الدول الوهمية والحرب الناعمة

نشر بتاريخ: 28/07/2021 ( آخر تحديث: 28/07/2021 الساعة: 13:46 )

الكاتب:

خالد بارود

بالقدر الذي أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية شيئاً أساساً في حياة البشرية، وخادماً وميسراً لراحة الانسان، بنفس هذا القدر، وربما أكثر فإن تلك التكنولوجيا يمكن أن تكون أيضاً خطيرة ومدمرة للإنسان مادياً ومعنوياً.

أما مادياً فالمخاطر مهولة وكثيرة، وأهمها مدى الدمار والخراب والقتل الذي تسببه وسائل القتال الحديثة في الحروب، باستخدام التقنيات التكنولوجية المتقدمة، لكنني أود الحديث في مقالي هذا مركزاً على الخطورة المعنوية والفكرية والثقافية المتمثلة بوسائل التواصل الاجتماعي الذكية بأنواعها كافة، والتي تعد الظاهرة الاعلامية الأبرز، تلك الوسائل المتعارف عليها لدى المجتمعات بسهولة استخدامها وإتاحتها للجميع بسهولة دون استثناء.

هذا العالم الافتراضي الوهمي الذي أصبح عبارة عن ممالك ودول ليس لها حدود جغرافية، بل تتمتع بقدرة فائقة على الوصول لأي انسان، واختراق أي مكان وفي كل زمان، بقدرة صاروخية تفوق قوة تأثير دول عظمى بحدودها المكانية، وهنا تكمن الخطورة لتلك الدول الوهمية والممالك الافتراضية بأنها أعطت مساحة كبيرة للأعداء ولقوى الضلال وأصحاب الفكر المتطرف والمنحرف لنشر التلوث الفكري وترويج التزييف الثقافي وتعميم الروايات المنقوصة والاخبار المزورة ونشر الشائعات المكذوبة التي تهدف إلى الاغتيال المعنوي لشخصيات عامة ونشر الفوضى الاعلامية لاخفاء الحقيقة وتعزيز التشتيت الذهني حتى باتت تلك الممالك الوهمية والدول الافتراضية توجه سلوك الرأي العام، وتلعب دوراً سلبياً في تدمير الوعي الجمعي، وحط الروح المعنوية للشعوب، وأصبحت هذه الممالك الوهمية تفرض سيطرتها على الرأي العام، وتنافس تلك الدول الواقعية.

ليصبح من السهل السيطرة على الشعوب المستهدفة وإضعافها معنوياً وتشتيتها فكرياً، وضرب نسيجها الوطني والتشكيك في قياداتها وخلق قيادات زائفة ومستحدثة والحط من قياداتها التاريخية وشخصياتها الوطنية لزعزعة الثقة بين المواطن والمواطن الآخر، وبين المواطن وقيادته وعزلها عنهم، حتى بات كثير من الناس ينكرون كل انجاز ولا يتذكرون إلا الأخطاء الصغيرة والاخفاقات الهامشية، ويصنعون منها كوارث مدمرة باستغلال تلك الدول الوهمية ويحولون المسار عن اتجاهه الوطني إلى اتجاهات حزبية ضيقة، وبوعي متواضع للدين والتاريخ وجهل للواقع، والاعتماد على التشخيص الخاطئ للأحداث السياسية والاجتماعية، والاكتفاء بالصحافة الصفراء والمواقع الموجهة والممالك الوهمية والعالم الافتراضي، والنظر إلى الصورة الواقعية بعين واحدة، دون النظر للصورة بشكلها الكلي وبمنظور وطني.

ولذلك فإن السلاح الأهم للتصدي لتلك الحروب الوهمية التي تديرها دول واقعية والتحدي الأكبر لمواجهة تلك الحرب هو إعادة تصحيح الوعي وبنائه على أسس وطنية حقيقية وليست حزبية ضيقة موجهة من الدول والممالك الوهمية.

هذا يتطلب الاهتمام بالمنظومة العامة بشمولية وتحديثها، وتصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة، وبناء الوعي المجتمعي الحقيقي الذي يعبر عن المجتمع الفلسطيني وتضحياته. ويفرض على النظام الرسمي بكافة مؤسساته أن يكون له الدور الأكبر في استعادة الوعي المجتمعي. وكذلك المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة والمؤسسات الأهلية والإجتماعية.

الوعي الذي يجعل الفلسطيني مؤمناً بالتقدم والتطور، وحريصاً على توظيف الوسائل التكنولوجية المتقدمة والتقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعية لخدمة الوطن والمواطن، وليس لهدم البناء وكي الوعي.

الوعي الذي يجعل الفلسطيني قادراً على الصمود أمام الاحتلال المادي والاحتلال المعنوي المتمثل بالحروب الناعمة التي باتت تستهدف العقل الفلسطيني والفكر الوطني وتهدف إلى قتل الروح المعنوية والعاطفة الوطنية.

الوعي الذي يجعل الفلسطيني يعتز بتاريخه ويفتخر بنضاله الوطني ويعزز صموده ويتمسك بثوابته الوطنية ويعزز الروح الوحدوية في أجيالنا الحالية والقادمة.

الوعي الذي يبرز خصوصية فلسطين ومكانتها، دينياً وتاريخيا، ويعزز الولاء والانتماء الديني والوطني لها.

الوعي القائم على مبدأ الحرية الدينية والإيمان بأن ربنا واحد وديننا واحد ووطننا واحد وأهدافنا واحدة وعدونا واحد، وخلافنا ليس خلافاً دينياً كما يروجه البعض، وأنه ليس من حق أحد أن يصنف الناس دينياً بناء على اختلافه الحزبي.

الوعي الذي يَعتبر الاختلاف ظاهرة صحية، وأن الآخر (المسلم) ليس كافراً أو خائناً إذا اختلف معي سياسياً، وأن الإسلام ليس حكراً على جماعة دون أخرى.

الوعي بقوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وليس أكثركم مالاً أو جاهاً أو من حزب كذا، والوعي بقوله تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام" وليس الدين عند الله حزب كذا أو تنظيم كذا.

الوعي الذي يحقق مبدأ النقد البناء في إطاره الأخلاقي والأدبي، وأن الدعوة للإصلاح لا تكون إلا بالحسنى عملاً بقوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"، وامتثالا لسلوك الأنبياء في دعوة الكفار للهداية. والقرآن يشهد بطلب الله تعالى من موسى وهارون مخاطبة رأس الكفر فرعون بقوله: " فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى"

الوعي الذي يجعل الفلسطيني قادراً على التفريق بين الغث من السمين، ومستيقظاً لكل المتباكين على شعبنا كذباً والمدعين للإصلاح زيفاً، والحذر من الذين يفرّقون ولا يجمعون تحت شعارات في شكلها وطنية وفي حقيقتها خيانية هدفها التشكيك في وطنية الشعب الفلسطيني، وإذكاء الخلافات بين أبناء الوطن الواحد، والوعي بأن الوطن الفلسطيني هو المحور الاساسي، ويعي بأن الحزب هو الوسيلة لخدمة الوطن وليس العكس، وأن الإنسان هو الأهم وليس الحزب.