة التصوير والإعلام يتنصبون المنصات بخطابات وشعارات زائفة؛ فهم قوّالون بعيدين عن الفعل والمقاومة؛ انتهازيون ينهبون خيرات البلاد؛ شغلهم بيانات جوفاء؛وجيوش حمّلوها عتادا دون ذخيرة، يقول طوقان:
كم قلتَ أمراضُ البلادِ وأنتَ من أمراضِها
والشؤمُ علُتها فهل فتشتَ عن أعراضِها؟
يا من حملتَ الفأسَ تهدمُها على أنقاضِها
اقعدْ؟؟ ما أنتَ الذي يسعى إلى إنهاضِها
وقوله:
أنتم المخلصون للوطنيــــــة أنتم الحاملونَ عبءَ القضيــــــــهْ
أنتم العاملون من غير قـــولٍ باركَ الله في الزنود القويــــــــــهْ
وبيانُ منكم يردُّ علينــــــــــا غابرَ المجدِ من فتوحِ أميــــــــــــهْ
في يدينا بقيةٌ من بـــــــلادٍ فاستريحوا كيلا تضيعَ البقيـــــــــهْ
وبسخرية لاذعة يقيم طوقان مفارقة بين زعامات البلاد وزعامات ثورية عالمية قادت شعوبها للحرية والتحرر؛ يبث وعيا جديدا للزعامات؛ راح يعقد المفارقات بين زعامات البلاد والزعامات العالمية التي قادت شعوبها نحو التحرر والاستقلال:
حبذا لو يصومُ منا زعيم مثل غاندي عسى يفيد صيامه
لا يصم عن طعامه، في فلسطين يموت الزعيم لولا طعامه
أما الآخر ( اليهودي المحتل ) بين الوعي الفلسطيني واللاوعي
لا تبتعد صورة الآخر اليهودي في ذهنية الفلسطيني كثيرا عن دائرة اللاوعي الفلسطيني قبل 48؛ الفلسطيني لا يعي عده ولا يعرف مخططاته؛ اليهود المغتصبون خدعوا البلاد والعباد؛ إما حجاجا يزورون الأماكن الدينية في العهد العثماني ولا يعودون؛ وإما جيرانا يشترون الأرض، ويطمعون بخيراتها؛ وإما عصابات "الهاجانا.. تقيم مستعمرات وكبوتسات غصبا؛ بعد كشرت الصهيونية عن أنيابها؛ الشعراء بدأوا يبثون اليقظة لشعوبهم ليعوا المرحلة والعدو؛ يقول طوقان:
لبنُ الأرضِ فاض سمّا زعافا ودما فانزلوا بها وأقيموا
واشربوا ملء بطون هنيئا هنيئا هكذا تشرب الذئاب الهيم
يا يهودي لا عليك سلام وإذا شئت لا عليك شلوم
اليهودي الآخر كان في وعي لما يصنع وفي عمق لما يخطط؛ فقد جاء مجهزا بعتاده ومشروعه الصهيوني الكبير؛يروج له وعيهم الثقافي والأدبي.
أما عن سؤال الهوية الفلسطينية بين الوعي واللاوعي من المحزن أن يمتد اللاوعي الفلسطيني قبل 48 إلى التنكر للوطن وعدالة قضيته؛أن ترى توجهات لا تنتمي لفلسطين وقضيتها من أبناء جلدتها؛ فهناك من لم يكتبوا بروح فلسطينية؛ انطلاقا من جدلية " الموقع والموقف" ؛ لنذهب بعيدا في سؤال الهوية؛ لنجد كاتبا وروائيا مثل عطاالله منصور من الداخل الفلسطيني؛ وقد عاش في كيبوتس وعمل صحفيا في جريدة إسرائيلة تصدر باللغة العبرية؛ ينحاز للآخر اليهودي المغتصب. في روايته " وبقيت سميرة "، ويعتبر اليهودي هو الحضاري والسامي المترابط بالأخوة؛ هم الواحد للآخر والآخر للجميع؛ أما الفلسطيني يعيش البؤس والشقاء والتخلف والعادات البالية ؛ تقول سميرة بطلة الرواية" لما صاروا أهلنا يفهموا إنه لبنت مش أوطى من الابن. صاروا يسممحوا للبنات يتعلموا ويشتغلوا.." وفي سؤال الهوية بين الوعي واللاوعي نقف عند الهامشية والتغريب للقضية لفلسطينية في أعمال أدباء فلسطينيين قبل 48؛ نجد خليل بيدس الي أطلق عليه أبو القصة الفلسطينية يهمش ويغرب القضية الفلسطينية؛ في الوقت التي كانت تعاني فيه فلسطين من الهجرات اليهودية والأطماع الاستعمارية يكتب خليل بيدس روايته " الوارث" سنة 1920؛ ويجعل روايته موضوعات غرامية بين شاب سوري يعشق يهودية غاوية ويقع في حبها وتبتزه للحصول على ماله لدعم الصهيونية العلمية؛ عاشت الرواية كل حالات التغريب للقضية وتهميشها؛ ولم تدخل إلى العمق الفلسطيني ومأساته ؛فمكان الرواية تغريبي في مصر؛ وشخصياتها ليست فلسطينية بل عائلة سورية؛ وفي حدود التهميش والتغريب للقضية تبقى الأعمال الأدبية الفلسطينية تعيش حالة اللاوعي قبل 48م
لنذهب أبعد من ذلك في قضية الوعي واللاوعي في سؤال الهوية الفلسطينية؛ لنقف على رواية " مذكرات دجاجة" للدكتور اسحق موسى الحسيني التي صدرت عام 1943؛ الروية تستشرف المستقبل الفلسطيني أبان النكبة، لتدور حول خطر الهجمات اليهودية على أرض فلسطين قبل 48؛ وموضوع الرواية اعتداء دجاجات معادية على دجاجات أصيلة وطردها من بيتها وتهجيرها؛ وتقدم الدجاجة الرشيدة مذكراتها بعد طرد شعبها وانتقالها من بيتها القديم إلى بيتها الجديد؛ معلنة لرفيقاتها أن تتعايش الدجاجات مع الوضع الجديد وتنشر مبادئ العدل والمساواة؟؟
وهنا يطرح أيهما أكثر فلسطينية عطا الله منصور أم جان جنيه الفرنسي الذي كتب عن فسطين وضياعها في روايته " أسير عاشق" عندما زار مخيماتهم في الأردن وجرش،؟ وتعاطف مع شعبه وهمومه. أم عطا الله منصور ؟ يقول:" إنهم من الرجال والنساء؛ وعلاقاتهم ببعضهم بعضا تثير في سميرة عواطف متضاربه".
هذه هي الحالة الفلسطينية قبل 48 لا وعي بالقضية وانقسام وتقاتل على السلطة أو رئاسة منصب أو بلدية، رغم وجود التضحيات والثورات وحمل الروح على الأكف، هل تغير الفكر الفلسطيني والوعي الفلسطيني تجاه قضيته اليوم ونبذ الخلاف والانقسام؛ أم الحالة هي باقية كما هي عليه؟ حتى تأتي قوة شبابية شعبية جارفة تحرق الأخضر واليابس؟ وتعيد رسم التاريخ والذاكرة؟