الثلاثاء: 26/01/2021

بايدن رسميا الى البيت الابيض وترامب سيدفع الثمن!

نشر بتاريخ: 10/01/2021 ( آخر تحديث: 10/01/2021 الساعة: 12:39 )

الكاتب: د. رمزي عودة

عاش العالم أجمع ليلة البارحة صدمة كبيرة، وهو يشاهد عبر شاشات التلفزة العالمية، قيام المتظاهرين المؤيدين للرئيس المهزوم في الانتخابات ترامب حصار المبنى الرئيس للكونجرس "الكابيتول" وإقتحامه من أجل تعطيل جلسات الكونجرس بشقيه؛ مجلس النواب ومجلس الشيوخ، لإقرار النتائج النهائية للإنتخابات التي أعلنها المجمع الانتخابي، والتي أفضت الى فوز بايدن المرشح الديمقراطي. وفي ظل المشهد السياسي العنيف ليلة أمس في عاصمة الحرية "واشنطن"، نجح ترامب بتحريض الجماهير المؤيدة له من خلال خطاباتاه وتغريداته بأن الإنتخابات مزورة وأنها قد تم "سرقتها منه ومن الشعب الأمريكي" على حد تعبيره، وقد قتل في هذه الأحداث الصادمة أربعة من الأمريكيين المتظاهرين من بينهم إمرأة، وبالرغم من رفض البنتاغون التدخل العسكري من قبل قوات الحرس الوطني بإعتبار الجيش لا يتدخل في المنافسات السياسية لصالح أي طرف، فقد نجحت الشرطة الأمريكية بعد ساعات قليلة من تعليق الكونجرس جلسة التصويت على الانتخابات، في طرد المتظاهرين الغاضبين من مبنى "الكابيتول"، وإعادة الحياة الطبيعية الى العاصمة، والتي أعلنت عمدتها حظر التجول فيها من الساعة السادسة مساءا حتى الساعة السادسة صباحا، تجنبا لمزيد من الاحتكاكات.

وفي أول تصريح رسمي له على هذه الأحداث التي وصفها بالتمرد، طالب الرئيس المنتخب بايدن ترامب بالخروج للشعب الأمريكي والطلب منهم الإنسحاب بسلام احتراما للقيم والتقاليد الديمقراطية الأمريكية، كما إعتبر أوباما الرئيس الأمريكي الديمقراطي السابق هذه الاحداث بأنها "مريعة ولكنها ليست مفاجئة"، إشارة الى حالة التحريض المستمرة على نتائج الإنتخابات ونعتها بالتزوير من قبل ترامب. من جانبه، وصف الأمين العام للناتو هذه الاحداث بالصادمة، وطالب رئيس الوزراء الكندي بإحترام نتائج الإنتخابات، كما أكدت بريطانيا بأنها تراقب بقلق الأحداث المؤسفة في الولايات المتحدة، وتتمنى أن يتم إحترام الصندوق الإنتخابي. من جانب آخر، لوحظ إنقسام من قبل الجمهوريين أنفسهم تجاه الأحداث الدامية في "الكابيتول"، وحملوا بشكل أو بآخر المسوؤلية على ترامب، فقد أكد "بنس" نائب الرئيس الامريكي إحترامه لنتائج الإنتخابات، مما دعا ترامب الى وصفه بأنه "لم يكن شجاعا". وإعتبر وزير الخارجية الأمريكي الأحداث السابقة بأنها "عنف إنتخابي" غير مقبول، كما أعلن زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ السناتور ميتش ماكونيل بعد التصويت، أنه لا يتوقع أي تصويت آخر للطعن على نتائج المجمع الانتخابي رافضا الأحداث المؤسفة التي جرت في الكونجرس، وداعيا الى إحترام نتائج الانتخابات. كما تراجعت السيناتور الجمهورية عن ولاية جورجيا كيلي ليفلورعن موقفها المعارض للتصديق على نتائج ولاية أريزونا بعد أحداث الشغب في "الكابيتول".

وقد نجح الكونجرس اليوم في إستكمال جلسته لاقرار نتائج الانتخابات، وأعلن رسميا نائب الرئيس الأمريكي "بنس" عن فوز بايدن بالانتخابات العامة الرئاسية بأغلبية 306 نقطة، وهي أغلبية ساحقة لم يحظى بها أي رئيس أمريكي منذ تأسيس الولايات المتحدة. وبالرغم من الإعلان رسميا عن فوز بايدن، الا أن ترامب إستمر في تغريداته التي لا تعترف بنتائج الانتخابات، وفي حين أنه دعا المتظاهرين الى الإنسحاب بسلام من مبنى الكابيتول، الا أنه وصفهم بالأشخاص الجيديين والأخيار، وأعلن لهم بأسلوبه التحريضي الشعبوي المعروف بأن لن "يستسلم أبدا ولن يرضخ لهذه النتائج".

وفي النتيجة، فان ترامب، ومن خلال تحريضه المستمر لمؤيديه على رفض نتائج الانتخابات، ومحاولة الضغط واستغلال نفوذه على النواب الجمهوريين، قد خسر أهم قواعده الإنتخابية، كما خسر حلفاءه التقليديين في الحزب الجمهوري. وخسر فوق هذا وذاك، إحترام الشعب الأمريكي الذي إعتاد ممارسة التقاليد الديمقراطية الأمريكية، والذي لم ولن يتقبل بتاتا صور إقتحام مبنى "الكابيتول" من قبل مؤيدي ترامب، وهو الأمر الذي لم يحدث سوى في الحرب الأهلية الأمريكية قبل أكثر من 350 عاما.

في الواقع، لن يمرر الديمقراطييون بقيادة بايدن ما حدث بسهولة، فمسألة اقتحام مبنى "الكابيتول" والقتلي المدنيين الذين وقعوا في باحات المبنى، وسلسلة التحريض المستمر من قبل ترامب، كلها قضايا مهمة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وبالحفاظ على النسيج الوطني ومنع الانقسامات، واحترام منظومة القيم السائدة. وبالضرورة، أعتقد أن هنالك الكثير الذي ينتظر ترامب بعد إستلام بايدن رسميا السلطة في العشرين من يناير الجاري. حيث يمكن توقع بعض الإجراءات والتشريعات التي يمكن أن يقرها الديمقراطيين في الفترة المقبلة لبقائهم في السلطة، والتي باتوا يسيطرون على أهم أعمدتها، وأقصد هنا السلطة الرئاسية ومجلسي النواب والشيوخ. ومن هذه الإجراءات والتشريعات المتوقعة:

أولا: إجراء تعديلات مهمة في النظام الانتخابي، وأقصد هنا توحيد طرق فرز الأصوات وإحتساب التصويت عبر البريد، وتحسين وسائل الرقابة الأهلية والقضائية على نتائج التصويت.

ثانيا: إجراء تقييدات على قدرة الكونجرس على الطعن في نتائج الانتخابات بعد إقرار المحكمة العليا في قضايا الطعون، بحيث لا تتعارض صلاحية السلطة التشريعية مع صلاحيات السلطة القضائية.

ثالثا: إجراء تقييدات أكثر في عملية التصويت غير المباشر في الولايات المتحدة، وأقصد هنا إصدار تشريع يلزم أعضاء المجمع الانتخابي بالتصويت بشكل يتوافق مع تصويت الولايات.

رابعا: إصدار تشريعات تقيد صلاحيات الرئيس بالتحريض على نتائج الإنتخابات والإتهامات بالتزوير، في ظل ضمان قيام المؤسسات ذات الاختصاص في الولايات وفي الدولة الفيدرالية بمتابعة الطعون الانتخابية وإصدار قراراتها بشأنها.

خامسا: تجريم الأفعال الصادرة من قبل الرئيس المنهزم في الإنتخابات ترامب، وهي المرتبطة بأفعال التحريض، ودعوة الجمهور للتمرد، والطعن غير المسؤول في قرارات السلطة القضائية، ومحاولة إستخدام النفوذ للضغط بشأن تغيير نتائج الانتخابات كما حدث في فضيحة تسريب مكالمته مع حاكم فرجيبنا.

وفي المحصلة، فان النتائج الكلية لما حدث سوف تؤدي الى مزيد من خسارة الجمهوريين لثقلهم في الشارع الانتخابي في الولايات المتحدة، وربما لن يفلح أي مرشح جمهوري في الفوز في أي انتخابات رئاسية قادمة لعقود من الزمن على إثر الصورة السلبية التي تركتها الأحداث التي جرت في هذه الانتخابات التاريخية في الولايات المتحدة، والتي سيستغلها الديمقراطييون بدهاء في أي انتخابات قادمة.

ومن جانب آخر، سيدفع ترامب ثمنا باهظا لنتائج أعماله في هذا السباق الإنتخابي المحموم، ويتوقع أن تقوم إدارة بايدن بعد إستلام السلطة رسميا بالتحقيق معه في هذه الأعمال التي تصل الى التجريم، وسيخضع ترامب الى محاكمة خاصة من قبل الكونجرس الأمريكي، وقد تتراوح التهم الموجهة له ما بين العصيان الى الخيانة العظمى. ولن يكتفى بايدن بتوجيه اللوم له، ولكنه سيقدمه للمحاكمة العلنية، وأعتقد أن ترامب عليه الآن وهو يحزم حقائبه من البيت الابيض أن يقدم قرابين الطاعة لبايدن، ولكنني أجزم بتاتا أن بايدن لن يعفو عليه.