في ذكرى يوم القدس العالمي ....القدس تنتصر والنظام الرسمي العربي ينبطح

نشر بتاريخ: 02/05/2021 ( آخر تحديث: 02/05/2021 الساعة: 11:51 )

الكاتب: راسم عبيدات

الصرخة المدوية التي اطلقها الراحل الكبير الإمام الخميني في 7/8/1979، باعتبار الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك من كل عام، يوماً للقدس العالمي، يوماً تخرج فيه الجماهير العربية والإسلامية للشوارع والساحات والميادين العامة لتعبر عن غضبها والإحتجاج على ما تتعرض له المدينة من عمليات "إغتصاب" وتطهير عرقي و"تغول" و"توحش" إستيطاني، يطال كل معالم الوجود العربي الفلسطيني فيها، وكل بقعة من أرضها،وبما يشمل فضائها وفوق وتحت أرضها ومقدساتها وفي المقدمة منها المسجد الأقصى،ما زالت تلك الصرخة المدوية مفاعيلها باقية وتتصاعد في ظل ما تتعرض له قدسنا ومقدساتنا من حرب شاملة وجودية يشنها المحتل على شعبنا في كل مناحي وشؤون وتفاصيل حياته اليومية من اجل حسم السيطرة والسيادة على المدينة.

منذ الصرخة المدوية التي أطلقها الراحل الكبير الإمام الخميني قبل إثنان وأربعين عاماً من أجل القدس،جرت في النهر مياه كثيرة،فالعرب والمسلمون لم يعودوا موحدين حول قضية القدس، ولم تعد بوصلتهم ولا قضيتهم الأولى،حيث العديد من دول النظام الرسمي العربي لم تكتف بشرعنة علاقاتها التطبيعية مع دولة الإحتلال،كتعبير عن حالة الإنهيار التي عصفت بهذا النظام العربي،والذي حدثت تغيرات كبيرة في بنيته ودوره ووظيفته،ولينتقل من نظام يرفع شعارات " لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف" مع دولة الإحتلال ، لاءات قمة الخرطوم، الى نظام يقول ب" الصلح والتفاوض والإعتراف" بدولة الإحتلال،وليزيد عليها الهرولة التطبيعية وإقامة التحالفات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية معها ،الإمارات والبحرين والسودان والمغرب نموذجاً.

الإيرانيون مطلقي هذه الدعوة والصرخة ،القدس تحتل الأولوية في استراتيجيتهم،وهم ينطلقون في دعمهم لشعبنا الفلسطيني ولقضيته الوطنية العادلة ولمقاومته،من منطلقات مبدئية،وتعبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن مواقفها هذه بكل علنية ووضوح،رغم ما تتعرض له من حصار ظالم ومؤامرات من قبل أمريكا والصهيونية العالمية والإستعمار الغربي والعديد من المشيخات العربية الخليجية،لم تغير موقفها ولا تحيد بوصلتها عن القدس.

ما يميز الذكرى لهذا العام انها تأتي في ظروف وتعقيدات كبيرة تتعرض فيها قضيتنا الفلسطينية لمخاطر الشطب والتصفية لها بكل أبعادها وتكريس الموقف الصهيوني على الأرض من قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والأمن والحدود والرواية،في ظل متغيرات فلسطينية وعربية ودولية إستفاد منها المحتل،في تنفيذ مخططاته ومشاريعه،فالحالة الفلسطينية ضعيفة ومتشظية ومنقسمة على ذاتها،ومن بعد صدور قرار الرئيس عباس بتأجيل مفتوح للإنتخابات التشريعية في التاسع والعشرين من الشهر الماضي،نعتقد بأن الأمور الداخلية الفلسطينية ذاهبة نحو المزيد من الإنقسام والمخاطر الكبيرة سياسياً ووطنياً وقانونياً وديمقراطياً على شعبنا وقضيتنا الفلسطينية ،وكذلك في الجانب العربي حيث النظام الرسمي العربي يزداد إنحداراً وخضوعاً للإرادة والإملاءات والإشتراطات الأمرو صهيونية،ولا يتورع عن دعم مشاريع ومخططات الإحتلال في تهويد المدينة وتقسيم أقصاها مكانياً.

كذلك المحتل إستفاد من مفاعيل صفقة القرن الأمريكية التي طرحتها الإدارة الأمريكية المتصهينة السابقة،بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس والإعتراف بها كعاصمة لدولة الإحتلال وشرعنتها للإستيطان ومنتوجات المستوطنات في الضفة الغربية في حرب مباشرة شاركت فيها أمريكا إلى جانب دولة الإحتلال على شعبنا وقضيتنا وحقوقنا وأرضنا.

رغم كل ما تملكه دولة الإحتلال من إمكانيات وطاقات وقدرات عسكرية ،لكنها لم تعد قادرة على فرض الإستسلام على الشعب الفلسطيني،هذا الشعب المتسلح بإرادته والذي بات يستند الى مقاومة في قطاع غزة، تُسند وتحمي الهبات الشعبية للمقدسيين وتفرض معادلات ردع مع المحتل،تمنع وتلجم غروره و"توحشه" و"تغوله" وغطرسته وعدوانه على القدس والمقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى،كما حصل في هبة ساحة باب العامود الأخيرة،وكذلك هناك تغيرات جيوسياسية استراتيجية تحدث في المنطقة والإقليم والعالم،تؤشر الى تصاعد وتنامي قوة وقدرات محور ا ل م ق ا و م ة الذي يتعاطى مع ا ل م ق ا و م ة الفلسطينية كجزء من محور ،لا يسمح بتصفيتها والعدوان عليها،وعالمياً نشهد تراجع وانكفاء المشروع الأمريكي في المنطقة،ولم تعد أمريكا قدر العالم ولا شرطيه المتحكم بمصيره،بل هي تمنى بالهزائم ويراكم محور ا ل م ق ا و م ة المزيد من الإنجازات والإنتصارات،فها هي أمريكا صاغرة تعود للإتفاق النووي مع طهران وتستجيب لشروطها برفع العقوبات المجحفة والظالمة عنها،قبل عودة طهران للإلتزام بالإتفاق النووي ،وتسحب قواتها من افغانستان بعد عشرين عاماً وخسارة 2500 جندي قتلى و24 ألف جندي جرحى وصرف ما يعادل 2 ترليون دولار في هذه الحرب الخاسرة،وكذلك حروبها وعقوباتها الظالمة على سوريا ولبنان واليمن لن تحقق لها أي انتصار،بل هي تتكبد المزيد من الخسائر،مما دفع حليفها النظام السعودي في ظل أخذ الحوثيين للمبادرة ووصول صواريخهم الجوالة وطائراتهم المسيرة الى قلب العاصمة السعودية وعصب اقتصادها شركة أرامكو النفطية الى خوض مفاوضات سرية مع طهران،الهدف منها ممارسة ايران لضغوط على حلفائهم الحوثيين لوقف قصف صواريخهم على العاصمة السعودية والأهداف الحيوية والإقتصادية السعودية،مقابل ان تتوقف السعودية عن شن حربها الإعلامية على طهران والتحريض عليها ووقف دعم الجماعات المعارضة لها وبما يهدف لزعزعة أمن واستقرار ايران.

وكذلك لا ننسى بأن وجود قوى عسكرية واقتصادية كبرى كروسيا والصين،خلقت قطبية تعددية جديدة في العالم،فوجود تحالف آسيوي كبير روسي – صيني- ايراني من شأنه أن يوقف العربدة والهيمنة الأمريكية على العالم.

رغم كل حالة الإنهيار لهذا النظام الرسمي العربي،ولكن نحن على ثقة بان الجماهير العربية والإسلامية،لن تخن لا مبادئها ولا قيمها،وستبقى القدس حية في ذاكرتها ووجدانها وضميرها،فالقدس يفترض ان توحد الكل العربي والإسلامي،بغض النظر عن الخلافات والتباينات،ورغم كل الظروف المجافية،وما تتعرض له طهران وحلف المقاومة من حرب شاملة من قبل امريكا وحلفائها الصهاينة والعرب المنهارين وقوى الإستعمار الغربي متمثلة بالعقوبات الجائرة والحصار الإقتصادي والمالي،والتهديدات العسكرية،إلا اننا على ثقة بأن الصرخة المدوية التي أطلقها الإمام الراحل الكبير الخميني،سيتردد صداها بشكل كبير عند الجماهير العربية والإسلامية،وكذلك الدول العربية والإسلامية والأحزاب والقوى التي لم تفقد اتجاه البوصلة،والتي رغم انتشار جائحة "كورنا" ستخرج لأحياء يوم القدس العالمي بالمسيرات والمظاهرات الشعبية التي ستنطلق لنصرة القدس،كما ان هذه الجماهير بخروجها ستؤكد،بان القدس ستبقى البوصلة وجوهر وعنوان الصراع مع المحتل، وانه مهما أمعن المحتل في تهويدها وأسرلتها، ومحاولة تغيير مشهدها وطابعها العروبي الإسلامي، فهو لن ينجح في شطب الوجود العربي الفلسطيني فيها، وستبقى ماذنها وقباب كنائسها شامخة في قلب مدينة القدس.
الإمام الخميني أطلقها صرخة مدوية، حولوا صرخة هذا الإمام الى أفعال حقيقية، فالتاريخ لن يرحم احدا منكم في حال ضياع القدس، وبدل الأموال التي تصرفونها على تدمير بلدانكم، وقتل أبنائكم بها، يا ليت لو تصرفون الجزء اليسير منها لدعم صمود المقدسيين وبقائهم في قدسهم وعلى أرضهم.