قراءة في كتاب جديد" مجموعة القصصية" للكاتب الدكتور/ سعيد عياد " المهمشون"

نشر بتاريخ: 04/08/2021 ( آخر تحديث: 04/08/2021 الساعة: 10:38 )

الكاتب: عدنان نعيم

في ربيع 2021 صدر كتاب "مجموعه قصصية للدكتور سعيد عياد رئيس دائرة اللغة العربية والاعلام في جامعه بيت لحم والكتاب مكون من 110 صفحة، من القطع الصغير، ويحتوي على 21 قصة قصيرة.

سلط الكاتب في قصصه القصيرة الضوء على قضايا المهمشين وانتهاك حقوق المواطنه سواء من جراء الأوضاع السياسية والحقوقية او الاجتماعية او استبداد وسوء استغلال السلطة.

وبلغة رمزية فائقة المستوى اللغوي والتعبيري الجمالي الرصين، صاغ الكاتب قصصه وتسلسلت القصص بأسلوب شيق ابداعي فيه من الرمزية والايحاء، وبنفس الوقت سلاسة الفهم للمعاني والمدلولات ، وغير متقصد ان يضع حلول او يرسم مسارات القارئ لعلاج هذه القضايا بل فتح بصر وبصيرة وذهن القارئ ووضعه امام حقائق واقع المهمشون وأسباب التهميش تاركا له خياراته ليحدد ما العمل وما المطلوب فعله.

كذلك فان الكاتب ينتقد يسلط الضوء ويحاول تحويط قضايا التهميش وبالتعبير اللغوي الجميل عن جوهر هذا التهميش الذي يطال فئات مختلفة من الناس، ويشير في احد قصصه الى كلمة القومية ، ما يعني ان الكتاب يؤشر بواقعية ملموسة وبسرديات موجزة ومكثفة مترابطة الأفكار الجزئية لتشكل صورة متماسكة بكلمات حصيفة رصينة عذبة تقول ان هذا القمع والإرهاب الفكري والسياسي والداعشي يطال غالبية الأقطار العربيه ربما الإسلامية.

ففي قصة "الفريضة المؤجلة "؛ في حوار مفعم بالتحدي بين سلطة الأمير وبين الانسان صاحب الكرامه يقول " ساجعلك اماما اذا طاوعتني وسأجعلك ابليسا ان جحدتني ) فيرد علية الرجل المحبوس مع زوجته : أتقايضني الشرف بالإمامة!!! .

اما في قصة "سياط المنفعه "، يواجه الكاتب مقولات الحلال والحرام بالمفهوم النسبي وكيف يبرر كل واحد الحلال والحرام بطريقته، وكل مقولات الحق والباطل وانتهاك الحق المذنب ؛ فيقول في قصة "سياط المتعه" لأمرة دخلت الحدود بدون تأشيرة مرور، وكانت المرآه فاتنه ؛ فيميز بينها بان تقيم بالفندق في حين يبقي على جموع الناس الاخرين في ظروف احتجاز لا تليق بالبهائم : وبعد ان ترفض الانصياع له : يقررون اتهامها بالفاحشة.

فيقول : سيدي اجلدها بالطريقة الحلال لنتقي شر دعواتها،

كيف يكون الجلد الحلال؟؟

لننعتها بالفاحشة (تلفيق تهمه )

فضحك كبير الجلادين وقال : ومن اين الشهود

رد الحراس العشرة: نحن كلنا شهود ...

في هذه السردية الواضحة ينتقد الكاتب منظومه القمع المغلف بقوانين وسياقات تجعل من المواطن متهما في كل الأحوال ، والاتهامات جاهزة في حال تعارضت مصالحها مع مصالح الحاكم.

اما في رواية " الباشا والجميلة "، فان صاحب السلطان يملك قرار منح الناس تأشيرة علاج لكنه يرفض ويعطي لمن يشاء ويبتز من يشاء، في عصر تعتبر حقوق المواطنه (من علاج وتعليم ومأكل وملبس وتعليم ) من بديهيات الحياة . ويقول الكاتب بعبارات عذبة : " ومن على لسانه سقط بعض الكلام المر دافقا مثل الطوفان يدبدب في راسها " وحيث يرفض الباشا منح نبيلة تأشيرة مقابل ابتزازها فيقول " يعلو صوت المشيعيين الغاضبين ، فكانت في وسطهم جنازات تتوالى ، ولما اقترب المشيعون سمع احدهم يقول : مات هؤلاء لان ملفاتهم كانت محجوزة عند الباشا ،... ركضت نبيلة لتنضم للموكب ولما رأها الباشا اخفى عيناه خلف نظارته السوداء وقال هامسا " لنمشي في موكب الجنازة كي تكسب اجر ثواب المشي بالجنازات "

وفي قصته " المشعوذة " يذكر الكاتب بتكرار واستمرار المأساة التي عكف كنفاني على علاجها في رواية القبعة والنبي ، حيث مواجهة الاساطير والخرافات، التي تثقل كاهلنا وكأنها مقدسات من سوار من حديد يصعب الانفكاك منها. فيقول على لسان المطلوب والمطارد بالجبال من العمدة عبد القادر : يا ام محمود (المشعوذة) ما دمتي تغلبتِ على الضبع بهذه السهولة فلماذ ا لم تنتفي شعره كله وارحتنا منه .؟؟فردت ؟؟

كيف هذا يا عبد القادر ؟؟ فلو نتفت شعر الضبع كله فماذا سيبقى لي في العام القادم كي ابصر به طالع العمدة .

اما قصة "قاع المدينة "، ففيها من البلاغة والرمزية والدلات ما يستفز القارئ للتفكير ومحاولة سبر غور الدلالات والمعاني المستترة. فيقول:

لماذا خرجت من قاع المدينة .

يرد البائع :اريد ان أعيش .

في البئر لا يمكنك ان تعيش

يرد اطفالي يحلمون والبئر شحيحة ومزدحمة بأمثالي .

انك تلوث الشارع .

يرد: سأنظفها .

لا تنظف الا برحيلك؟؟؟؟

وفيها من رواية ام سعد سياقات متشابهة وكان الزمن لم يتغير وحتى الزمان والمكان العربي كذلك.

اما قصة "درك الرؤوس" : يحاور فيها الكاتب "الرجل الذي يحلم ، والنظام الذي يمنع حتى الحلم ، في سرد روائي سلس واضح وبليغ، ( لنحرره من السجن ونتعقبه من جديد فاحدهم قابع براسه وهو يحلم ، ويذهب للبيت يحاول ان لا ينام كي لا يحلم لكم دون جدوى ...يغلب عليه النعاس ...)

في هذه القصة يتم تدجين الناس بالتأطير الاكراهي حتى يصل الامر لعدم الحلم وتجميد الطموح، فيقول الكتاب بالقصة ؛ " طلعوا له من مُنحى الطريق وهو بطريقه للعمل ...فقال والله لم احلم والله لم احلم ...فضحكوا وقالوا ... لقد تأكدنا انك لم تحلم ولم تخبئ عنا شيء ولكن خذوه واشبحوه وبما انك اعترفت فانت مقبوض عليك ...لم يعد للبيت رغم مرور عام كامل."

وفي اخر قصة من المجموعه القصصية .. المسلخ :

يسلط الضوء الكاتب على منظومة العمل المرتبطة بمنظومة الفساد الكلية لاحكام السيطرة على لقمة العيش والعقل، فيقول : سمعت السكرتيرة تقول : ( التي تؤثر به وتحاول إغراق الوزير الجديد بالفساد ):كلهم بالبداية هكذا ومع الوقت يصبح همهم الهبرة ...فيسمع الوزير الهمس ويسال ما الهبرة ؟؟ يرد المرافق ..لا تقلق كل شيئ سيكون على ما يرام ... ويهمس لنفسة شاكرا بان الله بعت لهم وزيرا غشيما...

وحين يطلب الوزير ان ينقل مكتبة من الطابق الأعلى للارضي

... يقول المرافق : شو بفكر حالة بالسويد وبدوا يقيم الدين بمالطا ....

ويقدم المرافق لوزير معاملة ترخيص مسلخ تخص رجل يدعى ابو مرمش صاحب النفوذ في البلد .حين يرفض الوزير قائلا البلد مليانه مسالخ ... يقول المرافق المعاملة لرجل مهم وازا لم توقع تنهار البلد ... انه مسلخ لتعليب الحمير وليس مسلخ للبشر اطمئن ؟؟؟ ولما يصر الوزير على عدم التوقيع يقول المرافق : ياا سيدي الجائع لا يميز بين لحم الغزال ولحم الحمير ... ليتك تعلم سيدي ان هذه الملفات لناس فوق فوق ... يرفض الوزير التوقيع ويغادر المكتب ..في المساء يقرأ المذيع الخبر ويسمعه الوزير من بيته " في تحقيق مكثف وسريع تبين ان الوزير اتهم بالغش والفساد وتزوير بيع ارض الحكومة وترخيص مسالخ لتعليب بيع الحمير.

يخرج الناس الى الشوارع هاتفين ، تعيش محاربة الفساد ولا للفاسدين الويل الويل للفاسدين ؟؟؟؟

ويكون بذلك قد قدم الكاتب مجموعه قصصية محكمة الحبكة والسرد وحصيفة اللغة سلسة التواتر بالغة المعاني والدلات تعكس واقعا لا زال قائما عي عالمنا العربي .

وفي واية الباشا و والجميلة يذكرك برواية كنفاني قبل ثلاثون عاما رواية من قتل ليلي الحايك وكان المهمش مازال مهمشا .