Advertisements

أحمد عبد الرّحمن... وداعاً

نشر بتاريخ: 03/12/2019 ( آخر تحديث: 03/12/2019 الساعة: 10:48 )

الكاتب: خليل نزال

لا يفهمُ سرَّ ديمومةِ فتح أحدٌ سوى أبنائها، لأنَّ قوّةَ هذه الحركةِ وتاريخَها ليس سوى حصيلةِ قوّةِ وتاريخِ المؤمنين بفكرتِها التي تصلُ ببساطتِها حدودَ علاقةِ الفلّاحِ بشجرةِ الزّيتونِ، وتعانقُ في فلسفتِها تعبُّدَ النُّسّاكِ في صومعةِ الوطن. ليست فتح فكرةً أسطوريّةً غيبيّةً، لكنّها ممارسةٌ ثوريّةٌ دؤوبةٌ لا تتوقّفُ إلا لتنظيفِ الدربِ من الألغامِ أو لبناءِ متراسٍ يحمي الفكرةَ ويقيها شرَّ أعدائها. ويعرفُ الفتحويّونَ بحُكْمِ التّجربةِ ورواياتِ جيلِ الرّوّادِ أنّ الألغامَ لا تزولُ وحدَها، وأنّ المتاريسَ لا تنبتُ من الترابِ،لكنَّ هذا وذاكَ بحاجةٍ إلى سواعدِ القابضينَ على جمرِ الإيمانِ بأنَّ شعارَ "ثورة حتّى النّصر" ليس ترنيمةً نردّدُها في العتمةِ لتُنسينا خوفَنا من غولِ المجهولِ، لكنّهُ برنامجُ فتح السياسيُّ وملخّصُ نظريّتِها الثّوريّةِ التي لا تؤمنُ بعدَ اللّهِ إلا بالشّعبِ وقدرتِهِ على مواصلةِ ضبطِ البوصلةِ حتى عندما تتلبّدُ السّماءُ بالسُّحبِ وتحجبُ الأفقَ جيوشُ الأعداء.
أحمد عبد الرّحمن واحدٌ من جيلِ طلائعِ العملِ الثّوريِّ الذينَ شاركوا في بناءِ مجدِ فتح وصناعةِ تاريخِها، وهم جيلٌ شاءت إرادةُ اللهِ والتحاقُهم المبكّرُ بصفوفِ الثّورةِ أن يعايشوا القادةَ المؤسّسينَ ويتتلمذوا في مدرسةِ فتح الابتدائيّةِ الأولى على أيدي آباءِ الوطنيّةِ الفلسطينيّةِ المعاصرةِ، فكان لهم حظٌُ المبادرينَ إلى ترسيخِ أسُسِ الثّورةِ في ظلالِ قاماتٍ عاليةٍ من أصحابِ الفكرةِ وحرّاسها. في هذهِ البيئةِ الثّوريّةِ مارس "أحمدُ العربيُّ" مهنةَ الإعلامِ الثّوريِّ الذي أعطتْهُ فتح مضموناً وشكلاً جديداً يليقُ بفدائييها، فهو إعلامٌ يستندُ إلى المتراسِ حينَ يرغبُ بمخاطبةِ العالمِ، وهو إعلامٌ يستمدُّ شرعيتَهُ من فوهةِ بندقيةِ الفدائيِّ وبَصماتِ خطواتِهِ على جبينِ التّاريخ. هكذا بنى أحمد عبد الرّحمن وأخوتُهُ من روّادِ مدرسةِ الإعلامِ الثوريِّ خطابَ فتح الإعلاميِّ الذي أتقنَ الجمْعَ بينَ الواقعيّةِ الملتزمةِ بالحقيقةِ وبين القدرةِ على مواصلةِ مهمّةِ التعبئةِ الجماهيريّةِ من خلالِ نشرِ ثقافةِ التفاؤلِ ونبذِ اليأسِ رغمَ ما يمتلكُهُ معسكرُ الأعداءِ من عناصرِ القوّة.
كانت "فلسطين الثّورة" أكبرَ من مجلّةٍ تضمُّ نخبةً من الأقلامِ الفلسطينيّةِ والعربيّةِ، فقد جعلَ أحمد عبد الرّحمن منها رسالةً فلسطينيّةً أسبوعيّةً ينتظرُها المقاتلُ في قاعدتِهِ والطّالبُ في أقصى جامعاتِ الأرضِ. ولم تكنْ قوّةُ فعلِ المجلّةِ واستحواذُها على ثقةِ القارئِ مرتبطةً بالمهارةِ الإعلاميةِ وحدها، لكنّها كانت ترتكزُ إلى قناعةِ القارئِ أنَّ فريقَ تحريرِ المجلّةِ هو مجموعةٌ من الفدائيّينَ الذينَ يراهم برفقةِ أبو عمار وأبو جهاد في شوارع بيروت وخلف متاريس طرابلس، فلم توكِلْ فتح مهمّةَ الناطقِ الإعلاميِّ باسمها أو رئيسَ تحريرِ المجلّةِ المركزيّةِ لمنظمةِ التحريرِ الفلسطينيّةِ إلى شخصٍ طارئٍ أو مستجدٍّ، لكنّها أتقنت اختيارَ فدائييها الإعلاميّين ليكونوا واجهتَها التي تخاطبُ بهم شعبَها. ومن يعرفً تاريخَ الإعلامِ الفلسطينيِّ يعلمْ كم من الشهداءِ قدّمَ في كل معاركِ الدفاعِ عن الثورةِ، وكيف كان مصيرُ جنودِهِ وكوادِرهِ مرتبطاً بمصيرِ الثّورةِ ومعاركِها، فكان مواكباً في الميدانِ لمعاركِ بيروت وطرابلس ولخروجِ قوات الثورةِ من لبنانَ إلى البحارِ والمنافي البعيدة، ثمَّ قامَ بدورِهِ المميّزِ في مواكبةِ الانتفاضةِ الأولى ونقلِ بطولاتِ شعبِنا إلى العالمِ. لكنَّ هناكَ لحظةً فارقةً يجبُ التوقّفُ عندها وهي الدّورُ المحوريُّ الذي قامت به مجلةُ "فلسطين الثّورة" في الدفاعِ عن الشرعيةِ والتّصدي لظاهرةِ الانشقاقِ عام ١٩٨٣ وما تلى ذلكَ من شعوذةٍ سياسيّةٍ غرقت في طقوسِها بعضُ التنظيماتِ الفلسطينيّةِ، فقد كان أحمد عبد الرّحمن بمقالاتِه الافتتاحيةِ الأسبوعيّةِ سيفَ فتح الإعلاميَّ ودرعَها وأداتَها لعزلِ ظاهرةِ الانشقاقِ ومحاصرَتِها والقضاءِ عليها.
أحمد عبد الرحمن.. واحدٌ من الجيلِ الفتحويِّ الأوّلِ الذي امتلكَ شجاعةَ المبادرةِ إلى الدفاعِ عن الثّورةِ وحمايةِ مسيرتِها، ومن حقِّ "أبو يزن" علينا أنْ نقولَ لهُ: أنتَ فصلٌ مشرقٌ وعزيزٌ من تاريخِ فتح، وعندما نقولُ لكَ اليومَ وداعاً فإنّنا نُودِعُكَ أمانةً في ذاُكرةِ شعبِكَ التي حصّنْتَها أنتَ وإخوتُكَ الإعلاميّونَ-الفدائيّونَ ضدَّ آفةِ النسيان.

Advertisements