الأربعاء: 20/01/2021

التصعيد الإسرائيلي على الجبهتين الإيرانية والفلسطينية في الفترة الإنتقالية للإدارة الأمريكية

نشر بتاريخ: 01/12/2020 ( آخر تحديث: 01/12/2020 الساعة: 12:37 )

الكاتب: العميد أحمد عيسى

يحرص الفريق الإعلامي المحيط بنتنياهو على تقديمه للجمهور اليهودي كملك من ملوك إسرائيل الذي يتوجب وضع إسمه بجدارة في قائمة زعماء إسرائيل إلى جانب دافيد بن غوريون الذي أعلن عن قيام الدولة العام 1948، ومناحيم بيغن الذي وقع أول إتفاق سلام مع أكبر دولة عربية (مصر) العام 1978، وذلك على الرغم من أنه رئيس الورزاء الأول الذي يحاكم بتهم الفساد وإسائة الأمانة خلال شغله المنصب، إذ سيقترن إسمه في تاريخ إسرائيل بأنه رئيس الوزراء الذي جلب إعتراف القوة الأعظم في العالم (أمريكا) بالقدس الموحدة كعاصمة أبدية لإسرائيل ونقل سفارتها اليها.

وهو كذلك رئيس الوزراء الأكثر إحتفاظا بهذا المنصب منذ الإعلان عن قيام إسرائيل، وهو الذي نجح بإثبات رؤيته القائمة على صناعة السلام مع الدول العربية على أساس مبدأ السلام مقابل السلام، وليس على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام، الأمر الذي قاد في نهاية المطاف إلى تخلي البعض من الدول العربية عن إلتزامهما بمبادرة السلام العربية وتوقيع معاهدات سلام مع إسرائيل دون شرط إنسحاب الأخيرة من الأراضي الفلسطينية والعربية التي إحتلتها بالقوة العسكرية العام 1967.

كما أنه رئيس الوزراء الأول الذي تحدى علناً الإدارة الأمريكية (إدارة أوباما) وجعلها (إدارة ترامب) تتراجع عن اتفاقات دولية (الإتفاق النووي الإيراني) وقعت عليها، لأن إسرائيل ترى أنها لا تخدم مصالحها وتهدد بقائها في المنطقة، فضلاً عن أنه رئيس الوزراء الذي زرع رؤيته التي تمثل رؤية اليمين النيوصهيوني للصراع في فلسطين في عقل إدارة ترامب، علاوة على أنه رئيس الوزراء الأول الذي نجح في تسويق البيت الأبيض كرديف لبلفور (مقر إقامة رئيس الوزراء في إسرائيل) حين سرب المقربون منه خلال زيارته في شهر ايلول/سبتمبر الماضي لواشنطن أنه إصطحب معه حقيبة ملابسه المتسخة لغسلها في البيت الأبيض، وفقاً لما نشرته صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 25/9/2020.

ومع وصول المرشح الديمقراطي ونائب الرئيس الأسبق أوباما للبيت الأبيض، ظل الأخير هو الرديف لبلفور، ولكن هذه المرة وفق رؤية ساكن البيت الأبيض وليس وفق رؤية نتنياهو، الأمر الذي لا يمس الصورة التي حرص نتنياهو على تقديم نفسه للناخب اليهودي على أساسها في السنوات الأربع الماضية فحسب، بل سيكون له تداعياته بلا شك على ما حققته إسرائيل من إنجازات في المنطقة في عهد إدارة ترامب، لا سيما على صعيد الملفين الإيراني والفلسطيني، الأمر الذي يدفع نتنياهو إلى توظيف كل ما بحوزته من وسائل في ما تبقى للرئيس ترامب من وقت حتى العشرين من كانون الثاني/يناير 2021، سواء من خلال ما تمتلكه إسرائيل من قدرة على التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، أم من خلال الإجراءات الإسرائيلية في المنطقة، لغايات منع إدارة بايدن من المساس بالإنجازات التي تحققت في عهد الإدارة السابقة خاصة في ما يخص الإتفاق النووي الإيراني، والإستيطان أو الضم الصامت في الضفة الغربية.

وفيما يتعلق بقدرة إسرائيل على التدخل في السياسة الخارجية الأمريكية فتظهر ردود فعل البعض من صناع الرأي الأمريكي على قرارات الإعفاء التي أصدرها الرئيس ترامب بعد فشله في جولة الإنتخابات الأخيرة عن بعض من مستشاريه ومساعديه الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية بسبب مخالافات جنائية، لا سيما التقارير التي تناولت قرار الإعفاء عن المستشار الأول للأمن القومي في عهد الرئيس ترامب مايك فلاين (كتقرير السيد رايان لوكاس في راديو الشعب القومي NPR، وتقرير تلفزيون PBS في برنامج ساعة إخبارية، وتقرير السيد تشارلي سافاج في صحيفة نيويورك تايم، والتي نشرت جميعها يوم الأربعاء الموافق 25/11/2020)، أنه فيما حوكم فلاين لإرتكابه مخالفة بالإتصال بالسفير الروسي في واشنطن سيرجي كيسلاك والطلب منه عدم تصعيد موسكو في ردها على قرار الرئيس أوباما بفرض عقوبات على روسيا لتدخلها في الإنتخابات الأمريكية العام 2016، إلا أن الشهادات الثلاث المشار إليها أكدت بالمقابل أن فلاين قد أخفى عمداً الجزء الأهم من الحقيقة بأن اتصاله بالسفير الروسي لم يهدف فقط لتهدئة الرئيس بوتين، بل جاء بناء على طلب من جاريد كوشتير صهر الرئيس ترامب الذي طلبت منه أطراف رسمية إسرائيلية إستثمار علاقاته الدولية على لعرقلة ومنع إصدار قرار من مجلس الأمن يدين الإستيطان الإسرائيلي بالضفة الغربية والقدس الشرقية، وذلك بعد أن أكدت المصادر الإسرائيلية لكوشنير أن إدارة الرئيس أوباما لا تنوي تعطيل صدور هذا القرار باستخدام حق النقض الفيتو.

صحيح أن مساعي إسرائيل وفريق المرشح للرئاسة الأمريكية في حينه لم تنجح بمنع إصدار قرار إدانة الإستيطان (2334)، إلا أن هذه المساعي تكشف مدى قدرة إسرائيل على الوصول إلى ما يجري في أروقة البيت الأبيض، علاوة على كشفها لمدى تأثير إسرائيل في صنع السياسة الخارجية الأمريكية في فترة الرئيس ترامب.

وفيما يخص السياسة الإسرائيلية نحو الملفين الإيراني والفلسطيني والإجراءات التي ستترتب على هذه السياسة، فتعكس قراءة التقارير الإسرائيلية الأمنية والإعلامية خشية إسرائيل من عودة الإدارة الجديدة للإتفاق النووي الإيراني الذي إنسحبت منه إدارة ترامب العام 2018، علاوة على خشيتها من إسقاط الإدارة الجديدة لخطة صفقة القرن خاصة الجزء الذي يعطي إسرائيل الحق بضم مساحات واسعة من الضفة الغربية لسيادتها، والعودة في تناولها لملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لمبدأ حل الدولتين وللشرعية الدولية كأساس ومرجعية للحل.

ومن الواضح في هذا الشأن أن خيار التصعيد في الملفين هو الخيار الأمثل لإسرائيل، الأمر الذي يعني أننا سنشهد مزيداً من التصعيد الإسرائيلي على الجبهتين الإيرانية والفلسطينية، إستخباريا وعسكريا على الجبهة الأولى، وإستيطانياً على الجبهة الثانية.

في الواقع كانت إسرائيل قد بدأت التصعيد مباشرة وبوتيرة متزايدة بعد توفر ما يكفي من المؤشرات على فوز الرئيس بايدن في سباق الرئاسة الأمريكية، الأمر الذي يمكن الإستدلال عليه على صعيد الجبهة الإيرانية من خلال كشف صحيفة الواشنطن بوست في النصف الأول من شهر نوفمبر 2020، عن تفاصيل إغتيال فرقة إسرائيلية تعرف باسم (رأس الرمح) للرجل الثاني في تنظيم القاعدة أبو محمد المصري، وذلك لربط إيران بالإرهاب العالمي في ذهن الرأي العام العالمي والأمريكي على وجه الخصوص، الأمر الذي نفته إيران وصمتت عنه إسرائيل، وفي الرابع والعشرين من نفس الشهر أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مقتل نحو 14 شخصاً من المسلحين الموالين لإيران في إستهداف جوي ينسب لإسرائيل لريف البوكمال في دير الزور، وفي السابع والعشرين من الشهر ذاته تمكنت فرقة إغتيال تقف خلفها إسرائيل وفق تصريحات مسؤولين إيرانيين من إغتيال مسعود زادة مساعد وزير الدفاع الإيراني ورئيس منظمة البحوث والتخطيط في الوزارة والذي تعتبره إسرائيل المسؤول الأول عن المشروع النووي الإيراني العسكري شرق العاصمة طهران، الأمر الذي يشير الى مزيد من التصعيد الذي قد يجر إيران إلى رد إنتقامي ربما يخرج عن سيطرة كل الأطراف ويؤدي الى مواجهة شاملة في المنطقة تنخرط فيها واشنطن، لا سيما وانه ليس بمقدور إسرائيل المبادرة لهكذا تصعيد دون ضوء أخضر أمريكي.

وعلى الصعيد الفلسطيني يلاحظ كذلك طغيان التصعيد في فرض مزيد من الحقائق الإستيطانية على السياسة الإسرائيلية، إذ شهد شهر نوفمبر الجاري كثافة في مصادقة الحكومة الإسرائيلية على مشاريع إستيطانية جديدة، سواء من حيث بناء مزيد من الوحدات السكنية، أم من حيث شق طرق إلتفافية تربط المستوطنات ببعضها البعض، ام من حيث وهذا هو الأخطر الشروع قي بناء مستوطنات جديدة تعزل القدس نهائياً عن الضفة الغربية وتقضي على فرصة قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة للأبد، كمشروع مستوطنة رامات هتياس الى الشرق من مستوطنة جبل أبو غنيم التي تفصل القدس نهائيا عن جنوب الضفة الغربية، ومشروع بناء مستوطنة جديدة بالقرب من مستوطنة عطاروت التي تفصل القدس عن شمال الضفة.

وعلى ذلك من المتوقع أن تشهد الفترة المتبقية من عمر إدارة الرئيس ترامب المزيد من فرض الحقائق الإستيطانية في الضفة الغربية وشرق القدس، وربما تذهب الحكومة الإسرائيلية إلى إعلان ضم أجزاء من الضفة الغربية لسيادتها وفقاً لنص خطة الرئيس ترامب، لا سيما وأن الحكومة الحالية غير مستقرة وقد تشهد إسرائيل جولة جديدة من الإنتخابات العامة، الأمر الذي يجعل من إعلان نتنياهو المتوقع للضم مادة انتخابية لكسب المنافسة مع من يقف على يمينه من التيار النيوصهيوني الذي بات يهيمن على الساحة الفكرية والسياسية في إسرائيل، خاصة وأن استطلاعات الرأي تظهر تقدم كبير لحزب يمينة بزعامة نفتالي بينت المتحمس بشدة لتنفيذ الضم.

من جهتها إدارة بايدن الجديدة ستكتفي برفض الإستيطان وإدانته، لكن من غير المتوقع أن تذهب إلى إجبار إسرائيل على وقف أو عدم تنفيذ الإستيطان كأن تشترط إستمرار المساعدات الأمريكية بوقف الإستيطان والضم، الأمر الذي سيجعل حينئذ من مراهنة الفلسطينيين على إدارة بايدن في إعادة الحياة لحل الدولتين مضيعة للوقت وإستثمار في غير مكانه.