الإثنين: 28/09/2020

من قصر الصنوبر.. الاستعمار يُبعث من جديد

نشر بتاريخ: 14/08/2020 ( آخر تحديث: 14/08/2020 الساعة: 16:37 )

الكاتب: د. وليد القططي

وقف الجنرال هنري غورو- المندوب السامي الفرنسي – على شرفة قصر الصنوبر ببيروت، في الأول من سبتمبر عام 1920م، لُيعلن قيام (دولة لبنان الكبير). وبعد قرن من الزمان في السادس من أغسطس الحالي لعام 2020 م وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نفس المكان على باب قصر الصنوبر بعد يومين من انفجار بيروت ليُعلن أنَّ (دولة لبنان الكبير) لم تُعد صالحة للحياة، داعياً إلى إقامة (دولة لبنان الحديث)، وكأنَّ الاستعمار يُبعث من جديد، ولكن هذه المرة بطلب بعض اللبنانيين الذين هتفوا على باب قصر الصنوبر باللغة الفرنسية أمام ماكرون مُطالبين بعودة الانتداب الفرنسي على لبنان، وبالتزامن مع توقيع عريضة إلكترونية تدعو إلى وضع لبنان تحت الحماية الفرنسية، في مشهد سياسي مقتبس من مسرح اللامعقول، جامعاً بين المأساة والملهاة، ودامجاً الجد بالهزل، ومازجاً التعقُّل بالتهكُّم. ولمحاولة فك رموز شيفرة المشهد اللبناني المُرتبك لا بد من الرجوع إلى أصل الحكاية وبداية النهاية، لندرك منبع نهر الأحزان اللبناني، على أمل تخيّل نهاية سعيدة لرواية حزينة كان لسكان قصر الصنوبر الفرنسيين من الجنرال غورو إلى الرئيس ماكرون على مدار قرن كامل دورٌ في صناعة التراجيديا اللبنانية.

قبل الفتح الإسلامي كان لبنان الحالي يتبع ولاية سوريا الواقعة تحت حكم الإمبراطورية البيزنطية الرومانية قُرابة السبعمائة سنة، ثم دخلت الشام ومعظم بلاد العرب تحت كنف دولة الخلافة الإسلامية وصولاً إلى الخلافة العثمانية، فتم توزيع أراضي لبنان الحالية على ولايتي دمشق وطرابلس حتى عام 1861م، عندما أُقيمت (مُتصرفية جبل لبنان) بعد الحرب الأهلية بين المسيحيين الموارنة والدروز، حيث تدخلت فرنسا مدعومة ببعض الدول الأوروبية لدى الدولة العثمانية، وضغطت عليها لإقامة (مُتصرفية جبل لبنان) بإدارة منفصلة تتبع السلطة المركزية في الأستانة، وتعيين حاكم مسيحي غير لبناني بموافقة فرنسا، لتكون المُتصرفية نواة دولة لبنان المُعاصرة، ولتُنصّب فرنسا نفسها حامية لنصارى المشرق العربي عامة ونصارى لبنان خاصة، وليكون الكيان الجديد ركيزة للنفوذ الثقافي والسياسي الفرنسي في لبنان والمشرق العربي كأداة للاستعمار وتمهيداً للاحتلال.

ظلت متصرفية جبل لبنان نواة الدولة اللبنانية المُرتقبة منذ إنشائها عام 1861م، بسيطرة مسيحية واضحة، ورعاية فرنسية متزايدة، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وهزيمة وتفكك دولة الخلافة العثمانية، وتوزيع أملاكها في المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا حسب اتفاقية سايكس بيكو، فكانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا، ليدخل الجيش الفرنسي دمشق بعد معركة ميسلون في يوليو عام 1920م، ليتوّجه في نفس العام إلى بيروت، ويتخذ من قصر الصنوبر مقراً له، ثم مقراً للمندوب السامي الفرنسي في لبنان، ويُعلن من على شرفته إقامة (دولة لبنان الكبير) في الأول من سبتمبر عام 1920م، ويحدد عاصمتها (بيروت)، ويرسم علمها (المأخوذ من علم فرنسا)، ويزيد مساحة المتصرفية من 3500 كيلو متراً مربعاً إلى أكثر من عشرة آلاف كيلو متراً مربعاً بعد ضم مدن الساحل والبقاع وغيرها، لتوضع الدولة الجديدة تحت الانتداب الفرنسي، بغطاء دولي من (عُصبة الأمم)، في إطار شرعنة وتجميل الاحتلال دولياً، فكانت الدولة على خُطى المتصرفية ركيزة للاستعمار الفرنسي ونفوذه الثقافي والسياسي، وبنظام سياسي وضعت فرنسا أُسسه الطائفية العنصرية.

لم يتغير النظام السياسي الطائفي بعد استقلال لبنان عام 1943م، فبقيت دولة لبنان بعد الاستقلال بمساحتها وحدودها وعلمها وتفاصيل نظامها السياسي تجسيداً واضحاً لإرادة المستعمر الفرنسي في فصل لبنان عن عمقه ومحيطه العربي السوري- بخلاف إرادة معظم اللبنانيين، ولكن الأمور بدأت تتغير مع بدء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975م التي غيّرت موازين القوى على الأرض، مما ساهم في الوصول إلى اتفاق الطائف عام 1990م، وصياغة عقد لبناني جديد، ساوى بين المسيحيين والمسلمين في توزيع السلطات والمسئوليات، ابتداءً من قمة السلطة مُمثلة في رؤساء الجمهورية والوزراء والنواب، نزولاً إلى أدنى السلطات والمسئوليات، بعد أن كانت السلطة مُركّزة بيد رئيس الجمهورية المسيحي الماروني. ولكن وجود الجيش السوري في لبنان، وبروز قوة حزب الله في إطار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ، أحدث خللاً في هذا التوازن لم يُرضِ قوى محلية وإقليمية ودولية، فكان اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005 م فُرصة لإخراج السوريين من لبنان، واعتقد البعض أنَّه فرصة لإضعاف تحالف المقاومة بالمطالبة بنزع سلاح حزب الله؛ لتعديل التوازن الداخلي، وتساوقاً مع المشروع الصهيوأمريكيلضرب المقاومة، دون نجاح ، فجاء انفجار بيروت الكبير الأخيرليُجدد المطالبة بنزع سلاح حزب الله في نفس الإطار .

تجديد المُطالبة بنزع سلاح المقاومة بعد انفجار بيروت، لا يحل مشكلة لبنان الكبيرة، ولا يُنهي مأزقه العميق، بل ينزع من اللبنانيين عامل القوة الوحيد الذي منع ولا زال استباحة لبنان الأرض والشعب إسرائيلياً، بعد أن طرد المقاومة للاحتلال عام 2000 م ثم هزيمة جيشه عام 2006م. ويُجرّد اللبنانيين من القوة التي هزمت قطعان المتوّحشين داخل الحدود اللبنانية، فولّوا الأدبار هاربين لا يلوون على أحد، فحالت المقاومة دون تحويل نساء لبنان إلى سبايا لعصابات داعش وأخواتها. والمُطالبة باستدعاء الاستعمار الفرنسي بعد فقدان الشعب اللبناني الثقة بنظامه السياسي والطبقة الحاكمة والأمل في التغيير، لن يحل مشكلة لبنان أو يخرجه من مأزقه، بل سيكون ضرباً من العبودية الطوعية حسب نظرية (ايتيان دو بوليسيه)، ونوعاً من القابلية للاستعمار على حسب قول (مالك بن نبي)، وقد يكون أحد أشكال الاستحمار كما وضّح ذلك (علي شريعتي)، وهذا ما لا يرضاه الشعب اللبناني على نفسه بالطبع مهما بلغ السخط والغضب من النخبة السياسية الحاكمة والنظام السياسي الطائفي، وأوضاعه الاقتصادية المُنهارة، التي أوصلت لبنان إلى كارثة انفجرت في بيروت، وانفجرت معها براميل الفساد والتقصير والإهمال... المتوارثة من عهود النظام السياسي الطائفي المُتعاقبة والمصنوعة على عين فرنسا الاستعمارية، منذ إقامتها (متصرفية جبل لبنان)، وحتى إعلان (دولة لبنان الكبير)، وصولاً إلى محاولة ماكرون لإنشاء (دولة لبنان الحديث).

حل مشكلة لبنان والخروج من مأزقه لن يكون باستدعاء الانتداب الفرنسي، ونفخ الروح بجثة الاستعمار الهامدة، ليُبعث من جديد على أنقاض حُطام بيروت، ولن يكون بالمُطالبة بنزع سلاح المقاومة مصدر قوة وعزة وكرامة لبنان الدولة والشعب، هذا إن تم لن يزيد لبنان إلاّ ضعفاً وفقراً وتبعية وتفرّقاً... والحل يبدأ بالتمسك بالاستقلال الوطني في إطار الانتماء لعمقه العربي، وتثبيت عوامل القوة وأهمها الوحدة والمقاومة والنهضة. أمّا زعماء الطوائف الذين جلسوا مع ماكرون في قصر الصنوبر يشكون إليه فساد زمانهم، وما لزمانهم فساد سواهم، ويهجون أمامه طائفية بلدهم، وما لبلدهم طائفية غيرهم... ذلك بأنَّ الفساد والطائفية من صُنع أيديهم بعد أن غرسها الفرنسيون في لبنان، وسقوها من دماء شعبهم بعد أن ارتوى منها الفرنسيون... فشكواهم إلى ماكرون الفرنسي حفيد غورو صانع نكبتهم، كشكوى الفلسطينيين حالهم إلى جونسون البريطاني حفيد بلفور صانع نكبتهم، وحالهم وهم يستمعون إلى نصائح ماكرون كمن يستمع إلى موعظة الثعلب في قصيدة (الثعلب والديك) لأمير الشعراء أحمد شوقي ولكن دون أن يعي خاتمتها "مُخطئٌ منْ ظنَّ يوماً *** أنَّ للثعلب ديناً".