تحطيم الأسود كشف أصنام العقول

نشر بتاريخ: 24/10/2021 ( آخر تحديث: 24/10/2021 الساعة: 09:42 )

الكاتب: رامي مهداوي

شاهدنا المواطن الذي قام بتحطيم أجزاء من تماثيل "الأسود" في ميدان المنارة وسط رام الله، ليعلن في وقت لاحق، أنه "قام بفعلته تحت تأثير اضطراب نفسيّ". وأظهر مقطع فيديو تم تناقله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مواطناً يحمل مطرقة ويحطم بها أجزاء من التماثيل، وسط تنديد من المارة، قبل إعتراضه وإعتقاله من قِبل عناصر الشرطة، كما سُمِع في خلفية المقطع صوت لشخص يقول إنه "لا يعبد الأصنام"، في إشارة إلى التماثيل، وصوت لشخص آخر يحرض على التحطيم، قائلا "اضرب الكبير أي التمثال (الأسد الأكبر حجما)".

لكن الحادثة أثارت تفاعلاً واسعاً في موقع التواصل الاجتماعيّ "فيسبوك" أخطر من الفعل ذاته حسب وجهة نظري، وأيضاً أظهرت حالة القلق والخوف المجتمعي الذي نعيشه هذه الأيام، والسؤال الأهم الذي يجب علينا طرحه بتجرد بأنه كان هناك قضايا حساسة أكثر كان يجب طرحها وتداولها خصوصاً من "النخبة" و/أو "المثقفين" الذين شاركوا في إطلاق صواريخهم "الفيسبوكية" ولم يتحدثوا ولا بحرف واحد_على سبيل المثال_ عن ما حدث قبل أيام من هذه الحادثة من إعتداءات على عدد من المحلات التجارية في بيت لحم!! وغيرها من القضية المحيطة بنا!!

هذا المشهد أعادني الى ما قرأته قبل سنواتللفيلسوف "فرانسيس بيكون" في كتابه"الأورجانون الجديد" فأطلق على مجموعة متنوعة من الأخطاء في المعالجة العقليةالمعوقات الأربعة التي تُباعد بين الإنسان وبين الحقيقة تتمثل في أصنام العقل وهي: أصنام القبيلة، وأصنام الكهف، وأصنام السوق، وأصنام المسرح؛ اسمحوا لي أن أسقط مشهد ما بعد تحطيم الأسود أي ردود الأفعال على الفعل على هذه الأصنام:

أصنام القبيلة: لقد افترضت أصنام القبيلة الافتراض الخاطئ بأن إحساسنا الطبيعي والأساسي بالأشياء هو الصحيح. لقد أطلق على انطباعاتنا الطبيعية "مرآة زائفة" شوهت الطبيعة الحقيقية للأشياء، وهذا ما موقع به جزء كبير من "النخبة المثقفة" التي إستيقظت من سباتها على المشهد وبدأت تطلق السهام على الداعشية! والإسلامية!!

أصنام الكهف: هي مشاكل الأفراد، وشغفهم وحماسهم وإيديولوجياتهم، وكل ذلك أدى إلى سوء فهم الطبيعة الحقيقية للأشياء. هي أصنام الإنسان الفردي. لكل شخص كهف، يكسر ضوء الطبيعة ويشوهه، إما بسبب طبيعته الخاصة والغريبة؛ أو لتعليمه، وهذا ما إستقرأته في عدد من الكتابات التي حاكمت من حطم الأسود دون النظر لذاتهم المستترة المنغلقة على أنفسهم!

صنم السوق: وهو الآراء والأفكار الخاطئة الناتجة عن تواصل البشر ببعضهم البعض وتداولهم الأحاديث دون علم. وينتج عن هذا تشويه المصطلحات والتعريفات وتعميم الأمور، بسبب تداول البسطاء والعامة لآراء علمية دون فهم ولا دراية ولا دراسة، مما جعلة من قصة الأسود مادة يتداولها الناس عبر وسائل التواصل الإجتماعي بلغة مشتركة بعيدة عن المنطق، فتفقد الألفاظُ دلالتها الحقيقية وتستقر في الأذهان مجموعةٌ من المغلطات المشوهة ما جعل الشاب الذي قام بفعل التحطيم إرهابي ..إسلامي.. للتحول المنارة الى مكة ويتم وصمنا في رام الله بأننا أتباع عمرو بن لحي_ الذي أدخل الأصنام لتعبد دون الله الى الجزيرة العربية_!!

صنم المسرح: وهو تزييف المصطلحات على يد الإعلام_ما نسميه اليوم بالإعلام الأصفر_ و"النخبة". وفي هذه الحادثة تسارع العديد لنقل المشهد دون البحث عن الحقيقة ما جعل الجميع يتداول الأفكار المغلوطة التي التي شكّلها "المؤثرين" ذوو النفوذ والتأثير بالإعلام المجتمعي، ما كون الآراء التي تناقلناها عن أفواهم الإلكترونية دون تفكير!!

لهذا أدعي بأن فعل تحطيم الأسود كشف الأصنام المجتمعية الغير مرئية في داخل مكونات مجتمعنا وبالأخص الفرد، أستطيع القول أن أفكار فرنسيس بيكون تنطبق على مجتمعنا الفلسطيني بكل ما بداخله من فوضى، ضياع، تيه، وخوف لدرجة أصبح الفرد جبان على شكل ببغاء. في النهاية أريد أن أختتم بمقولة بيكون "لا تقرأ لتعارض وتُفنّد، ولا لتؤمن وتُسلّم، ولا لتجد ما تتحدث عنه، بل اقرأ لتزن وتفكر وتحلل".