الجمعة: 18/09/2020

هارون هاشم رشيد: استثناء في الشعر واللغة والوطن

نشر بتاريخ: 11/08/2020 ( آخر تحديث: 11/08/2020 الساعة: 13:06 )

الكاتب: تحسين يقين

كل منا فيه شعر منه!

عرفناه أطفالا، كان ابن خمسين، واستمر تعارفنا به، فتيانا وشبابا، حتى دخلنا الخمسين؛ فعشنا مع شعره، وعاش أبناء الضاد، وسنعيش ما تبقى لنا من عمر، أما هو فسيبقى.

اتكأ شاعرنا على تراث شعراء مدرسة الإحياء والبعث، التي نشأت في سياق عصر النهضة العربية الحديثة، بل كانت مقدمة ثقافية أسست لهذا العصر، فكان بدوره ومجايلوه بمثابة الجسر القويّ الذي مر عليه كافة شعراء العروبة وفلسطين، حيث تم الربط الإبداعي بين مدرستين الأولى مدرسة الإحياء والبعث، والتي أصلا حاكت الشعر العربي في أزمنة الازدهار، والثانية كل ما جاء بعدها.

ومدرسة الإحياء والبعث، اسم أطلق على الحركة الشعرية التي ظهرت في مصر بشكل خاص وفي العالم العربي بشكل عام في أوائل العصر الحديث، حيث التزم فيها الشعراء بنظم الشعر على النهج الذي كان عليه في عصور ازدهاره، منذ العصر الجاهلي حتى العصر العباسي. ويعد محمود سامي البارودي رائد هذه المدرسة. ومن أشهر شعراء هذا النهج: أحمد شوقي أمير الشعراء وحافظ إبراهيم شاعر النيل وأحمد محرم وعلي الجارم وغيرهم الكثير.

والمقصود بهذا الاسم أنه كما تعود الروح لجسد ميت، فترد له الحياة بعد أن فارقته، فيبعث إلي الدنيا من جديد، كما هو الحال بالنسبة للشعر العربي، الذي استسلم إلي حالة من الجمود، أخذ علي إثرها في الضعف والاضمحلال منذ سقوط بغداد سنة 1258 في أيدي التتار الذين قضوا علي الخلافة العباسية، وخربوا بغداد وهدموا دور العلم، وألقوا بألوف المخطوطات التي تضم الثقافة العربية وتحوي تراثها في النهر.

ولعل هذه الحالة كونية، حيث استلهم أدباء عصر النهضة الأوروبية الأدب القديم، كما فعل شكسبير بالأدب اليوناني. وهي حالة في الأدب والفن، حيث استلهم محمود مختار إبداعات المصريين القدما في منحوتاته.

هو ظرف تاريخي أثر سلبا على الإبداع العربي، فلم يكن من السهل في ظل النهضة العربية الحديثة، أن يكتب البارودي كما كتب في فترة الجمود، فراح وآخرون يقرؤون الشعر العربي، فأعادوا اكتشاف الإبداع، ولتعظيمه حاكوه، مستلهمينه، للبدء في حركة التجديد، المسماة الإحياء والبعث. وبفضل جهودهم، جاءت مدارس ابولو والشعر المهجري وشعراء الديوان، مروا إلى ما شهد الشعر العربي من تطور وثورة في الشكل والمضمون، كان من بين فرسانها شاعرنا هارون هاشم رشيد، حيث تبعه وسار على الدرب شعراء المقاومة، فلم يكن محمود درويش ورفاقه منقطعين عن تلك الحلقات؛ ولعلنا نزعم أن شعراء الأرض المحتلة والشتات، أثروا في حركة الشعر العربي. لقد كان من أوائل من تنبهوا لشعراء الأرض المحتلة، حيث كتب "الشعر المقاتل في الأرض المحتلة".

وميزة شاعرنا الكبير، أنه من خلال ربطه بين المدرستين، فقد ظل يكتب الشعر وفيا للشعر، حيث تجلت مضامينه الجديدة والمتجددة، في الشعر العمودي، منتصرا له، ومجربا ايضا الشعر الحر،ّ ربما ليعيد تأسيس نظريات النقد فيما يتعلق بأشكال الشعر، بدءا بالشعر العمودي وما جدّ من موشحات أندلسية، مرورا بالشعر الحرّ القائم على وحدة التفعيلة وصولا لقصيدة النثر. أذكر أنني نشرت له كمحرر بعض قصائد الشعر الحرّ.

لم يكن جسرا فقط إذن، بل كان فاعلا شعريا بما وهبه الله من عمر، حيث أنه كتب وفق المدرستين، وإن مال بالطبع لما هو جديد انسجاما مع العصر، خاصة في اللغة المدهشة التي استخدمها، بعيدا عن التكلف والتعقيد، مختارا بحورا شعرية تلائم اللغة من جانب والمضمون من جانب آخر.

ميزة هارون هاشم رشيد، أنه فكك نظرية المعاصرة، أعاد النظر بالنظرة للشعر العمودي، وربما سيعود النقاد والمؤرخون لأشعاره، وهم يبلورون نظرية الشعر العربي، وأرجو أن أكون قد وفقت في التفكير؛ فهو وإن اعتبر شكلا من شعراء العمودي، فإنه مضمونا، كان ثائرا في شعره على القوالب القديمة المصطنعة، فكتب لغة شعرية معاصرة جدا بمضامين نعيشها.

وحين نتحدث عن لغته الشعرية، نتذكر معا لغته في مقالاته الكثيرة، وهو من كتب أجمل المقالات في كبريات الصحف العربية، ولعل آخر مكالمة له معي كانت عام 2015، حين تم تكريمه من قبل ملتقى مثقفي القدس، حين تمنى أن نجمع مقالاته في كتاب؛ تلك التي نشرها بعد عام 1995.

لذلك، كان لجمال لغته الشعرية أن اختير ما يقارب 90 قصيدة من أشعاره لتغنى، فقد غنت له فيروز، وفايدة كامل، ومحمد فوزي، وكارم محمود، ومحمد قنديل، ومحمد عبده، وطلال مداح، وآخرون.

حياته وحياتنا مرت كشريط..، وأن أقرا نعي ابنه الاخ مأمون له؛ شاعرنا الفلسطيني والعربي هارون هاشم رشيد...في كندا بعد طول اقامة في مصر..لنا معه ذكريات طيبة، خبرناه فيها ومن قبل شاعرا جميلا وانسانا راقيا حنونا متواضعا محبا..ما زالت كلماته المخطوطة بين أوراقي بخطه الجميل، التي نشرها كمقال، تأثرا بمقالي عن علاقته بغزة، والذي كان بعنوان "شاعر ومدينة". وحين علمت فيما بعد أنه ألف كتاب "مدينة وشاعر: حيفا والبحيري"، تعمق لديّ بضرورة تجميع ما كتبه عن غزة بشكل خاص، كونه المرجع الأكثر أهمية الذي تحدث عن التنوير الثقافي في غزة، قبل النكبة، وبعدها حتى هزيمة عام 1967.

ولد الشاعر هارون هشام رشيد، في "الزيتون" بمدينة غزة العام 1927، وما أن صار طفلا ففتى إذا بمراحل قضية فلسطين تتطور حلقة بعد أخرى، فكان تشريد شعبنا في الشتات لربما أكبر دافع لنمه الشعري الشعوري؛ فكانت قصائده حتى آخر الأيام مصدر أمل لنا. لقد كان مؤمنا بالعودة كأنه يراها.

اكتنزت مخيلته أحداثا كثيرة، ظلت في قلبه، وظل وفيا لها؛ فلم يكن إلا مصرا على العودة، وهو من يدرك نبل قضيتنا.

ظل مناضلا وشاعرا، ووجها عربيا في العمل الدبلوماسي، كان المزيج الإبداع، والوجه الجميل على أرض مصر، التي أحبها وأحبته. ارتبط بمثقفي وفناني مصر والعروبة، فكان الفلسطيني المصري العربي، جسرا رائعا متينا لم ينقطع.

نرجو أن نكون معه بشكل خاص في مسرحه الشعري، حيث كتب أربع مسرحيات شعرية، مُثِل منها علي المسرح في القاهرة مسرحية "السؤال" من بطولة كرم مطاوع وسهير المرشدي. وبعد حرب العبور 1973 كتب مسرحية "سقوط بارليف" وقٌدمت علي المسرح القومي بالقاهرة عام 1974، ومسرحية "عصافير الشوك". فقد لجأ لهذا النوع من المسرح الشعري، في سياق محاولات الشعراء المسرحية، لتوظيف المسرح كونه فنا جماهيريا، يعرض عدة ليال. تلك مرحلة إبداعية جمع فيها شاعرنا المسرح والشعر، والتي يبدو أنه نجح فيها.

أطمح من النقاد والمؤرخون، تنويرنا حول شعر هارون هاشم رشيد، عن مصادره ومدارسه، وما تميّز به، وما التزم به من وفاء لفلسطين.

عرفته عن قرب وبعد، عن قرب قلب ونفس، كمحرر، فكانت رسائله القصيرة التي ترافق مواده الثقافية والشعرية بخط يده، تغريني بنشرها، حتى جاءني صوته قادما من كندا ذات يوم..

ما أجمله حرفا وصوتا وحبا بالأدب والثقافة والشعر..!

باق من غنى سنرجع يوما الى حينا..