ايقاظ مليشيا اليمين المتطرف وخطاب الانعزال في لبنان.. لعبة الدم والنار من خارج الاسوار

نشر بتاريخ: 15/10/2021 ( آخر تحديث: 15/10/2021 الساعة: 18:18 )

الكاتب:

كمال خلف

لم تكن مجزرة بيروت امس حيث قتل ستة اشخاص من المعتصمين السلميين وجرح العشرات على يد قناصة ومسلحين ، تشير كل الدلائل انه ينتمون الى حزب القوات اللبنانية بزعامة “سمير جعجع” . لم تكن مجرد حادثة مدبرة غدرا. او جريمة لا يقدم عليها الا جبناء وعملاء . ليس لديهم شرف القتال ضد قوى عسكرية مسلحة . انما اختاروا مواجهة مدنيين عزل اغلبهم من المحامين والنقابات لديهم اعتراض على طريقة تعاطي قاضي التحقيق العدلي مع قضية انفجار مرفأ بيروت ، ساروا في طريق مدينتهم معتقدين ان القانون يكفل لهم حرية التعبير عن موقفهم بشكل سلمي ، ولم يخطر في بالهم ان من رفع الصلبان المشطوبة على مداخل الاشرفية ليلا ، كان يخطط صباحا لاستباحة دمهم .

مايجري مسار متصاعد لعودة اليمين المسيحي المتطرف الى عقلية زمن الحرب الاهلية ، واستعادة مفرداتها متمثلة بحزب القوات اللبنانية الطرف الأكثر اجراما خلال مراحل تلك الحرب، وصاحب السجل الأسود في الاستقواء بإسرائيل ، واستباحة دماء المدنيين العزل ، وتبقى مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان عام ١٩٨٢ وهي من ابشع المجازر في التاريخ الإنساني، شاهدة على منهاج هذا الحزب في القتل والاجرام ، بينما لم يسجل نصرا عسكريا واحدا في تاريخه امام قوة عسكرية مقابلة .

اليوم كما الماضي استعمل القواتيون ذات المنهاج في الانقضاض على المدنيين العزل قرب قصر العدل في بيروت وتسجيل بطولات القراصنة وقطاع الطرق واللصوص في السطو غدرا على ضحايا لا حول لهم ولا قوة . كما قاموا قبل اشهر بالهجوم على اللاجئين السوريين العزل وهم في طريقهم الى سفارة بلادهم للمشاركة في الانتخابات وبعدها على متظاهرين سلميين لبنانيين خرجوا لمطالب معيشية بتهمة انهم من أحزاب أخرى عبروا في منطقتهم ، او قرب احد مقراتهم فقاموا بضربهم وجرح عدد منهم وتصوير الوقائع مع ما تحمل من عبارات عنصرية ، تنبذها الإنسانية في كل مكان في هذا العالم .

ان اكثر المتضررين من هذه العقلية الانعزالية الدموية هم المسيحيون في لبنان ، فقد اجبرهم” سمير جعجع” على خوض معارك مع “الاخرين” او “الغريب” تحت شعار حماية الوجود المسيحي ، بينما في الواقع اسفر هذا النهج الى عزل المسيحي اللبناني عن محيطه الطبيعي ، وتهجير قسم كبير منهم من مناطقهم ، وهجرة عدد اكبر الى خارج لبنان . عدا عن ان صاحب هذا الشعار “حماية المسيحيين” تاريخه حافل في الخوض في دماء المسيحيين اغتيالا وقتلا ، وفصول الحرب الاهلية اللبنانية معروفة ومدونة . والان يجر سمير جعجع ما تبقى من مسيحيي لبنان الى كارثة جديدة ، وتهجير اخر ومعارك لصالح اطراف تغدق عليه المال وحده . بينما يعيش المسيحي ضنك العيش والفقر والحاجة كما بقية المواطنين اللبنانيين تحت وطأة الازمة المعيشية والتدهور الاقتصادي والمخاطر الأمنية . ولا بد من التأكيد والتشديد بان المسيحي في لبنان وفي الشرق عامة ، هو صاحب الأرض بل هو اصل الأرض . ولا يمكن قبول مقولة حماية الوجود المسيحي كشعار وغطاء لمصالح ضيقة لفريق جعجع. لان حماية الوجود المسيحي في الشرق مسؤولية جميع الشعوب والأنظمة في هذه المنطقة . وقد ثبت المسيحون جذورهم وقيادتهم في الشرق وفي لبنان من خلال فكرهم و نخبهم ورفعة ثقافتهم ، وتسامح ديانتهم .

ايقاظ اليمين المتطرف بعقلية المليشيا وخطاب الانعزال والكراهية ، لم يأتي صدفة او نتيجة تطورات داخلية ، ثمة اطراف عربية وإقليمية تغذي هذا النهج وتعيده بقوة الى الساحة في لبنان ، وتغدق عليه بالمال والعطايا والحماية والرعاية . ولديه وظيفة واحدة هي استفزاز حزب الله في الميدان الأمني والعسكري وفي الحقل السياسي وفي الفضاء الإعلامي . لقد تم تفعيل ماكينة إعلامية متعددة الاتجاهات ، تم انشاء محطات تلفزيونية وتمويل أخرى ، بعضها لم يخف التمهيد لعودة خطاب اليمين مستعيدا ومكررا مفردات قديمة من زمن الحرب الاهلية ليضعها في قالب معاصر . وتم تكرار مقولة” إعادة كوي البدلة العسكرية ” في إشارة الى عودة القوات الى زمن المليشيات . او “عودة لبس الكاكي” في إشارة الى لون البدلة العسكرية . مع دعاية تحريضية لا تخلو من العنصرية والكراهية ، اعتمادا على بعض النخب الإعلامية او نجوم المجتمع اللبناني لتحقيق اكبر قدر من التاثير في الراي العام والوصول الى الهدف وهو تحريض الراي العام على المقاومة وتقريب المجتمع اللبناني نحو فكرة التطبيع مع إسرائيل.

تم تجيير أي حادث صغير او كبير ضد حزب الله ، اتهامه بانفجار المرفأ ، اتهامه بالتسبب بالازمة المعيشية ، اتهامه بالاغتيالات ، اتهامه بالتهريب عبر الحدود ، اتهامه بعزلة لبنان عربيا ، اتهامه بحماية الفساد ، اتهامه بالسيطرة على الدولة ، اتهامه بجر لبنان الى حرب ، اتهامه بمنع المطربة اليسا لبس ” الديكولتيه” حسب قولها .

وحتى في الكمين المدبر امس وقتل مدنيين من قبل قناصة القوات اللبنانية . تحركت الماكينة وحولت الحادث الى اشتباكات ومعركة مسلحة بين طرفين . وان حزب الله المسؤول عن الحادث لانه دعا لتظاهرة سلمية رمزية امام قصر العدل .

سمير جعجع يرفع سعره عند أعداء المقاومة خارج لبنان من خلال القيام بوظيفته على اكمل وجه باستفزاز حزب الله ، وجره الى مربع الفتنة والاقتتال الداخلي وهذا لا يصب الا في مصلحة إسرائيل . لكن بكل اسف هذا يتم على حساب السلم الأهلي والامن الداخلي للشعب اللبناني . القاعدة التي يستند عليها جعجع في مشروعه هشة للغاية ومكاسبه الذاتية والحزبية في لعبة الدم ، لن تكون سوى لعبة النار التي تحرق الجميع ، لصالح من هم خارج اسوار لبنان . حما الله لبنان وشعبها فما يدبر اخطر من مما حصل امس في بيروت.

كاتب واعلامي فلسطيني