هم ... ونحن

نشر بتاريخ: 16/05/2021 ( آخر تحديث: 17/05/2021 الساعة: 10:19 )

الكاتب: ياسر المصري



لم تكن هذه المرة الأولى التي تفشل بها المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية امام الفلسطينيين، فقد كانت المرة الأولى في توقع الأنتفاضة الأولى وما حملته تلك الإنتفاضة من نتائج غيرت ما بعدها وانتجت ما كانت دولة الإحتلال تهرب منه كإستحقاق وحق للفلسطينيين، وهذه المرة فشلت هذه المؤسسة في تقدير ردة فعل الفلسطينيين على ما يحدث في القدس، ولعل مرد هذا الوقوع في الفشل هو عدة سياقات حدثت ونتائج قد تجسدت :
أولا: الفشل الجسيم الذي بات يلوح في الأفق على صعيد مشروع القدس الكبرى والذي وضعت له المؤسسة الصهيونية الرسمية العديد من الخطط والمشاريع والتي نذكر أهمها كالتالي:
* مشروع توحيد المدينة ( 1967-1993) وحمل هذا المشروع على تفعيل مجموعة قوانين وكان اخطرها قانون حارس أملاك الغائبين، الذي ساهم في تسهيل السطو وسرقة الكثير من العقارات الفلسطينية الإسلامية والمسيحية في المدينة لصالح الإستيطان.
* مشروع القدس الكبرى (1993-2003) والذي قدم لحيز الإقرار والعمل به العام 1971 أي ما قبل إنجاز المشروع الاول القائم على توحيد شطري المدينة الشرقي والغربي، والذي من ضمنه خطة الميتروبوليتانية وتصل بها حدود مدينة القدس إلى داخل أراضي رام الله وبيت لحم عبر ضم 72كم2 من هذه الأراضي للقدس،وتوسعة المستوطنات المحيطة بالمدينة مثل(معاليه أدوميم، غفعات زئيف، بسغات زئيف، غوش عتصيون وموديعين عيليت)، و اعتمد على ما سمي بالضم الزاحف وإنشاء ما يسمى بالحوض المقدس (إخلاء أو هدم أكثر من 2000 منزل وزيادة عدد الكنس المحيطة بالحرم القدسي لأكثر من ثلاثين كنيس، لتكون مهمة هذه الكنس تسهيل إقتحامات الحرم القدسي بأعداد ضخمة ومنظمة، وهذا الحوض الذي يشمل سلوان والمقبرة اليهودية، وقد تخلل هذا المشروع نقل الوزارات والمؤسسات الحكومية الى القدس الشرقية، مع زيادة الحفريات تحت المسجد الأقصى، وليكون من نتائج هذا المشروع جعل نسبة الفلسطينيين في هذه المدينة أقل من 25% من عدد سكان المدينة.
* أتى بعد ذلك إطلاق مشروع حاضرة القدس الكبرى وهو يقضي على توسيع القدس حتى البحر الميت ومشارف أريحا شرقاً، وجنوبا حتى مداخل الخليل، وشمالا حتى "شيلو" الواقعة في منتصف الطريق نحو مدينة نابلس. ويهدف المشروع إلى تحويل حاضرة إسرائيل المركزية من منطقة "غوش دان" في تل أبيب والمركز إلى القدس، ويشتمل المشروع على خطة للعام 2050 والتي تتضمن إقامة فنادق ومنتجعات سياحية ضخمة، ومطار ضخم اكبر من مطار بن غريون القائم حاليا في تل ابيب، ومجمعات تكنولوجيا عليا "هاي تيك"، في مناطق حاضرة القدس الكبرى. وتوسيع المستعمرات بما يطوّق مدينتي رام الله وبيت لحم من جميع الجوانب، لكي تتحولان إلى جيبين صغيرين ضمن حاضرة قدسٍ كبرى. وسيعزل المشروع مدينة الخليل عن بيت لحم، وسيمزق وحدة الأراضي الفلسطينية بما يجعل من الاستحالة إقامة دولة فلسطينية متواصلة في حال استمراره. "تكريس القدس كقلب ومركز للشعب اليهودي ومجمعا روحيا لليهود في العالم"، و استثناء من هو غير يهودي من الحق في المدينة .
لعل دولة الإحتلال في كل هذا شعرت بأن مشاريعها المتعلقة بالقدس ستمر وستغير من المدينة بما ترغب وتشتهي دون ان يكون للفلسطينيين رد فعل يوازي كل هذه المشاريع ومطامعها، وامام صمت مطبق من قبل المجتمع الدولي والعربي والإسلامي، ما كان من الشعب الفلسطيني إلا ان وقف وقفة العز التي تليق بعروبته ونضاله مؤكداً لهذا المحتل بأن هذه المدينة ومسجدها الأقصى وقيامتها هي عنوان الصراع ولا فلسطين بدونها وهي ليست فقط خط من خطوط الثوابت مهما كان لونه، فقد كرس الفلسطيني وصاغ معنى هذه المدينة فلسطينيا ودينيا، وقرع الجرس بكربة دمه الزكية وإرادته الصلبة موحدا وإن كان وحيدا.
ثانيا: ما قدمه ترامب للإحتلال من اعتراف بالمدينة كعاصمة موحدة لدولة الإحتلال ونقل سفارة بلاده إليها، محاولا ومعه دولة الاحتلال خلق خرق في الموقف الدولي الذي يرفض الاعتراف بالقدس الموحدة كعاصمة لدولة الاحتلال، ومحاولة القفز عن قرارات الشرعية الدولية التي تقر بان هذه المدينة بشطرها الشرقي هي فلسطينية وهي من الأراضي التي احتلت عام ٦٧، هنا وتحت رد فعل هذا الفلسطيني سقط هذا الخيار وعادت القدس فارضة حضورهاعلى طاولة المجتمع الدولي كأرض ومدينة فلسطينية محتلة وتعاني الإحتلال والتهويد العنصري، وأن ما يتعرض له الفلسطيني فيها من تهجير وطرد وتضييق على الحياة لا يقدم لدولة الإحتلال أي ممكن في بناء أمر واقع يفرضه على الفلسطينيين أو أن يستطيع العالم تجاوزه.
ثالثا: اعتمدت دولة الإحتلال على المتأسرلون العرب الجدد، لتوقع معهم علنا اتفاقيات كمقدمة للإعتراف برواية دولة الإحتلال الدينية القائمة على خرافات وأساطير توراتية كاذبة، نقضها علماء تاريخ وآثار يهود وصهيونيين وبينوا وهنها وكذبها، لا بل هناك من علماء اللغات والآثار القديمة من قدم سردية جديدة تنسف كل الرواية التوراتية الزائفة وتعيدها لجغرافيتها الصحيحة وبحجمها الصغير القبلي في أرض اليمن كما أرخ الدكتور فاضل الربيعي في كتبه اسرائيل المتخيلة وفلسطين المتخيلة وهجرة ابراهيم وسارة.
واهمة دولة الإحتلال والمتأسرلون الجدد الذين يعملون وفق اجندتها بان هؤلاء سيستطيعون تسويقها كدولة طبيعية مقبولة لدى شعوب المنطقة وفق روايتها الدينية المحرفة ودون ان يكون الإستحقاق في الحق الفلسطيني مسددا ومكتملا، كل هذا المشروع واهدافه سقطت بفعل هذه الإحداث وعادت صحوة هذه الأمة ونظرتها لفلسطين كعنوان سلام وحرب في المنطقة وان دولة الإحتلال ستبقى غير مقبولة طالما أنها قائمة على أسس الإحتلال، فبعد هذه الأحداث من الضرورة ان تقوم النخب العربية بدورها الطليعي وما هو مطلوب منها لأهمية مكافحة الأسرلة والقائمين عليها في الأوساط العربية.
رابعا: ما بعد توقيع اتفاق أوسلو قام مشروعين لدى الفلسطينيين في فلسطين التاريخية، الأول تجسد بإقامة الدولة والإستقلال على الأراضي المحتلة العام 1967 والثاني النضال من اجل تحقيق الحقوق والمساواة في الداخل المحتل العام 1948، وكلا المشروعين أصطدما بالتمدد الديني العنصري المنكر للحقوق الفلسطينية على كل فلسطين التاريخية، ولعل هذا ما دفع الفلسطيني في الداخل لأن يتفاعل مع واقعه ومع ما يواجهه من تمييز عنصري، ولعل دولة الإحتلال عاشت في وهم عظيم حين فاز في انتخابات الكنيست الأخيرة حزب اسلامي فلسطيني يتوافق مع اليمين المتدين الإحتلالي، ليكون رد الجماهير الفلسطينية بالداخل ان هذه الإتجاهات لا تمثل الفلسطيني واقعا وسياسة وإتجاه مستقبلي يمثل الأحلام والآمال المنشودة.
خامسا: ما بعد ما أسمي بالربيع العربي وما حققه من نتائج لدولة الإحتلال من أهداف أستراتيجية متعلقة بجوانب منها، تحييد الدولة العربية في المنطقة كدولة يمكن لها ان تكون إقليمية وحاضرة في الخارطة الإقليمية كدولة نفوذ، واستبعاد القضية الفلسطينية كقضية مركزية في المنطقة، وتحطيم المجتمعات العربية وقلب سلم الأولويات لديها وتغيير في مسمى العداء بإستحداث وتضخيم عدو بأبعاد إثنية وطائفية كبديل عن العدو المركزي والأصيل(دولة الإحتلال)، وارتفاع تلك الأصوات وفق رغبة وأهداف العدو الأصيل، تأتي هذه الأحداث الثورية لتثبت ان العدو الأصيل مازال على دوره ويحافظ على حضوره المعادي والمغتصب لحقوق امة، وعادت قضية فلسطين قضية الامة المركزية في واجهة المنطقة برغم كل ما سيق من مشاريع وأهداف وسياسات لكي تكون غير ذلك.
سادسا: كل ما تم إنجازه من حرف وكي للوعي والعبث به في أكثر من جانب واتجاه عاد ليقدم لدولة الإحتلال واعوانها ورعاة مشاريعها الإستعمارية بمحصلة صفرية، فعادت صورة الإشتباك معززة بصمود الفلسطيني وحفاظه على موقعه وقيمته النضالية والكفاحية لصالح امة، أسقطت أكذوبة دولة التفوق والنفوذ، وسقطت كل نظريات ومعادلات الأمن الواهية التي بنتها دولة الإحتلال على مادر سبعة عقود، وإعيد تشكل مصطلحين مهمين في هذا الصراع، مصطلح "هم" والذي عملوا على تذويبه وجعله طبيعي دون وصف تعريفي لمعنى"هم" كإحتلال ومغتصبين ودولة تمييز عنصري وكراهية وتطرف ديني غير مسبوق، ومصطلح "نحن" ليمثل الفلسطيني بكل اماكن تواجده على أرض فلسطين التاريخية، وما يعنيه "نحن" من وحدة المصير والهدف والرؤية، فقد توحد الفلسطيني في الفعل ورأى نفسه كاملا في الأمل والألم.
سابعا: سقط مشروع دولة الإحتلال والذي كان قائما على أساس أن الصراع قد تحول ما بين مجموعة من الفلسطينيين والمستوطنين في الضفة الفلسطينية، فها هي ما يسمى بالمدن الإسرائيلية تدفع ثمن هذا الإستيطان ولن تكون بمعزل عن دفع ثمن واجب امام الإستيطان، وإن الإستيطان هو مظهر من مظاهر الإحتلال وليس هو وحده معنى الإحتلال.
لم يكن ليغيب قبل عام عن أذهان المتابعين ما كانت تتعرض له القضية الفلسطينية من مشاريع تهدف لتصفيتها ومحاصرتها وجعلها قضية أقل من ثانوية وأدنى من أي إهتمام إقليمي أو دولي او عربي، اليوم سقطت كل هذه المشاريع وعادت هذه القضية لوهجها والقها قضية امة بأبعاد عالمية بغض النظر عن أي نتائج لاحقة أو سالفة لهذه الأحداث.
وقد قال صاحب الفعل الفلسطيني قولته كلاما واحداً إما نحن وإما نحن ... صراع وجود لا حدود ... خيارنا واختيارنا وقرارنا فلسطين حرة عربية طال الزمن أم قصر فالنصر آت لا محالة ....