الثلاثاء: 24/11/2020

فلسطين داري .. ودرب انتصاري

نشر بتاريخ: 25/10/2020 ( آخر تحديث: 25/10/2020 الساعة: 12:43 )

الكاتب: د. مازن سليم خضور



"بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان" قصيدة تربينا على انشادها نتغنى بها وبالوطن العربي وبأمجاد العرب عبر العصور، وأن العربي لا يترك أخاه وأن المجاهد العربي السوري ابن مدينة جبلة عز الدين القسام لم يهن عليه كسائر العرب ما حصل في فلسطين وهبوا لمساعدتها..
ومع مرور الأيام وفي سورية تحديدا نشأ جيل على أشعار العروبة لاسيما ما كتبه الشاعر سليمان العيسى أن "فلسطين داري ..ودرب انتصاري" وأصبحت القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى محل أنظار المواطن العربي لاسيما في الانتفاضة الأولى والثانية إلى أن بدأ العمل على التحول الاجتماعي و الإعلامي، لتظهر أغنية "وين وين وين .. الشعب العربي وين" في محاولة ثقافية فنية لإعادة بوصلة الوجهة الاعلامية و حتى الجماهيرية، ومن ثم بدأ مصطلح الوطن العربي يتلاشى ليحل محله الشرق الأوسط الجديد أو الكبير حيث اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام (1997) على تعويم المفهوم الأوسع لتعبير الشرق الأوسط الكبير، حيث أن هذا المفهوم الجديد يضم كل من تركيا و إيران و(كيان الاحتلال) و دول آسيا الوسطى الإسلامية الغنية بالبترول و السوق الضخمة للسلع الأمريكية، وهو عبارة عن فكرة هلامية تقوم على سلخ السمات التاريخية والثقافية والجغرافية ويتم التركيز فيها على الجغرافية الاقتصادية في إطار نشر مفاهيم العولمة بكافة أوجهها .
سبق هذا مجموعة من الأحداث منها خروج جمهورية مصر العربية بقيادة أنور السادات من محور المواجهة وتوقيعها اتفاقية كامب ديفيد (1978) ومن أهم بنودها إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات ودية بين مصر وإسرائيل، وانسحاب إسرائيل من سيناء التي احتلتها عام (1967) بعد حرب الأيام الستة وتضمنت الاتفاقية أيضا ضمان عبور السفن الإسرائيلية قناة السويس واعتبار مضيق تيران وخليج العقبة ممرات مائية دولية وبالتالي خرجت مصر بما تمثل من ثقل عربي من الصراع مع الكيان وتمهيد للتطبيع العربي الصهيوني.
تلاها اتفاقية وادي عربة في العام (1994) بين الأردن وكيان الاحتلال وجاء في الإعلان أن الأردن وكيان الاحتلال أنهيا حالة العداء الرسمية وسيبدآن مفاوضات من أجل "وضع حد لسفك الدماء" ولأجل سلام عادل ودائم و بعد الاتفاقات، فتحت الأردن وكيان الاحتلال حدودهما، وأقيمت عدة معابر حدودية سمحت للسياح ورجال الأعمال والعمال بالسفر بين البلدين كنوع من أنواع التطبيع ، والضربة القوية عندما تم توقيع اتفاقية سلام بين كيان الاحتلال وموريتانية في العام (1999) علما أن موريتانية لا تعتبر من دول المواجهة وأصبحت موريتانيا ثالث دولة عضو في الجامعة العربية بعد مصر والأردن تعترف (بإسرائيل) كدولة ذات سيادة وأقام كلا البلدين علاقات دبلوماسية كاملة وانتشرت بعدها مكاتب السياحة والاقتصاد بين عدد من الدول العربية والكيان لتظهر ملامح التطبيع وانتشر هذا المصطلح .
"التطبيع يعني جعل ما هو غير طبيعي طبيعياً"، ولا يعني بالضرورة إعادة الأمور إلى طبيعتها كما يروج البعض في محاولة بتغيب حقيقة أن الوجود اليهودي في فلسطين قائم على احتلال أرض الغير وتهجيرهم عن أرضهم وقدسهم وذكرياتهم .
عند ظهور هذا الموضوع (التطبيع) شاهدنا رفض شعبي عربي كبير حتى عندما وقعت الحكومات هذه الاتفاقات شاهدنا هذا الرفض في الشوارع والساحات وعبر الحوارات والنقاشات وفي الإعلام .
ومع اتساع دائرة التطبيع وتوقيع اتفاقيات السلام والاستسلام بين الدول العربية والكيان والتهافت العربي له بداية من دولة الامارات العربية المتحدة ومن ثم مملكة البحرين والآن السودان التي استضافت إحدى أهم القمم العربية في العام (1967)، وهي القمة التي تبنت قرارات "حازمة" مثل إعلان اللاءات الثلاث "لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل" .
ونقلت القناة 13 الإسرائيلية العامة عن مصادر سياسية قولها إن قطر قد تكون الدولة التالية التي توقع اتفاقا للتطبيع وبالتالي الحبل على الجرار في ظل هذا نشاهد موافقة شعبية وصمت شبه كامل من الشعوب العربية لهذه الاتفاقيات "وهذا الأخطر" والمشكلة الأكبر أن هناك مباركة من بعض الأصوات في الداخل الفلسطيني علما أن هناك من يقول (اذا القاضي راضي ) والبعض شاهد حركات المقاومة تنتقل من قلب العروبة إلى بلدان التطبيع كل هذا يقود نحو جملة من التساؤلات كبرى منها :
_ هل انشغل العرب بحياتهم اليومية ومتطلباتهم ونسوا قضيتهم الأولى.
_هل ما سمي (الربيع العربي) هدفه الوصول إلى ما نحن عليه.
_هل ينبغي للعرب العيش باستذكار الماضي والعيش على أمجاد الماضي ونسيان الحاضر والمستقبل .
_هل يعي فلسطينيو الداخل خطورة ما يحصل والالتفات إلى الوحدة الوطنية .
_و هل فعلا بلاد العرب أوطاني !؟ .
علما أن الجمهورية العربية السورية والتي تعاني من حرب إرهابية عليها وتخاذل عربي كبير وتأمر من القريب قبل الغريب وبالرغم من الحصار الجائر على شعبها فإن موقفها ثابت لم يتغير لا على المستوى الشعبي ولا على المستوى الحكومي وصرحت عبر وزارة الخارجية في أكثر من مرة أن سورية تجدد موقفها الثابت المبني على التمسك بالأرض والحقوق، والرافض للتنازلات والاتفاقيات المنفردة مهما كان شكلها أو مضمونها وتشدد أنها كانت وستبقى ضد أي اتفاقيات أو معاهدات مع العدو الإسرائيلي انطلاقا من قناعتها الراسخة بأن مثل هذه الاتفاقيات تضر بالقضايا العربية عموما، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وهو ما أثبتته التجارب السابقة من أن التطبيع والتوقيع على معاهدات واتفاقيات مع هذا العدو لم يزده الا صلافة وتعنتاً، ولم يزد العرب الا ضعفا وتشرذما..
اذا من خلال تصريح الخارجية السورية نستطيع الإجابة على بعض التساؤلات التي طرحناها ونقول
_ بالرغم من كل الضغوطات والحصار والحرب لم تتخل سورية حكومة وشعبا عن مواقفها.
_ ما سمي الربيع العربي كان أحد أهدافه الوصول إلى التطبيع وهذا لن ينجح على الأقل مع الشعب السوري إلا ضمن اتفاق يعيد الأرض ويكون اتفاقا مشرفا .
_دعت سورية إلى وحدة الشعب الفلسطيني وهي دائما تدعو للمصالحة .
_الشعب العربي السوري تربى على فلسطين داري وهو متمسك بها.

ومع تلاشي مصطلح الوطن العربي وظهور مسمى الشرق الأوسط .. وتلاشي مصطلح المقاطعة وظهور "التطبيع".. هل مازالت "فلسطين داري و درب انتصاري" و هل سيرد أحد على سؤال "الشعب العربي وين" ؟
كيف ينعكس الواقع المتخاذل لبعض العرب في نفوس الفلسطنيين، بعد أن باتت "فلسطين المحتلة" قضيتهم هم فقط، يقول كثيرون، وهي من كانت في وقت مضى.. قضية كل عربي.