الخميس: 21/01/2021

فيديل كاسترو: هيبة المسير من المهد إلى فخامة الذاكرة العالية

نشر بتاريخ: 04/12/2020 ( آخر تحديث: 04/12/2020 الساعة: 15:41 )

الكاتب: محمد نعيم فرحات

لم يكن فيديل كاسترو كائنا تاريخيا له وعي ووجدان وعواطف واجتهادات فقط، بل لقد بدا أيضا وكأنه بطل يصعد من رواية كتبها خيال أصيل ،حقيقي ومنصف، رواية تمجد قيم الثبات والصمود وبسالة الصبر والرهان على الزمن والناس والعمل والتاريخ في مواجهة الظلم والقهر والهيمنة والعدوان، ويجسد الإيمان الحاسم بالمنطلقات وإمكانية تحقيق الأهداف الكبيرة الكريمة.

كان فيديل كاسترو من السرديات الكبرى لتاريخ العالم المعاصر ووعيه ووجدانه، بسحر وبروحانية وبنكهة تخصه ، وقد تجلى ذلك في: قامته وملامحه وممارساته، وعقود المروءة التي أقامها بينه وبين نفسه والقيم الباقية ، وقد لاقى القول العالي والكريم كما يجب وكما يتعين " وما بدلوا تبديلا" بينما كانت أغلبية الأمة التي كرمتها السماء بهذا القول، تسقط في امتحان القول وتتحايل لتفادي شروطه وتنجح في التخلص من متطلباته على نحو مهين ، وتضع نفسها بعهدة المذلة والفشل.

فيديل وتشي جيفارا ورفاقهم خلصوا كوبا من براثن الظلم والقهر والفساد والهيمنة والتبعية والاستباحة والاستغلال والجهل، وذهبوا بها نحو أفاق تنمية شاملة متعددة الأبعاد، مسحوا الأمية ويسروا سبل تحول المعرفة إلى حق عام وواجب ، وجعلوا العدالة والمساواة مرجع اعلي للعمل العام، واستخرجوا من ناسهم اعز ما في البشر: الكرامة والتحقق اللائق وسط أصعب الظروف، وصارت كوبا المحاصرة ،فقيرة الموارد كريمة النفس موعظة كبرى للمظلومين ودليلا مجربا على إمكانية انعتاقهم، ثم تخطت ذلك نحو دعم المقهورين أينما وجدوا، على نحو بالغ الشرف، منزه من أي غرض عدى القيم السامية. لقد كان لتحرير كوبا صداه العميق في أمريكا اللاتينية وفي كل أرجاء العالم ، ووصل دعم كوبا الأخلاقي والمعنوي والسياسي لقضايا الحرية والعدالة والإنعتاق إلى حيث يمكن أن يصل، مثلما وصلت أقدام رجالها إلى كل حيث يمكن للنصرة والاستنقاذ أن تصله.

فيديل كاسترو لم يحول كوبا لمزرعة شخصية أو مختبرا للتجريب الفاشل في التاريخ ،لقد بنا جيشا وأمنا واقتصادا وتعليما وصناعة وزراعة وثقة ومناعة وصمودا وعدالة تمتع بها الكوبيين من كل أصل ولون ومنبت، وكلف نفسه بان يكون الحارس الأول لكل ذلك، وبهذا وغيره انتقلت كوبا من بلد مُنتهكٍ ومُهانٍ ومحروم لبلد صامد ومقاتل من اجل الحياة الكريمة له ولغيره. وصانع لأبجدية أخرى في التحقق والوجود لنفسه ولغيره معا.
*
فيديل كاسترو: المهيب، البهي، طويل القامة عالي الهمة، المنحدر لتوه من أعلى لأعلى، الجلود الصبور، المؤمن "بحس المهمة وبحس انجازها" ،بعيد المدى، الصاعد إلى خياره وقدره "باسما" والذي كان القول المتحقق من خلال الفعل والخيارات يتدفق من إرجاء جسده ومعانيه بحرارة وغزارة وصلابة وكأنه شلال، عاد إلى مثواه الأخير في "سنتياغو دو كوبا" قبل أربع سنوات بعد مسير طويل وحافل ، كما يعود الكرام الباسلين الذين أدوا قسطهم نحو التاريخ، وكتبوا نصهم الباقي في الزمن والوجود ببهاء .عاد رمادا محمولا في احترام الناس ومّر بهم وبأحزانهم وفخرهم ومحبتهم وذاكرتهم مرورا كريما مستداما.
فيديل كاسترو قطع المسافة ، من بداية ظهوره كحالة وهالة الحضور المدوي التي أحاطت به حيثما حل أو كان، إلى هيبة المسار في خيارات كوبا والعالم وصولا إلى فخامة القبر مكللا بالغار وبالتقدير.لقد كان في حياته وحتى مماته، موعظة تقول نفسها بالذخيرة الحية ، عن معنى القيادة والزعامة وقدرتها على تأكيد نفسها في الزمن والذاكرة.


*

لطالما كانت الحياة هبة تعطى للناس بدون اختيار منهم، بيد أن هويتها ظلت تتحدد بالمعنى الذي كان يعطيه الناس لأنفسهم في الوجود ويختارونه، وقليلون هم، من حولوا حياتهم لاستثمار بهي، يجعل من غيابهم الأبدي، لحظة حضور هي الأعلى في مسيرتهم.
*كاتب وأكاديمي من فلسطين