منعاً "لسورنة" المناطق

نشر بتاريخ: 04/07/2021 ( آخر تحديث: 04/07/2021 الساعة: 08:43 )

الكاتب: د. رمزي عودة




إجتاحت بعض المدن الفلسطينية في الضفة الغربية مثل رام الله والخليل وبيت لحم ونابلس إحتجاجات شعبية رفضاً لوفاة المعارض السياسي نزار بنات إثر قيام عناصر من المؤسسة الأمنية بإعتقاله. وطالبت هذه الاحتجاجات بمحاسبة قتلة نزار بنات متهمين ما حدث بأنه "إغتيال سياسي". وشارك في هذه الاحتجاجات فئات وشرائح مختلفة من الشعب الفلسطيني معظمهم من القوائم الانتخابية التي ترشحت في الانتخابات التشريعية التي تم تأجيلها بمرسوم رئاسي في أواخر إبريل الماضي بسبب عدم سماح سلطات الإحتلال لإجراء الانتخابات في مدنية القدس المحتلة، كما لوحظ وجود عدد من الناشطين الشباب المستقلين وذوي الميول الليبرالية. وفي بعض المناطق الفلسطينية، رصدت محاولات مخطط لها من قبل تيارات إسلامية للتحريض وتجييش الجماهيير ومحاولة إقتحام بعض المقرات السيادية مثل المقر الرئاسي وبعض المقرات الأمنية. وفي خضم الأزمة وبرغم أن المؤسسة الأمنية الفلسطينية إعتبرت جزءً من الأزمة التي إجتاحت المناطق، الا أنها نجحت في التفوق على ذاتها وإستطاعت أن تحتوي الأزمة بعقلانية وحكمة مشهودة.
بدايةً، تعاملت المؤسسة الأمنية بمهنية عالية عند وفاة المرحوم نزار بنات، صحيح أن العنف الذي مارسته قواتها أثناء عملية الاعتقال قد أدى الى وفاة بنات، وهو ما ذهب اليه تقرير اللجنة الخاصة المكلفة بالتحقيق في الوفاة، الا أن قوات الأمن قامت بعد أقل من ساعتين من الإعتقال بتسليم الجثمان الى المستشفى برغم أنها قد تيقنت مسبقاً من الوفاة، وهذا يشير الى عدم وجود نية مبيتة بالقتل، وفي أقل تقدير، فإن ذلك يشير أيضاً الى غياب الارادة بالتضليل وإخفاء الحقائق من قبل قوات الأمن.
من جانب آخر، أعلنت المؤسسة الأمنية منذ إشاعة خبر وفاة بنات صباح الخميس الموافق 24 يونيو الماضي، وعلى لسان الناطق الرسمي بإسمها اللواء طلال دويكات عن تشكيل لجنة خاصة للتحقيق في أسباب الوفاة، وأنها مستعدة لتحمل نتائج التحقيق. وبرغم الضغوط التي تعرضت لها هذه اللجنة منذ بداية التشكيل ورفض عائلة بنات قراراتها مسبقا، فان اللجنة الخاصة التي ترأسها وزير العدل محمد الشلالدة وإشتملت في عضويتها على ممثل من الاستخبارات العسكرية ، قد أدانت عناصر المؤسسة الأمنية من خلال تحويلها ملف القضية إلى الجهات القضائية لإتخاذ الإجراء القانوني اللازم، وهذا إقرار بأن الوفاة لم تكن طبيعية.
وفي خضم الإحتجاجات، وبرغم وجود بعض التجاوزات، فإن المؤسسة الأمنية الفلسطينية أدارت الازمة بكثير من المهنية والاحترافية، فقد إبتعدت قدر الإمكان عن إعتقال أي من المحتجين بمن فيهم محركي الإحتجاجات وذلك حتى لا تقوم بعملية التصعيد، وما نموذج تعامل قوات الامن مع الاحتجاجات في مدينة بيت لحم الا نموذج عن رشادة المؤسسة الامنية برغم الاعتداءات العنيفة على قواتها. من زاوية آخرى، عمدت المؤسسة الأمنية على إتاحة المجال للمحتجين بالتفريغ والاحتجاج لاسيما في الأيام الأولى من الاحتجاجات، وعندما إستشعرت قوات هذه المؤسسة وجود مخططات لإقتحام المقرات السيادية من أجل اسقاط النظام وتخريب الممتلكات العامة، فقد إستخدمت الحد الادني من القوة لمنع تنفيذ هذه المخططات.
لاشك أن المؤسسة الأمنية الفلسطينية هي مؤسسة وطنية بإمتياز، فهي العمود الفقري للدولة الفلسطينية وقادة هذه المؤسسة وكوادرها يعتبرون من المحترفين والمناضلين الذين ضحوا كثيراً لأجل القضية الفلسطينية. وهم بالمجمل يمثلون شريحةً كبيرةً من المجتمع الفلسطيني تقوم عقيدتها الأمنية على النضال ضد الاحتلال وتحقيق حلم الدولة الفلسطينية والحفاظ على أمن الفلسطينيين وحرمة دمائهم. وبالضرورة لا يمكن فهم الدور الوظيفي لهذه المؤسسة بعيداً عن هذه العقيدة، وما قدمته هذه المؤسسة من تضحيات واسعة لصالح المشروع الوطني منذ أوسلو وحتى اليوم، سواءً بعدد الشهداء والأسرى والمبعدين من أبناء المؤسسة الأمنية، الا دليل واضح على هذا الدور المقاوم لهذه المؤسسة.
وللأسف، تحاول العديد من الجهات الداخلية والخارجية إستغلال أزمة وفاة "نزار بنات" من أجل النيل من الدور الكفاحي للمؤسسة الامنية، وذلك من خلال نشر حملات مغرضة لتشويه سمعتها، وتصويرها كأنما هي سلطة قمع خارجة عن السياق الوطني. وفي إطار الرد على هذه الحملة، علينا جميعاً أن نجدد البيعة لهذه المؤسسة الوطنية. بإعتبارها السد الحصين لحماية المجتمع الفلسطيني من حالة الفوضى وعدم الاستقرار، والتي يسعى الإحتلال الاسرائيلي وأعوانه في المنطقة، الى فرضها في الشارع الفلسطيني بهدف الوصول الى ما يمكن تسميته ب"سورنة" الأراضي الفلسطينية المحتلة، بمعنى نشر الفوضى والتشرذم والارهاب، وذلك بهدف إسقاط النظام السياسي الفلسطيني بإعتبار السيد الرئيس محمود عباس هو رأس الممانعة ضد المشروع الامبريالي الصهيوني في المنطقة، هذا المشروع الذي يتضمن تطبيق صفقة القرن، والتطبيع، وإقامة دولة في غزة، وتهويد القدس، وعدم الاعتراف بحق اللاجئين في العودة.