الحياة كفلسطيني

نشر بتاريخ: 05/07/2021 ( آخر تحديث: 05/07/2021 الساعة: 10:27 )

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

الحياة هنا، أعني في فلسطين، حياة مرة إلى أقصى درجات المرارة، تفيض بالخوف والذعر، مجبولة بالإحساس الحارق بالذل والمهانة.

هنا، لا تركن الى اغلاق الباب عليك وعلى أولادك، ولا تستطيع أن تأمن الطريق التي تسافر عليها، ولا تطمئن الى قدرتك على السفر أو العلاج أو الدراسة، هنا كل شيء مكشوف ومباح ومنتهك.

البيت الذي تبنيه لا تستطيع أن تتأكد أنك ستسكن فيه، الشجرة التي تزرعها وتطلق عليها اسماً جميلاً لا يمكنك أن تكون واثقاً أنك ستأكل من ثمرها، وإذا اقبلت على حاجز احتلالي، فلا يمكنك ايضاً الاستنامة الى شعور بالأمن والآمان.

الحياة كفلسطيني يعني أنك مطارد ومتهم، خارج الصورة، غير مرغوب بك، وانت هدف للاستباحة والنفي، وانت مقيد في حركاتك وافعالك، ويضيق عليك الفضاء ويسحب من تحت رجليك ارضك وسماؤك، اما جسدك فهو ليس ملكك أيضاً، ففي اية لحظة قد تفقده لسبب ما، وقد يتم تبرير ذلك بالتقدير الخاطئ أو قد يحال الامر كله الى لجنة قد تنتهي بصياغة نصٍ لا يفهم منه شيئاً، ولكنه يؤكد ديموقراطية وطهارة قاتلك.

وانت كفلسطيني ينتزع منك رغبتك او حتى حقك في التلال او الوديان او الينابيع الصافية الرقراقة بين الجبال، وتحرم من التريض الغابات او السهول، وتقطع طريقك ويفرض عليك طرق اخرى لمنعك من التواصل والنمو والتكاثر، يختطف منك الامن والبيت والحياة لان محتلك أحق منك بذلك.. كيف.. لا تدري ولا يمكنك ان تدري أيضا.

الحياة هنا، تبدو وكأنها معبر لمرحلة أخرى، او بانتظار فترة او ظرف مريح لمصادرتها كلياً.. الحياة هنا مسألة عويصة ومعقدة، وهي امتياز يمنح لك الى حين.

انت كفلسطيني تحشر في تجمعات مزدحمة، قليلة الخدمات، وتتحول بفعل السياسات الممنهجة الى مجموعات بشرية مفككة تنتظر المساعدات والتمويل ليس الا، وبدلاً من ان تتحول الى مواطن صاحب حق، تصبح مجرد مستهلك في طابور طويل.

وانت كفلسطيني تمنع من التعريف وتمنع من التوحد وتمنع من القدرة على الرد أو الانجاز، فما هو مطلوب منك ان تبقى اما للتجميل او الشرعنة او حتى ان تكون مجرد درع بشري او للمقايضة او للتهديد كورقة رابحة تستخدم عند الحاجة.

لا يمكن للحياة ان تستمر هكذا، لا يمكن ان تستمر النظرة الينا باعتبارنا الشعب الزائد عن الحاجة، او الشعب غير المرئي، او الكتلة المزعجة امنياً او عرقياً.

لا يمكن تغريبنا عن مكاننا، او دفعنا الى الغربة ايضاً.

يخطئ المحتل كثيراً في ان يمارس بحقنا ما يمارس بسبب فجور القوة او جنون العظمة.

ان دفع ملايين الفلسطينيين الى هذه الزاوية المرعبة لن يؤدي الى نجاح المحتل على الاطلاق.

لماذا؟! لان كل ما يفعله المحتل جرّب في امكنة كثيرة بحق شعوب كثيرة ايضاً، ولم تكن النتيجة مرضية للمحتل على الاطلاق.