Advertisements

مقتل سليماني ورد ايراني وتقاسم اواني وصواني

نشر بتاريخ: 12/01/2020 ( آخر تحديث: 03/04/2020 الساعة: 03:58 )

الكاتب: السفير منجد صالح

خلال الايام والليالي القليلة المنصرمة، وقفت منطقة الشرق الاوسط برمّتها، وبشكل خاص، منطقة الخليج العربي، على ساق واحدة.
لقد قتل الامريكان، "الشياطين الملاعين"، قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني، وبصحبته أربعة من كبار ضباطه. لم يذكر أحدا اسماءهم ولا رتبهم العسكرية، مع انه كان من الواجب ذكرهم لان الموت او الشهادة ساوت بينهم. وهم لهم أيضا اهل وابناء وبنات وزوجات واصدقاء وجيران ومُحبّين وذكرى ستسود وتبقى ولو بعد حين.
كما قُتل في الغارة الامريكية، التي نفّذتها طائرة مُسيّرة أو ربما طائرة هليوكبتر، ما الفرق؟؟ فالصاروخ واحد والقتل واحد، ابو مهدي المهندس، نائب قائد الحشد الشعبي العراقي، ومعه اربعة من كبار اركانه ايضا، بقيت اسماؤهم ورتبهم العسكرية طي الكتمان.
وما أن تمّ التأكّد من مقتل القائدين ومعهم الثمانية الآخرين حتى "هطلت" علينا وعلى "الدنيا كلها" زوابع وعواصف ومزاريب وشلالات من ردود الافعال والتصريحات والتسريبات والتهديدات الايرانية، تتوعّد وتُنذر بالويل والثبور وعظائم الأمور وبالرد والانتقام من "الشيطان الاكبر" ومن "الشيطان الاصغر". بدءا من تهديد سماحة المرشد الاعلى علي خامئني ومرورا بروحاني وشمخاني وقائد الحرس الثوري ونوّابه لجيوش البر والبحر والجو والفضاء، وبقائد الفيلق الجديد المُعيّن في التو والحال قآني، والمحللين السياسيين والعسكريين والامنيين والصحفيين والمُعلّقين والباعة المتجولين، الغاضبين، باعة الترمس والبليلة والبوشار، في شوارع طهران واصفهان وكرمان. كلّهم دون استثناء ارغدوا وازبدوا "وكشّروا عن انيابهم"، وتوعّدوا بالانتقام والثأر و"الرد المُزلزل" والمُجلجل والمُدمّر الساحق الماحق الحارق، الذي لا يُبقي ولا يذر من أمريكان وشجر وحجر.
وإنتظرنا "الرد المزلزل" على احرّ من الجمر، نعم، سيداتي وسادتي إنتظرنا الرد المزلزل، وإنتظر معنا ربما الملايين من الناس والبشر. كنا ننام متاخّرا ونصحو باكرا، ونباشر ونبادر ونعدو الى شاشات التلفاز لنكون أوّل من "يُكحّل عينية" ويُشنّف أذنيه بالمناظر الاولى والاخبار الاولى لهذا الرد المزلزل الموعود. كنا لا ننام نوما عميقا وإنما نوما متقطّعا واصابعنا على "زناد"، عفوا، أقصد على مفاتيح جوّالاتنا وهواتفنا الذكية لفحصها ونحن شبه نيام "لتزفّ" لنا نبأ نتائج الرد المزلزل، النتائج المهولة التي توازي هول المصاب وهول الفقدان.
عشنا أياما وليالي "نسبح ونُبحر ونجدّف" في منطقة ما بين الواقع والخيال، ما بين الارض والسماء، ما بين الجبال والسهول والصحاري والبراري وما بين النجوم والاقمار والمذنّبات، نفترش جمال زخرفة وجودة واتقان وروعة السجاد العجمي ونتلحّف برونق بداعة الوان قوس قزح. ننتظر وننتظر وفقط ننتظر. نتخيّل الرد المزلزل وكيف سيكون مزلزلا؟؟ فلدينا تأكيدات من عشرات الجنرالات بانه سيكون كذلك مزلزلا، ولسان حالهم وتأكيداتهم كانت تقول لنا: "صدّقوا تهديداتنا ونوايانا وبس والباقي خس"!!!"
بناء عليه، فقد إعتقدنا وربما أقنعونا وطمأنونا بأن الامريكان خس ورئيسهم الطاووس الاشقر ترامب خس ونائبه بنس خس ووزير خارجيته بومبيّو خس ووزير دفاعه مارك اسبر خس وصديقه وربيبه و"توأم روحه" نتنياهو خس.
وبناء عليه أيضا جاء الرد الايراني في نفس توقيت مقتل سليماني فجرا، فقد قامت القوة الصاروخية الفضائية الجوية المجوقلة في الحرس الثوري الايراني باطلاق خمسة عشر "خسّة"، عفوا، أقصد خمسة عشر صاروخا باليستيّا، أو بلاستيكيّا، كما جاء مرّة على لسان الرئيس السيسي، على قاعدتين عسكرييتين "تستضيف عسكريين أمريكان" في الاراضي العراقية، تسعة "صواريخ" على قاعدة "عين الاسد"، القادسية سابقا، وواحدا على قاعدة أمريكية في كركوك كردستان العراق، "لعدالة ونزاهة التوزيع"، وأربعة صواريخ لا نعرف اين، لكن اخبرونا أنها نزلت كالخس، أي أنها لم تنفجر، أي انها كانت صواريخ "إمّذره" ربما كانت قد انتهت صلاحيّتها واصبحت "كادوك". وبالمجمل فقد كانت الخمسة عشر صاروخا "فيشنك في فيشنك"، لم تصب أحدا ولم تجرح احدا ولم تقتل احدا ولم توقع خسائر لا بشرية ولا في العتاد. ودمتم والى اللقاء في ضربة صاروخية إيرانية قادمة في القريب العاجل أو البعيد الآجل.
عندما إغتالت إسرائيل قبل عدة سنوات الشيخ الجليل أحمد ياسين حين كان خارجا من صلاة الفجر في المسجد في غزة، قالت حماس: "رد مزلزل"!!! ولم يات اي رد. واغتالت اسرائيل القيادي عبد العزيز الرنتيسي، فقالت حماس: رد مزلزل، ولم ترد بشيء. واغتالت اسرائيل الجعبري وسمعنا السمفونية ذاتها. لكن حماس بعدها غيّرت أو بدّلت من بنود برنامجها السياسي، رغم إنكارها. وإتّخذت منحى جديدا، مقاربة جديدة، في الصراع مع "الصهاينة"، تحت مسمّى "تهدئة"!!!
وفي الامس القريب عندما اغتالت اسرائيل القائد في الجهاد الاسلامي بهاء أبو العطا، قالت حركة الجهاد ردا مزلزلا، وفعلا ردّت حركة الجهاد ب 450 صاروخا على اسرائيل لم تقتل اسرائيليا واحدا. وكانت نتيجة يومين من المعارك "المزلزلة" ومن اشتعال فوهات مدافع حركة الجهاد، والصمت المطبق لمدافع حركة حماس بموجب "التهدئة"، والعدوان الاسرائيلي على غزة 36 شهيدا فلسطينيا واكثر من 120 جريحا من كوادر الجهاد الاسلامي والمواطنين العزّل وعشرات المنازل المدمّرة ومئات الاطفال اليتامي والنساء الثكلى والارامل.
الى متى سنبقى نرد ردودا مزلزلة "سخيفة هزيلة" إنشائية لا تسمن ولا تغني من جوع، لا تسر صديقا ولا تكيد عدوّا. ردودا بهلوانية توازي وتتطابق مع مغامرات "دونكيشوت" في رواية الكاتب الاسباني سرفانتيس.
الى متى ستستمر هذه الردود المزلزلة في زلزلة أعصابنا فقط، في حين أن المزلزلين "بفتح الزين" يسخرون ويضحكون ويقهقهون من الرد المزلزل الذي لم يزلزل حتى نملة.
تمخّض جبل الرد الايراني على الامريكيين فولد ارنبا، حتى لا نقول فأرا. لكن هذا في ظواهر الامور أما بواطنها وما "نزّ" منها فهو أعظم وأبلغ: لقد أتحفنا مندوب ايران في نيويورك مجيد تخت روانجي بتصريح قال فيه ان الهدف من اطلاق الصواريخ كان من اجل الاثبات بانهم قادرون على الرد وليس لقتل أمريكيين!!! ما شاء الله واللهم صلي على سيدنا محمد على هكذا تصريح، الذي صدر ايضا بصيغة او بأخرى من وعن مسؤولين ايرانيين آخرين. لم يكن الهدف قتل جنود أمريكيين؟؟؟!!! إذن ماذا كان الهدف يا سادة يا كرام؟؟؟ تخويفهم مثلا!!!
وخرج علينا بعد ذلك قائد الحرس الثوري الايراني أمير علي حاجي زادة بتصريح قال فيه بأن الرد، الضربة الايرانية، اكتملت، انتهت (بح بح بح) وان الرد الآن بيد فصائل المقاومة. يا سبحان الله!!! وهل كان ردك ناجعا يا جنرال حتى تعبّد الطريق لضربات لاحقة من قوى المقاومة؟؟؟ هل رسمت لها سابقة مشجّعة بردّك حتى تسير على خطاه وعلى هديه في ضرب "الشياطين" كبيرهم وصغيرهم؟؟؟!!!
قوى المقاومة يا سادة يا كرام التي يقصدها الجنرال هي: حزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الاسلامي الفلسطينيّتين وأنصار الله الحوثيين اليمنيين وفصائل عراقية منها الحشد الشعبي المكلوم بنائب قائده وأربعة ضبّاط آخرين وحزب الله العراقي وفصائل اخرى "فرّخت" وربما تفرّخ تحت مظلة وجناح الدعم الايراني.
هل هذه القوى قادرة في الوقت الراهن والمدى المنظور على رد محتمل و"مزلزل" على الامريكيين والاسرائيليين؟؟؟!!!
أعتقد ان الجواب هو لا.
حركة الجهاد الاسلامي ليست في وارد صدام جديد مع قوات الاحتلال فمعركة اليومين تلك اثخنتها بالجراح وخسرت قائدين ومجموعة من المقاتلين مقابل لا خسائر في الجانب الاسرائيلي.
أمّا حركة حماس التي إمتنعت عن المشاركة الى جانب الجهاد في تلك المعركة وبقيت صواريخها ومدافعها "مكمّمة". فإنه وبالرغم من أن زعيمها السيد إسماعيل هنية طار الى طهران وشارك في جنازة سليماني وعزّا عائلته والقى كلمة وإلتقى مع المرشد وأعلن عن سليماني "شهيد القدس". "قائد فيلق القدس بالضرورة أن يكون شهيد القدس". فإن إسماعيل هنية وحركته سائرة "بخطى واثقة"، وبرعاية مصرية، في طريق أتمام إتفاق "التهدئة" مع الإحتلال.
حزب الله بدوره ليس لديه الآن أية مبررات أو مسوّغات أو حجج لضرب إسرائيل بعد الرد الإيراني على القواعد الامريكية وخاصة أن إسرائيل كانت من وراء الستار في عملية مقتل سليماني. لم تظهر على شاشة رادار العملية. ربما شاركت استخباريا ولوجستيا في العملية ولكن أكيد شجّعت وشاركت معنويا وحتى عاطفيا في "عملية تصفية سليماني"، كما وصفها الطاووس الاشقر ترامب.
كما أن الوضع السياسي والامني والاجتماعي في لبنان لا يتحمّل أية "مبادرة" من حزب الله للرد أولا بصواريخ على اسرائيل، لان الوضع سيكون متفجّرا داخليا في الدولة الصغيرة وربما سيتم تحميل حزب الله وزر كافة المساوىء الداخلية وتبعات أيام وليالي من المظاهرات الشعبية التي "سدّت" ساحات وشوارع العاصمة بيروت ومدن اخرى، وشبه الفراغ السياسي والحكومي المستمر في البلاد. وضع هش لا يتمنّى حزب الله أن يضع القشة التي ستقصم ظهر البعير. وأعتقد أن حزب الله لديه من الحنكة والحصافة أن لا يورّط نفسه ولبنان معه في مغامرة ليست مضمونة العواقب والنتائج، ولدية تجربة في ذلك. وربما، أقول ربما سينتظر فرصة تعتدي فيها اسرائيل على لبنان، وقتها على الارجح انه سيكون جاهزا للرد والفعل.
أما الحوثيّون فليس لديهم القدرة لاستهداف البوارج الامريكية، وأن اقصى ما يمكن ان يفعلوه هو ارسال عدة طائرات مسيّرة الى الأراضي السعودية لضرب منشآت النفط أو منشآت عسكرية. وهذا الامر مستبعد لان السعودية لم تكن طرفا في مقتل سليماني رغم فرحها الاكيد بمقتله، لكنها حافظت على موقف وتصريحات متّزنه حيال الموضوع ولم تُبد أي مظاهر "فاقعة" تحسب ضدها.
بقيت الفصائل العراقية المنضوية تحت الجناح الايراني، فقد رأينا عدة محاولات منها لاطلاق صواريخ هنا وهناك على قاعدة امريكية وعلى المنطقة الخضراء وعلى السفارة الامريكية في بغداد، لكن النتائج كانت ما دون الصفر لهذه "الهجمات". كما أنني لا أعتقد بأن الحكومة العراقية ستكون مع مثل هكذا "تصرّفات". إذ أن الحكومة العراقية تحاول اقصى جهدها المحافظة على وضع امني مستقر في البلاد وان لا تتحوّل الاراضي العراقية الى ساحة حرب مفتوحة. فالعراق ما زال يلملم جراحة بعد سنوات من قتال داعش، كما ان الجماهير العراقية تقف بالمرصاد وتندفع الى الشوارع طالبة التغيير وصون العراق كدولة مستقلة وذات سيادة. لكن العراق الرسمية كانت قد ادخلت الدب الامريكي الى كرمها وستحتاج الى جهود وسنوات حتى تخرج هذا الدب الجشع القبيح من اراضيها.
هذا ليس وصفا أو تحليلا تشاؤميا للوضع، لكنه وصف واقعي ويحدث ويسير ويجري أمام ناظرينا، أما الذين يحاولون أن "يزرعوا البحر مكاثي" والذين يريدون أن "يبنوا قصورا من الزبد على قمم التلال" فهذا شأنهم. الحقيقة، والحقيقة فقط هي ما يهمّنا ونعتقد أنها وحدها هي التي تفيدنا كي نراجع مواقفنا ومواقعنا ونستقي الدروس والعبر ونتعلّم من نجاحاتنا وإخفاقاتنا، فلا يجوز تحويل الانتكاسات والهزائم الى بطولات وانجازات، و"رحم الله امريء عرف قدر نفسه". لا أحد يطلب من ايران هزيمة أمريكا، ولا أحد يطلب من قوى المقاومة هزيمة إسرائيل، ففروق القوة وميزان القوى معروفة وواضحة، ولكن المطلوب التواضع في التصريحات والنجاعة في الرد، وأن لا يبقى الامر كما حصل مع الراعي الذي سرق اللصوص ابله وأجاب زعيم القبيلة بانه شتمهم فقال له :"أشبعتهم شتما وفازوا بالإبل"!!!
الأمور بخواتيمها. الوضع الآن ملتبس ومحيّر وقاتم، لكنني أعتقد بأن انفراجة ستلوح قريبا في الأفق، افق الخليج العربي ومضيق هرمز. الحل العسكري الآن مسدود. الرد الايراني الموعود لم يأت بالنتائج المرجوّة. ولا يوجد ردود أخرى على ما يبدو حسب ما اسلفنا. إذن الطريق "الوعرة"، او التي تبدو وعرة الآن ستكون، فيما بعد، "سالكة وممهّدة" نحو طاولة مفاوضات وحوار بين أمريكا وإيران، وستوضع الأواني والصواني على الطاولة من أجل إقتسامها. وإيجاد "تهدئة" وصيغة جديدة أو قديمة مجددة للملف النووي الايراني ولمسألة "العداوة" بين إيران وإسرائيل. وربما سيكون الخاسر الأكبر في هذه "المعادلة الجديدة" هم: "أصدقاء أمريكا"، العراق ودول النفط في الخليج العربي.