الأحد: 27/09/2020

ثلاثون نبضة ووردة واحبكِ...

نشر بتاريخ: 14/12/2019 ( آخر تحديث: 14/12/2019 الساعة: 17:26 )
ثلاثون نبضة ووردة واحبكِ...
الكاتب: عيسى قراقع
كتب لها بأصابع مخدرة مرتجفة: باني احبك رغم ضعفي وانهيار جسدي وذوبان أحلامي بعيدا بعيدا عنك، وقريبا قريبا من عينيك اللامعتين العاشقتين الحاملتين هدوء السماء وحرث الأرض وذكرياتي.
ثلاثون نبضة في الدقيقة يضخها قلبي بعد خمسة وخمسين يوما من إضرابي المفتوح عن الطعام، وقد اخبرني الطبيب أنها تزداد انخفاضا كلما مرت الأيام واشتعل الملح في دمي وهبط وزني وتلاشت رؤيتي، واقتربت أكثر من شبحي منفصلا عن ظلي وأحلامي.
ثلاثون نبضة ووردة في قلبي ولازلت احبكِ، وعندما ساومني السجان بين إعطائي المدعمات والفيتامينات وبينكِ، اخترتك أنتِ، وضعت يدي على قلبي وأعلنت الصلاة المفتوحة إلى أن ينسحب الوجع من حولي أو أغرق في صمت صوتكِ دافئا كالإيمان.
كانوا يخشون أن أحضنكِ وآخذكِ معي إلى حيث قررنا أن نحيا، وأن نكون كما نريد أن نكون، فقيدوا يدي وقدمي بسرير مستشفى برزلاي الإسرائيلي، صادروا قلمي وأوراقي، ومزقوا صورتك المثبتة على حائط أمامي، وقالوا لي: أنت ذاهب في صحراء إلى المجهول، لا ماء ولا امرأة ولا قمر ولا شجرة، ولم يفهموا انكِ في أعماقي تحركين الماء في عروقي وتشرقين في ليلي كلما زاد ألمي واختفى فجر يقظتي.
ثلاثون نبضة ووردة وأحبكِ، وقد هرع كل الأطباء والضباط إلى غرفتي محذرين من إصابتي بسكتة قلبية فجائية، من موت يزحف نحوي صارخين: أوقف إضرابك المجنون ولا تتحدى دولة تملك الصواريخ والجيوش وقنابل النووي، قلت لهم: هي معي، حبيبتي الجميلة، تسقيني الحليب والقهوة، وتأخذني إلى بيتي وأولادي واشتال النعنع في حقلي الصغير، لا تروها ولكني أراها، تغازلني وتقبلي وتزرع في جسدي حياة أخرى، تتوحد معي وتحلق بي خارج المألوف ولا تروها، هي سر قوتي وسر ضعفكم معا.
ثلاثون نبضة ووردة وأحبكِ، وأنت معي، في زنزانتي الصغيرة المحشورة، أنت الهواء الذي منعوه، وأنت عكازتي بعد أن ضعفت قدماي، وأنت ندائي المسموع بعد أن عزلوني عن العالم، ولم يصدقوني عندما قلت لهم بأني في القدس اصلي، وأني على شاطئ البحر المتوسط امتطي الأمواج، وبأني هناك دائما جسدا واسما وروحا وهوية ميلاد.
ثلاثون نبضة ووردة وأحبكِ، لم أمت بعد، وكانوا جاهزين لطقوس الأبدية الموحشة، احضروا كيسا اسود، وتدربوا على استقبال موتي امنيا وسياسيا وإعلاميا، واجتمعوا كثيرا بعد منتصف الليل، راقبوني بالكاميرات على مدار 24 ساعة، ولكنهم لم يروكِ قرب عيني، تلبسين ثوبك الوردي، تقرأين قصيدتك التي تسيل قوافيها على شفتي مطرا مطرا، تضعين يدك على صدري وتنامين في حضني طويلا طويلا، تجمعين كلاما بين الزمان والمكان وتدثريني.
ثلاثون نبضة ووردة وأحبكِ، ها هم استنفروا بقواتهم الخاصة وقضاتهم وبوليسهم وعصيهم وغازهم، حياتي طالت أكثر مما قرره طبيب الموت، وحياتي طالت أكثر مما توقعه قاضي محكمة عوفر عندما جدد لي الاعتقال الإداري خمس مرات، وفي كل مرة يراهن أن اسقط في منتصف الطريق، ولأنهم لا يعرفون الحب ويكرهون الحياة، ولأنهم غرقوا في عنصريتهم وجبروتهم، واعتقدوا أن الحياة حرب، لم يروا وجهكِ يقترب من وجهي، وشعرك الخروبي يحميني كمدينة تتمرد على الغزاة.
ثلاثون نبضة ووردة واحبكِ، تقولي لي: أنتَ لي وليس لهم، وأنت روحي التي لا تفنى ولا ترحل، كن كما عرفتك منذ أن سمعت نشيدك في ساحة المدرسة الابتدائية إلى أن التقيت بكَ بين بندقية وشمس وحبة قمح في تلك الساعة الفلسطينية، أنتَ لي، وتعود لي، كل شي في انتظارك ، السيجارة، وخبز الطابون، قهوتك الحلوة، دفاترك الأولى، وألف نهر يجري نحوك.
ثلاثون نبضة ووردة وأحبكِ، مسجى على سرير مستشفى برزلاي الإسرائيلي، هي معي حبيبتي الأولى والأخيرة، مجدليتي وخطواتي، ماء بئري وهويتي وأمنياتي التي لم تستطع إسرائيل اغتيالها، لأنها دولة لا تملك الحب، تملك ذاكرة موت فقط.
ثلاثون نبضة ووردة وأحبكِ، تصرخ حبيبتي خائفة كما صرخ ابن المخيم الشاعر سميح فرج:
انتبه
فلينتصر فيك الجمال
ولينكسر فيك الخشب
انتبه