الجمعة: 23/10/2020

لقاء إسطنبول.. أثار أسئلة أكثر مما وفر أجوبة

نشر بتاريخ: 27/09/2020 ( آخر تحديث: 27/09/2020 الساعة: 19:35 )

الكاتب:

بقلم العميد: أحمد عيسى

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

إنتهى لقاء إسطنبول يوم الخميس الماضي الموافق 24/9/2020 بين طرفي الإنقسام، بتوافقهما على رؤية وطنية شاملة تجعل من الإنتخابات (التشريعية والرئاسية والوطنية العامة) بوابة لتحقيق مصالحة تقوم على الوحدة والشراكة والمقاومة، للمصادقة عليها ثم إعلانها للشعب في إجتماع الأمناء العامين برئاسة الرئيس محمود عباس، الذي سينعقد في الثالت من أكتوبر القادم دون تحديد مكان الإنعقاد، وفقاً لإعلان السيد عزام الأحمد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واللجنة المركزية لحركة فتح.

وعلى ذلك يكون الإنقسام الذي هيمن كمفهوم على الخطاب وانعكس كسلوك على العلاقات الفلسطينية الفلسطينية منذ أكثر من عقد ونيف قد بدأ بالتحلل والتلاشي، ليحل مكانه مفاهيم وقيم سلوكية جديدة لطالما سعى الشعب الفلسطيني لتحقيقها كالوحدة والشراكة والفعل المقاوم.

وعلى الرغم من حاجة الشعب الفلسطيني للوحدة والشراكة، لا سيما في هذه المرحلة من الزمن التي بدى فيها اليمين النيوصهيوني الحاكم في إسرائيل وكأنه على وشك تحقيق إنتصار ساحق على الفلسطينيين، الأمر الذي تجلى بوضوح من خلال رؤية ترامب نتنياهو المعروفة بصفقة القرن، ومن خلال إتفاق أبراهام مع الإمارات والبحرين، فضلاُ عن انحياز جامعة الدول العربية لرؤية لإمارات والبحرين في تجاوز وعزل الفلسطينيين، إلا أن نجاح لقاء إسطنبول في التأسيس لمصالحة تحقق الوحدة والشراكة قد اثار أسئلة أكثر من الأجوبة التي وفرها حول إستحقاقات بناء الوحدة والشراكة. فهل حقاً أزال اللقاء مفهوم الإنقسام من الخطاب والعلاقات الفلسطينية الفلسطينية؟ وهل عالج أسباب الإنقسام، ولم يعد هناك حقاً مكان لقلق الشعب الفلسطيني من احتمالات تكراره مرة أخرى؟ وهل وفر اللقاء بدائل عن الإنتخابات الثلاثية كشرط لتحقيق الوحدة والشراكة إذا ما أعاق الإحتلال تنفيذها؟ وهل هناك ضمانات بأن تحترم الأطراف الدولية والإقليمية نتائج الإنتخابات؟ وهل أغلق اللقاء الأبواب أمام عبث الأطراف الإقليمية والدولية في الشأن الفلسطيني الداخلي؟ وهل أكد اللقاء على الإجماع الفلسطيني برفض صفقة ترامب ومقاومة خطة الضم وإسقاط التطبيع؟

من جهتها تجزم هذ المقالة أن لقاء إسطنبول قد وضع اللمسات الأخيرة على طريق إختفاء مفهوم الإنقسام من الخطاب الفلسطيني، وعلى الرغم من أهمية هذا الإنجاز ووجاهته، إلا أن اللقاء لم يعالج أسباب الإنقسام، وليس في ذلك ما يعيب، إذ يدرك طرفي الإنقسام ومعهم كل مكونات العمل السياسي الفلسطيني أن الإنقسام كان نتاجاً لأسباب ذاتية وموضوعية، الأمر الذي يعني أنه لا يمكن معالجتها بلمسة سحرية أو في وقت قصير.

وللتخفيف من مخاوف وقلق الشعب الفلسطيني من إحتمالات تكرار الإنقسام، عاهد طرفي الإنقسام في وقت سابق الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية ومعهم أحرار العالم، من خلال بيان القيادة الموحدة للمقاومة الشعبية رقم (1) الصادر بتاريخ 12/9/2020، الذي يعتبر وثيقة من وثائق مسيرة إنهاء الإنقسام وتحقيق الوحدة والشراكة، أنهم "لن يسمحوا من جديد لأي كان بالتلاعب بوحدة الشعب، وتجاوز ثوابته، وتهشيم ما أجمع عليه".

ومن جهة أخرى ترى هذه المقالة أن اللقاء قد جعل من الإنتخابات الثلاثية بوابة لبناء مصالحة ونظام سياسي يقوم على الوحدة والشراكة والعمل المقاوم، الأمر الذي يجعل من المشروع التساؤل، ماهو مصير الوحدة والشراكة والعمل المقاوم في حال عطّل الإحتلال الإسرائيلي إجراء الإنتخابات؟

وكيف ستتعامل إسرائيل وأطراف إقليمية أخرى مثل السعودية والإمارات والبحرين، علاوة على أطراف دولية كالولايات المتحدة الأمريكية مع نتائج الإنتخابات إذا ما فازت حركة حماس، لا سيما وأن هذه الأطراف تصنف تنظيم الإخوان المسلمين الذي تنتمي إليه حماس كمنظمة إرهابية؟ وهل سيكون الحصار والمقاطعة كما هو الحال في قطاع غزة هو السيناريو الأكثر إحتمالاً في الضفة الغربية؟ وعلى ضوء ذلك هل ستكون صناديق الإقتراع هذه المرة، إذا ما جرت الإنتخابات محركاً لإنهيار السلطة؟ وإذا ما إنهارت السلطة، هل سيكون إرتفاع معدلات الفقر والبطالة محركاً لتصعيد المقاومة الشعبية؟ أم دافعاً للقبول بالأمر الواقع؟ وما مصير المقاومة الشعبية التي دعت إليها القيادة الموحدة في بيانها الأول خلال الشهور الست القادمة؟ هل سيكون هناك هدوء لتمكين الشعب والفصائل من الإستعداد للإنتخابات (وهذا ما يفسر ربما عدم صدور البيان رقم (2)؟ أم هل ستجري الإنتخابات في ظل تصاعد المقاومة؟

ومن حيث إنكشاف الساحة الفلسطينية أمام التدخلات الإقليمية والدولية، فترى هذه المقالة أنه فيما قلصت مسيرة إنهاء الإنقسام وتحقيق الوحدة والشراكة من مساحة التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن الفلسطيني الداخلي، ألا أن مكان إنعقاد اللقاء ودور الأطراف الإقليمية الميسرة له ينطوي على مؤشرات تدلل على رؤية فلسطينية يقترب من خلالها الفلسطينيون من محور قطر تركيا بقدر ما يخدم هذا الإقتراب المصلحة الفلسطينية، لا سيما في هذه المرحلة التي لم يقف فيها النظام الإقليمي على قدميه بعد، وتخوض فيها قوى المنطقة الكبرى التقليدية صراعاً محموماً على إنتاج نظام إقليمي يخدم الحد الأقصى من مصالحها، الأمر الذي يفرض على الشعوب الصغيرة والضعيفة مثل الشعب الفلسطيني لضمان وجودها وإعادة بعث طاقاتها من جديد أن تحسن موضعة ذاتها في هذا البحر المتلاطم من الصراعات.

وينبغي هنا التأكيد أنه فيما تنطوي هذه الرؤية على منافع للفلسطينيين، إلا أنها في نفس الوقت تنطوي على مخاطر ربما تفوق حجم المنافع.

وتتجلى المنافع في المكانة الإقليمية لتركيا كونها من الدول الرئيسية التقليدية في المنطقة وتمتلك من القوة الإقتصادية ما يؤهلها لإحتلال مكان بين الدول العشرين العظام حول العالم (G20)، فضلاً عن قوتها العسكرية الكبيرة مقارنة بباقي دول المنطقة، كما أنها ترفض ومعها إيران هيمنة إسرائيل على إقليم الشرق الأوسط طبقاً للرؤية الأمريكية للنظام الإقليمي.

كما أنها أي تركيا لم تغلق أبوابها في وجه الفلسطينيين في الوقت الذي خذلتهم فيه جامعة الدول العربية، فيما لا تخفي تركيا رفضها لصفقة القرن وخطة الضم الإسرائيلية، ومعارضتها كذلك للتطبيع الإماراتي البحريني مع إسرائيل دون حل القضية الفلسطينية، وتتمسك بالمقابل بحل الدولتين على أساس الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

أما المخاطر فتكمن في تداعيات اللقاء على العلاقات الفلسطينية المصرية وغيرها من الدول العربية الصديقة، الأمر الذي يتطلب جهد فلسطيني لشرح وتوضيح أن ما جرى لم يكن في سياق إصطفاف فلسطيني ضد مصر أو نكراناً لدورها التاريخي في الدفاع عن فلسطين والحقوق الفلسطينية.

وتكمن أهم المخاطر في المحددات التي تضمنها البيان القطري الأمريكي المشترك، لا سيما المحدد الذي يعتبر صفقة القرن مرجعاً للمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، الأمر الذي يتطلب جهد فلسطيني صادق يشرح للفلسطينيين أن لقاء إسطنبول لم يكن في سياق البحث عن صيغة للتعايش مع الرؤية القطرية التي تعترف بصفقة القرن كمرجع لإنهاء المطالبات التاريخية الفلسطينية.