الأربعاء: 28/10/2020

أقوال الشيخ العاروري.. والجدل الفلسطيني الداخلي

نشر بتاريخ: 18/10/2020 ( آخر تحديث: 18/10/2020 الساعة: 18:25 )

الكاتب: العميد أحمد عيسى

كشف التسجيل الصوتي للشيخ صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي سُرب للعلن يوم الجممعة الموافق 9/10/2020، عن نجاح المتحاورين من حركتي فتح وحماس بإحراز تقدم ملموس نحو التوافق على صيغة تصلح أن تكون أساساً لإستراتيجية كفاحية تُمكن الشعب الفلسطيني من الخروج من المأزق الراهن.

وفيما عبرت نسبة عالية من الفلسطينيين عن إرتياحها لهذا النجاح الذي حملته كلمات العاروري، إلا أن ما تضمنته الأقوال أثارت في الوقت ذاته جدلاً لا زال يتفاعل في أوساط مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، لا سيما في أوساط حركة فتح أكبر هذه المكونات.

وأيا كانت نوايا الجهة التي سربت التسجيل، سواء كانت لغايات التشويش على محاولة الطرفين المتحاورين إنهاء الإنقسام وتحقيق الوحدة والشراكة، أم كان قصدها دعم وتعزيز هذه المحاولة، فحسناً فعلت هذه الجهة، إذ أصبح الشعب الفلسطيني بعد إستماعه لهذه الأقوال (التي لم يتم نفيها بوضوح من قبل حركة فتح) في صورة بعض التفاهمات التي تمت بين الحركتين قبل الإعلان عنها من قِبل الأمناء العامين، الذي ربما يشير التأخير في إنعقاد لقائهم إلى تخوفات بعضهم أن تمس هذه التفاهمات بمكانتهم في هيئات ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وربما يشير من جهة أخرى إلى قلق جهات غير فلسطينية من المآلات المحتملة لهذه التفاهمات أو "الخلطة" وفقاً لوصف العاروري، التي قد تتعارض مع الشكل النهائي الذي تريده هذا الجهات للنظام الإقليمي.

سأحاول في هذا المقال تفنيد أقوال العاروري إبتداءً، ثم سألقي الضوء على أهم اتجاهات الجدل الذي أثارته الأقوال في الأوساط الفلسطينية، وأخيراً سأضيف بعض المحاور التي آمل أن تثري الجدل الذي أثارته الأقوال.

ماذا قال العاروري؟

في حديثه الذي إستغرق تسعة دقائق وبعض الثواني مع أحد قيادات حركة حماس التي يبدو أنه لا يمكن الإلتقاء بها في اللحظة الراهنة وجهاً لوجه، قدم العاروري إجابات واضحة لثلاتة حزم من الأسئلة، يتعلق أولها بتشخيص الواقع الفلسطيني مثل: أين تقف القضية الفلسطينية الآن، وما هي المخاطر التي تواجهها، وما هي مآلات هذه المخاطر على القضية الفلسطينية إذا ما استمر الوضع القائم بين الحركتين على ما هو عليه؟ وتدور ثاني هذه الحزم حول الدوافع المحركة لحركة فتح، وماذا تريد بالضبط، وما الذي تريده حركة حماس كذلك، وأين تتقاطع رؤية الحركتين؟ أما ثالث هذه الحزم من الأسئلة فتتعلق بوسائل وآليات تحقيق الرؤية التي تضمنتها الأقوال، وكيف يمكن تبديد المخاوف المشروعة لدى البعض من حركة حماس من المحاولات التي قد يقدم عليها البعض من السلطة (فتح) لتخريب هذه المحاولة من محاولات إنهاء الإنقسام، أو الفرصة كما وصفها العاروري؟

وفي معرض إجابته على الحزمة الأولى من الأسئلة قال السيد العاروري: أن القضية الفلسطينية تواجه في هذه اللحظة من الزمن مخاطر غير مسبوقة وصلت للدرجة التي اصبحت فيها القيادة الفلسطينية مهددة علناً من قبل الإحتلال الإسرائيلي وإدارة الرئيس ترامب وبعض العرب بخيارين إثنين، إما الإستسلام والقبول بما هو معروض في صفقة القرن، أو إستبدالها بقيادة أخرى مستعدة لقبول ما هو معروض، وفي هذا الشأن أضاف العاروري ان الخيار الثاني ممكناً، لا سيما بعد حالة إنكشاف الوضع الفلسطيني والعبث فيه من داخله، خاصة وأن خيار الحركتين، سواء خيار التسوية السياسية، أم خيار المقاومة يراوحان مكانهما دون تحقيق ما وعدا الشعب به.

كما اضاف العاروري في السياق ذاته أن الرئيس عباس أصبح يائساً من إحتمالات تحقيق تقدم سياسي مع إسرائيل والإدارة الأمريكية، لا سيما بعد إنكشاف ظهر الفلسطينيين على أثر اتفاقات التحالف الإسرائيلي مع بعض دول الخليج وهيمنة هذه الأخيرة على قرارات جامعة الدول العربية، الأمر الذي عزز قناعته بضرورة تجميع الصف الداخلي بإعتباره المرتكز الذي يُمكن الفلسطينيين من تحقيق أهدافهم أو بعض منها.

وفي سياق إجابته على أسئلة الحزمة الثانية قال العاروري أن حركة فتح تسعى لتجديد شرعية القيادة الفلسطينية وتريد في نفس الوقت تحصين القيادة من خطر الإستبدال، الأمر الذي ينطوي على إشارة ضمنية منه أن حركة فتح ترفض الإستسلام، وأن خيارها هو مقاومة شروط الإستسلام.

وفي هذا الشأن أضاف العاروري انه في رفض حركة فتح لشروط الإستسلام، وحاجتها لتحصين القيادة من خطر الإستبدال تكون قد التقت في مصلحتها وتقاطعت في رؤيتها مع حركة حماس، الأمر الذي ينشئ بدوره فرصة يتوجب على حركة حماس إلتقاطها، وإلا ظهرت وكأنها (لا تؤدي حق الله في ما أُؤتمنت عليه).

وحول الأهداف التي تسعى حركة حماس لتحقيقها من هذه التفاهمات فقد عددها العاروري بالنقاط التالية:

بناء نظام سياسي فلسطيني تمتلك فيه حماس مساحة مؤثرة ويمنحها في الوقت ذاته شرعية وطنية، تقوم على قاعدة الوفاق الوطني ومخرجات لقاء الأمناء العامين بعيدا عن اتفاقات أوسلو.

إلغاء المراحل السابقة التي نشأت على أساس إتفاقات أوسلو، وإنشاء مرحلة جديدة بمرجعيات وطنية فلسطينية جديدة.

إحداث تغيير بنيوي في هياكل السلطة ومنظمة التحرير بعيدا عن الإستحقاقات التي أوجدتها إتفاقات أوسلو.

تغيير البيئة السلبية القائمة الآن في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تهيئة البيئة لإندلاع إنتفاضة ثالثة في الضفة الغربية قابلة للتطور.

وحول آليات ووسائل تحقيق هذه الأهداف فقال الشيخ العاروري: إن إنهاء الإنقسام ورأب الصدع بين الحركتين وإستعادة ثقة الشعب الفلسطيني بهم أصبحا ممر إجباري يتوجب على الحركتين وباقي مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية مروره حتى نهايته، وأضاف العاروري أن الإنتخابات هي أقصر الطرق وربما أسرعها لتحقيق ذلك على أن تتقدم إليها الحركتين في قائمة واحدة شريطة أن لا تتضمن القائمة أسماء عليها إعتراض، وشريطة أن يتم معالجة كل الإجراءات السابقة التي اتخذت بحق الأشخاص والمؤسسات في فترة الإنقسام. وعن كيفية قطع الطريق أمام محاولة البعض تخريب هذه المحاولة من محاولات المصالحة، وضح العاروري أن ذلك يتم من خلال ترجمة إستحقاقات المصالحة إلى أجسام بنيوية في هياكل السلطة ومنظمة التحرير تجعل من التخريب أمراً صعبا ومعقد.

ما هي محاور الجدل الذي أثاره التسجيل؟

ينحصر الجدل الذي أثاره التسجيل في ثلاثة محاور، يدور الأول حول آليات ووسائل تحقيق الأهداف، ويتركز الثاني حول اللاواقعية السياسية للرؤية برمتها، ويتعلق الثالث بحجم اللاثقة المتأصلة بين الحركتين.

وقد تركز المحور الأول حصراً في القائمة الإنتخابية الواحدة، إذ يرفض أصحاب هذا الاتجاه فكرة القائمة المشتركة، لأنها تنطوي على التفاف على إرادة الشعب، وتحافظ على تمركز القرارات المصيرية بيد عدد قليل من المسؤولين، وتغيب الحوار الصادق والمسؤول، علاوة على أنها تستنسخ الحالة القيادية القائمة في الحركتين، الأمر الذي سيقلل من احتمالات إصلاح ما فسد وأُفسد، لا سيما وأن هذه القيادة تتحمل قسطاً من المسؤولية عن هذا الإفساد.

وعلى الرغم من وجاهة وموضوعية المنطق المحرك لهذا الإتجاه، إلا أنه ظل محصوراً في الوسيلة المقترحة لتحقيق المقاصد التي تضمنتها أقوال العاروري ولم يناقش صوابية الرؤية بحد ذاتها، كما أنه لم يقدم بديلاً لهذه الوسيلة، لا سيما وأن القيادة الحالية للحركتين ستبقى الجهة التي تحدد قوائم المرشحين للإنتخابات سواء تقدمت اليها الحركتين في قوائم منفصلة، أم في قائمة واحدة مشتركة، علاوة على أنه لم يقدم ضمانات كافية لقطع الطريق على الإحتلال وحلفائه من تهيئة المناخ لإستنبات قيادة بديلة يمكنها إستغلال الإنتخابات والتسلل لموقع القيادة.

وتناول الإتجاه الثاني لاواقعية الرؤيا برمتها خاصة في ما يتعلق بالمرجعيات القانونية للسلطة والإنتخابات، إذ يرى أصحاب هذا الإتجاه أن إتفاقات أوسلو لا زالت هي المرجع والأساس القانوني الذي تقوم عليه السلطة الفلسطينية القائمة، وذلك على الرغم من تحلل منظمة التحرير الفلسطينية من الإلتزامات التي ترتبت عليها في العلاقة مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وفقاً لنص قرار القيادة الفلسطينية المعلن في 19/5/2020، الأمر الذي لا يمكن تجاوزه من قبل أفراد المجتمع الدولي كروسيا والصين والإتحاد الأوروبي، وكذلك الفلسطينيين أنفسهم في علاقاتهم بالمؤسسات الدولية خاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية وغيرها من المؤسسات الدولية، بما في ذلك الدول المانحة وباقي أفراد الأسرة الدولية.

صحيح كما يقول أصحاب هذا الإتجاه أنه لا يختلف إثنان من الشعب الفلسطيني على أن طموحهم يتجلى في بناء سلطة وطنية تقوم على أساس (الدستور) القانون الأساسي الذي أنتجه (البرلمان) المجلس التشريعي الفلسطيني، لكن أصغر الفلسطينيين سناً يدرك أن معاهدة أوسلو تسمو في قانونيتها على القانون الأساسي ووثيقة الوفاق الوطني ومخرجات لقاء الأمناء العامين، الأمر الذي يضع حركتي فتح وحماس أمام تحدي شرح وتوضيح على أقل تقدير، كيف يمكن للفلسطينيين محاكمة الإحتلال أمام محكمة الجنايات الدولية بعيداً عن اتفاقات أوسلو التي كانت الموجب القانوني لقبول المحكمة نظر الموضوع!

أما المحور الثالث فيدور حول الأسباب المنتجة لللاثقة بين الحركتين والتي كشفها الإنقسام أو بعض منها، إذ يتساءل أصحاب هذا الإتجاه إذا ما كانت أقوال الشيخ العاروري تدور حول مقاصد حركة حماس فقط، ولم تكن التفاهمات إلا إعمالاً للقاعدة الفقهية التي تنص على (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) أم أنها تدور حول مقاصد وأهداف الحركتين معاً.

وفي الختام يجادل هذا المقال أن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني تلتف حول حركتي فتح وحماس طبقا لنتائج إستطلاعات الرأي التي نفذت حديثا في المناطق الفلسطينية، ويقيناً سيزداد هذا الإلتفاف إذا ما نجحت الحركتين فعلاً في إنهاء الإنقسام وتحقيق الوحدة والشراكة، الأمر الذي سيجد تعبيراته في صناديق الإقتراع إذا ما أجريت الإنتخابات.

وعلى ضوء ذلك أقترح في هذ المقال أن يعاد ترتيب الجدل الدائر في جدوى الرؤية برمتها، ومدى صوابيتها ليس في مواجهة شروط الإستسلام المطروحة على الفلسطينيين وحسب بل في ضمان الإنتصار على هذه الشروط، وما هو تعريف الإنتصار في هذه الحالة، بمعنى ما هي الأهداف المراد تحقيقها؟ وما هي معايير قياس الإنتصار؟ وهل يمكن للحركتين حقاً صناعة إنتفاضة ثالثة قابلة للتطور في الضفة الغربية؟ وما هي البدائل المقترحة للإنتصار على شروط الإستسلام إذا فشلت محاولة صناعة إنتفاضة ثالثة؟ وهل يمكن إستثمار الإنتفاضة إذا ما اندلعت في بعث الحركة الوطنية الفلسطينية من جديد؟

وهنا تحضرني جملة قد تكون معبرة عن بعض من الجدل الدائر في الساحة الفلسطينية للمبدع المصري مصطفي حجازي حين قال في كتابه (حجر رشيد) "كيفية الفعل مرتبطة يقيناً بهدف الفعل ... والكيفية والأهداف هما نتاج لطبيعة من يفعل".

*المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي