ممارسة العمل الطبي من منظور شرعي

نشر بتاريخ: 30/07/2021 ( آخر تحديث: 30/07/2021 الساعة: 15:31 )

الدكتور سهيل الاحمد

إن مهنة الطب وممارسة العمل الطبي من أهم العلوم التي يكتسبها الإنسان، حيث اجتهد الناس على اختلافاتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية في تحصيله وإتقانه لإدراكهم أهميته الظاهرة، وأثره الكبير في حماية الصحة الإنسانية، ووقايتها من الأمراض، والإسهام في مكافحة الأوبئة، وبالتالي تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية الضرورية منها والحاجية وكذلك التحسينية، وخاصة إذا تمثل لك بمقصد حفظ النفس.

وقد ضبطت الشريعة الإسلامية من خلال قواعدها إجراءات مهنة التطبيب، وحددت الوسائل الشرعية للممارسة الطبية؛ كي تكون معالجة الأمراض أو الوقاية منها بالضوابط؛ لأن الله تعالى تعبدنا بالوسائل والأسباب كما تعبدنا بالمقاصد والغايات؛ ولذلك يقول ابن القيم: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلهما مقصود" (ابن القيم، إعلام الموقعين، 3/108).

ويتعلق بطبيعة العمل الطبي جانب مهني يتطلب دقة الفهم لمهنة الطب ولقواعدها وأصولها، التي يجب على الطبيب أن يحققها في علمه وتعلمه وتطبيبه للناس، وجانب آخر أخلاقي يرتبط بالأخلاق والآداب العامة التي يجب مراعاتها في تعامل الطواقم الطبية مع المرضى والمراجعين من مظاهر اللين والبشاشة وحسن الخلق والتعامل الحضاري الذي تتبناه هذه المهنة العظيمة.

والأصل في مشروعية مداواة المرضى وعلاجهم حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت كنا نغزو مع رسول الله نسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة (البخاري، الصحيح ، بيت الأفكار الدولية، الرياض، (د، ط)، 1998م، كتاب الطب باب هل يداوي الرجل المرأة أو المرأة الرجل ، حديث رقم 5679). وحديث أم عطية نسيبة الأنصارية رضي الله عنها" غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم. فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى" (مسلم، الصحيح ، دار طيبة ، الرياض ، ط1، 2006م ، حديث برقم 3484).

ومن ذلك أيضا قول الرسول صلى الله عليه وسلم "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" (مسلم، الصحيح ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب فضل الاجتماع على تلاوة القران ، حديث رقم 2699)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (مسلم، الصحيح ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب فضل الاجتماع على تلاوة القران ، حديث رقم 2699).

إن التطبيب تعلماً من فروض الكفاية، والأصل في مزاولته الإباحة، وقد يصير مندوباً إذا اقترن بنية نفع المسلمين والناس وذلك لدخوله في مثل قوله تعالى: "من قتل نفسًا ِغَيْرِنَفْسٍأَوْفَسَادٍ في الأرض فكأنما قتل النَّاسَجَمِيعًاوَمَنْأَحْيَاهَافَكَأَنَّمَاأَحْيَاالناس جميعًا"( المائدة: 32)، وحديث: « من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» (مسلم ، الصحيح ، كتاب السلام ، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ، حديث رقم 2199) إلا إذا تعين شخص لعدم وجود غيره أو تعاقد فتكون مزاولته واجبة.

ومن المقرر في العمل الطبي أن الطبيب يلتزم ببذل العناية الفائقة في علاج المريض وليس برءه وتحقيق الشفاء له وفق الحالة الإنسانية الطبيعية، ولذلك فهو يفعل واجبه بالمقدار الذي يجب وفي الوقت الذي يجب، ثم ينتظر حصول غاية ذلك ليس إلا وفق منظور التشريع الإسلامي.

ومن هنا فقد حث التشريع الإسلامي على عناية الإنسان بصحة بدنه، وأن يعمد إلى الحرص على التداوي وحفظ الصحة ودفع المرض، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله داء إلا انزل له شفاء" (البخاري ، الصحيح ، كتاب الطب باب، ما انزل ما انزل الله داء ألا انزل له شفاء حديث رقم 5678).

وفي هذا الحديث"تقوية لنفس المريض والطبيب وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه؛ فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء وبرد من حرارة اليأس وانفتح له باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية وكان ذلك سبباً لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوي التي هي حاملة لها فقهرت المرض ودفعته، وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه" (ابن القيم، الطب النبوي، دار الأرقم بن أبي الأرقم، د.ط، بيروت، ص14).