الجمعة: 18/09/2020

في الذكرى الثانية عشرة لوفاة الشاعر الكبير محمود درويش... بيروت لا زالت على قيد الحياة

نشر بتاريخ: 12/08/2020 ( آخر تحديث: 12/08/2020 الساعة: 13:15 )

الكاتب: عيسى قراقع



حلت الذكرى الثانية عشرة لوفاة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش متزامناً مع الكارثة والمأساة الموجعة التي حلت في بيروت العاصمة اللبنانية يوم 4/8/2020 بالإنفجار المريع الذي أودى بحياة آلاف الشهداء وآلاف المصابين والتدمير الهائل الذي أصاب أجمل عاصمة عربية وأكثرها مكانة وعمقاً في الوجدان الفلسطيني والعربي، الكارثة اللبنانية أيقظت شاعرنا محمود درويش، عاد من الموت صارخاً: يا بيروت اعطنا جداراً كي نرى أفقاً ونافذة من اللهب، قولي ناري لا تموت، اضحكي يا بيروت مرة اخرى وقولي نحن مازلنا على قيد الحياة.
درويش الذي تمثل بيروت بالنسبة له الأفق والفضاء الثقافي والفكري والنضالي ورائحة الحرية الكونية، توحد في شوارعها وابنيتها وشواطئها ووثق اكبر تراجيديا فلسطينية شهدها العصر الحديث خلال التصدي الفدائي الفلسطيني اللبناني للاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982في نصه المطول ذاكرة للنسيان، سار بين قنبلتين، وقف تحت القصف الاسرائيلي والصواريخ العنقودية والفراغية والفسفورية، ضاقت الدنيا و لكن بيروت وسعت كل القصيدة، وكانت النجمة الوحيدة والخيمة الوحيدة في ظل الصمت والتخاذل الرسمي العربي والعدوان الغاشم على أجمل وأعرق عاصمة عربية.
ومن المحيط الى الجحيم
ومن الجحيم الى الخليج
ومن اليمين الى اليمين
الى الوسط
شاهدت مشنقة بحبل واحد
من أجل مليوني عنق
وأقول ناري لا تموت
بيروت لن تموت
عاد محمود درويش من أبديته الخالدة لا ليعزي بيروت فقط وانما ليكون حاضراً معها على خط النار، مع الشعب اللبناني، مع الشهداء والجرحى والدموع وصراخ البحر والمراكب والريح العاتية.
نحن الواقفين على خطوط النار نعلن مايلي:
بيروت تفاحة
والقلب لا يضحك
وحصارنا واحة
في عالم يهلك
سنرقّص الساحة
ونزوّج الليلك
يستيقظ درويش ويعود الى بيروت يلملم جثثها المحترقة والمتناثرة على الارض وفي قاع البحر وفي السماء وتحت البنايات، يعرف درويش جميع الضحايا، أسمائهم من أي شارع ومن أي بيت وجبل، يأخذ بيروت من مصيبتها ويوزعها على كل المدن، يفتح الطرق الصغيرة للهواء، يضم حبيبته بيروت التي تنام على دمه قائلاً:
سنوقظها ونخرج من خلاياها ضحايانا
سنغسل شعرهم بدموعنا البيضاء
لن نغادر ساحة الصمت
سنفديها ونفديكم
محمود درويش في بيروت، يقف على نفس الشرفة التي وقف عليها الشاعر اللبناني خليل حاوي قبل أن يطلق الرصاصة على رأسه احتجاجاً على الغزو الاسرائيلي للبنان، صارخاً من يرفع الذل عني، يمسك محمود بيد خليل حاوي يطل على الجنوب يرى حيفا، يسيران في نهر الرماد، الحياة لم تنته، الذين انتحروا هم الغزاة والنظام الطائفي الفاسد الذي أسسه الاستعمار في لبنان، الذين انتحروا هم الذين ارتكبوا مذابح صبرا وشاتيلا وفجروا ميناء بيروت، خليل حاوي حمل اللغة المقاتلة ورحل كالسحابة.
بوركت الحياة
وبورك الأحياء
فوق الأرض
لا تحت الطغاة
تحيا الحياة
تحيا الحياة

محمود درويش في بيروت الآن، سمع الانفجار فغادر قبره في رام الله ووصل لبنان، نفض الغبار عن وجه بيروت، سمع صوت الشاعر معين بسيسو يقول لبيروت: الآن خذينا كيسا من الرمل، خذينا ماء ودواء ورصاصا وسحابا وشمس، ومن بيروت المحترقة من شبابيكها يرسل معين بسيسو الى العالم رسالة، ومن النافذة المكسورة تلد غزالة، معين بسيسو يتحرك في الشوارع والساحات والملاجئ والمستشفيات وفي القبور، يذهب للمرفأ والشاطئ والنار والخندق، يترك دمه ويعود الى الحائط ملصق، الشهداء الجدد على مائدة الشهداء القدماء، استشهد الماء ولم يزل يقاتل الندى، استشهد الصوت ولم يزل يقاتل الصدى ولازال معين يصرخ: انا اقطع كفي وارسلها لك يا بيروت برقية.
محمود درويش في بيروت، سمع العالم نشيده العالي يقول: ايتها العاصمة العربية المشتعلة، القدس تهديك السلام، الرايات العالية في شوارع فلسطين، الاولاد والبنات ونشيد المدارس والدعوات في الصلاة، يا بيروت يا ملقية جميع نياشينك في الخوذ الفولاذية، في الاحذية الخشبية، دائما تعودين وتنهضين أبهى واجمل، ومهما كانت المؤامرة ومهما خلعوا على الطائقية زياً عسكري او تغير الذئب وشكل الفريسة:
ستبقين يا بيروت بوصلة اعمارنا
نأخذ الاولاد نحو البحر كي يثقوا بنا
بيروت من تعب ومن ذهب واندلس وشام
فضة زبد، وصايا الارض في ريش الحمام
بيروت خيمتنا الوحيدة
بيروت نجمتنا الوحيدة.