الزمن الدائري والصراع الفلسطيني الاسرائيلي

نشر بتاريخ: 08/09/2021 ( آخر تحديث: 08/09/2021 الساعة: 13:30 )

الكاتب: عوني المشني



الزمن بكل المفاهيم النسبية والمطلقة ، الفيزيائي والتاريخي ، وبانواعه المختلفة من ماضي الى حاضر الى مستقبل ، هو الوحدة التي يقاس فيها الوقت بين حدثين ، وهو غير قابل للاسترجاع لا اذا اعتبرنا ان السفر عبر الزمن قد اصبح في اطار الممكن . لكن الزمن في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي له مفهوم مختلف ، فهو زمن دائري ، نهاية كل مرحلة في الصراع تشكل بداية لمرحلة جديدة ، ويعيد الزمن دورته كل مرة ليبدأ من ذات البداية التي بدأ فيها الصراع ، انه تكرار للاحداث ذاتها ، للمراحل ذاتها ، للحروب ، للتضحيات ، الخيبات ، لمشاعر الانتصار الوهمية ، لمحاولات حل الصراع ، للمبادرات السياسية والرحلات المكوكية ، وللمؤتمرات والمؤامرات .
كانت النكبة عام ١٩٤٨ نهاية مرحلة توحي لاول وهلة بنهاية الصراع ، فجاءت حرب ١٩٦٧ لتشكل تراجيديا جديدة تكاد تنطق بما حدث ١٩٤٨ ، وهكذا في كل الاشياء ، ثورة تجهض لتشكل مقدمة لثورة اخرى ، تتحلل قوى سياسية لتولد قوى جديدة ، تفشل مبادرة سياسية للحل لتحل مكانها مبادرة اخرى ، يستشهد قائد فلسطيني ليحل مكانه قائدا اخر ، يغيب جيل عن واجهة الاحداث ليحل جيلا اخر . لا نهاية لاي شيئ ، لا جديد في اي شيئ ، احداث تكرر ذاتها بطريقة او باخرى .
كثيرة هي اللحظات التي اعتقد فيها الاسرائيلي ان هذه هي نهاية المقاومة الفلسطينية ، وصل الفلسطينيين الى الحائط وسيرفعون الرايات البيضاء ، ولكن فحأة او بدون مقدمات يعود الفلسطيني للصراع بتألق ووهج جديد ، بارادة جديدة ، بادوات جديدة ، من اين يستل هذه الارادة وهذا الابداع ، لا احد يعرف !!!! كيف يحول هزيمته الى طاقة فعل متجدد ، لا احد يعرف !!!ما الذي يخبئه في جعبته لقادم الايام ، لا احد يعرف !!!
الفلسطيني هزم الف مرة ، ومن كل هزيمة يتفتق عقله الجمعي عن اشكال نضالية اخرى مختلفة لم تكن ابدا واردة في حسابات الامن والسياسة ، يضيق الخناق على الفلسطيني حتى يكاد يشعر انه هذه هي القاضية ، ولكن من مكان ما وفي لحظة غير محسوبة يتفتق العقل الفلسطيني عن ابداع مختلف ونوعي ويعيد خلط الاوراق من جديد .
زمن دائري لا نهاية له ، لم يستطع الاسرائيلي المسلح حتى الاسنان ان يكسر حلقاته الدائرية هذه ليصل الى النهاية التي تتوجه منتصرا ، اكثر من مرة اعتقد انه وصل للحظة حسم الصراع ولكن ما لبث ان صعد الفلسطيني المثخن بالجراح ليبدأ كفاحه من جديد .
الحلقة الاخيرة والتي نعيشها ونعايشها يبدوا انها مختلفة نوعا ما ، حلقة تستخدم فيها اسرائيل ادوات مختلفة نوعيا ، ليست الاسلحة وحدها ، بل المال السياسي والسلاح وتصنيع القادة وترسيمهم ، تستخدم تناقضات الاقليم وخيباته وتراجعاته ، تستخدم التراجع العربي ، تستخدم اشباه القادة واشباه الحركات السياسية ، باختصار صنعت اسرائيل توليفة مبتكرة من ادوات الصراع عسى ان تصل لنتائج مختلفة تجعل من هذه الحلقة مختلفة عن سابقاتها ، حتى اللحظة لا يبدوا ان الامر مختلفا بنتائجه ، الشعب الفلسطيني وان عاش حالة من الاحباط احيانا لكنه يبتدع وسائل مختلفة تجعله قادرا على الابقاء على جذوة كفاحه متوهجة ، ليست غزة هي الاهم ، ربما التحولات على الدور الكفاحي لجماهير الشعب الفلسطيني في الداخل امر له دلالات نوعية ، وهذا ليس هو الوحيد ، دور الجاليات الفلسطينية خارج فلسطين والتجمعات الشعبية العالمية في امريكيا واوروبا وتطور الخطاب بالنضال ضد اسرائيل كنظام عنصري ايضا تطور نوعي ، اخفاق اسرائيل في ترسيم قيادات فلسطينية كقيادات ذات ثقل شعبي اهم عناصر الفشل ايضا .
الدورة الحالية من زمن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي في نهايتها ، لم يهزم الاسرائيليين ولكنهم لم ينتصروا ، لم ينتصر الفلسطينيين ولكنهم لم يهزموا ، ونهاية هذه الحلقة من الصراع تؤسس لبداية حلقة جديدة . النفق الذي امتد من ظلمات السجن الى نور الحرية والذي حفر بالاظافر والارادة وطول النفس لم يحقق الحرية لستة مناضلين فلسطينيين فحسب بل اعطى دفعا متزايدا للنضال الوطني الفلسطيني في هذا الزمن الدائري ، ربما يؤسس لحلقة صراع جديدة فيها من العنف ما يشبه سابقاتها من المراحل ، ربما يستشهد بعض هؤلاء المناضلين ولكن الاكيد ان وهم ترتيب الصراع وفق الاجندة الاسرائيلية لم ينجح ولن ينجح ، دائما لدى الفلسطينيين من الحقائق ما يفسد اوهام الاسرائليين ويبعثرها ، دائما لديهم من الجديد ، من النوعي ، من الاستثنائي ما يبدد وهم الانتصار الاسرائيلي .
يستمر الزمن الدائري بكل عذاباته وابداعه وتكراره للحدث ، وسيستمر طويلا ولكنه بالتاكيد ليس للابد ، هناك طريقتين لكسر هذا الزمن ، اما ان يقتنع الاحتلال ان حلا عادلا نسبيا ، واقعي نسبيا ، منصف نسبيا ، وعاجل نسبيا هو المخرج لهذا الصراع وهو القادر على كسر هذه الحلقة المفرغة ، او ان يواصل الفلسطينيين ابداعهم الكفاحي في هذا الزمن الدائري انتظارا لخطأ استراتيجي اسرائيلي او متغيرا دوليا دراماتيكيا يطيح بميزان القوى ، الخطأ هذا ممكن ، لانه في العلم والتجربة ايضا لا يمكن ضمان مطلق لعدم حدوث الاخطاء ، والتغير الدراماتيكي ايضا ممكن لانه مكر التاريخ - حسب ما يقول هيغل - اكثر فعالية من مكر العقل البشري ، الاستثناء النادر الحدوث لكنه هو جزء من القاعدة ذاتها بل انه قد يحول القاعدة ذاتها الى استثناء .
مئة عام ويزيد من الصراع الدائري هي الزمن الذي انقضى ، ربما لا نحتاج الى مئة عام اخرى ، وحتى لو كنا بحاجة لذلك فلدى الفلسطينيين من القوة الكامنة ما يكفي لذلك ، وكما قيل فالزمن هو السلاح الاقوى في الصراع . هو السلاح الذي يمتلكه الجميع ولكن ليس الجميع من يحسن استخدامه .