مسرحية "برلمان النساء": الفن والفكر والحكم

نشر بتاريخ: 29/11/2021 ( آخر تحديث: 29/11/2021 الساعة: 12:34 )

الكاتب: تحسين يقين

أدخلنا المخرج الفرنسي جان كلود فورا في مضمون مسرحية أريستوفان، فور ظهور ظل النساء وهن يرتدين ملابس أزواجهن من وراء الشفافيات، التي استخدمت لعرض أحاديث النساء الفلسطينيات عن المساواة، في عمق المسرح، حيث وجدنا أنفسنا في "برلمان النساء"، حيث تتهيأ نساء اليونان، للذهاب الى البرلمان، متخفيات بأزياء رجالهن، لاستعادة سلطة النساء، التي سادت قبل الانقلاب الذكوري.

لعبة جميلة، في تبادل الأدوار، مثيرة الكوميديا، حين يضطر الرجال، أعضاء البرلمان، الى ارتداء ملابس النساء، اللواتي، يلتقين ليلا، حيث يتدربن على كيفية الانقضاض على البرلمان، مثيرات نقدا حادا لانقياد الذكور لمصالهم، وتنكرهم لمصالح الشعب، واهتماماهم بميزات عضوية البرلمان والحكم. وقد تفاءلنا بلعبة مسرحية كوميدية فعلا، تمتلك القدرة على إيصال مضمون النص الإنساني. كان مشهدا مؤثرا وجذابا، تلاه عودتهن وقد أحكمن السلطة على البلاد، باتجاه المساواة والقضاء على الملكيات الخاصة، أي الشيوعية.

كان مشهد لقاء الأعضاء بعد تحولات الحكم كوميديا، فلم يتمكن الأزواج من الخروج من منازلهم بعد أن استولت زوجاتهم علي ملابسهم، فصاروا موضع تهكم من بعضهم على بعضهم، حتى أنهم راحوا يحاولون معرفة ما يكون هناك، ثم تصارح القائدة الجديدة زوجها، حاسمة أمر الانقلاب، من أجل الخلاص العام. وتروح لتبشر بذلك في ساحة البلد، حيث يبدأ الكثيرون في التخلي عن ملكياتهم. ثم تدعو الجميع لطعام مشترك.

لكن ذلك، للأسف لم يستمر بهذا الجمال الفني، حين تم قطع المسرحية، للانتقال لما يعرف بمسرح المنبر، ليجري طاقم المسرحية حوارا مع الجمهور حول مشركة المرأة في الحياة السياسية وصنع القرار. وبالطبع لسنا ضد أي مذهب فني في الإخراج، لكن كان حريا بالمخرج معرفة الجمهور الذي يقدم له؛ فجمهور مسرح القصبة جمهور مثقف واع، لذلك يصبح شكل تقديم هذه التوعية، عاملا منفرا، لأن دور الفن هنا أعمق بكثير من التنظير.

فلو كما نزعم، ذهبت المسرحية لمداها الدرامي لكان أفضل، حيث أن المنظور السيكولوجي للتلقي هنا، سيكون نابعا من الذات نفسها، التي ستتأثر وتعمل على التغيير، أما الآن، فقد تم السطو على الدراما، حيث أدى التكلف في التوعية والنقاش، إلى تخفيف الأثر الإنساني القادم من عالم الدراما. أما وقد صار يشبه الإملاء، فسيكون له أثر سلبي على الجمهور، الذي يقبل على مشاهدة عرض مسرحي، ليفكر هو به ويشعر، بشكل حرّ.

أمران كان ينبغي الانتباه لهما في نظري: الأول يتعلق بفهم دور الفن والمسرح منه، والثاني يتعلق بهو-وهي، في المجتمع الفلسطيني، حيث أن التناقض الفعلي ليس بينهما تماما، بل أن التناقض هو بين (هو-هي) وما صار إليه الحال من سوق مفتوح في ظل حكم كولينيالي. لذلك لم يكن من الضرورة المبالغة في إظهار الخلاف الأنثوي-الذكوري. وعليه، فقد كانت الشفافيات وما انطبع عليها من أحاديث نسوية أشبه بمواد تقريرية أثقلت المسرحية.

لعل المسرحية بهذه الشكل تثير الحديث لا عن المضمون الفكري فقط، بل عن اختيار الأساليب الفية للتعبير عنها، ذلك أن الفن والأدب لهما طرائق مغايرة في التعامل مع الفكر والشعور، الذي ينبع من القلب للقلب، بشكل إيحائي بعيد عن المباشرة والوعظ والإرشاد. إن العمل المسرحي هو نفسه الذي يثير الأسئلة، ويوحي بالإجابات أيضا على الجمهور، دون أن يكون مطلقا أو ملقنا.

جدلية جمالية وفكرية، في مسرحية أريستوفان، من الروائع الإنسانية الخالدة، تقودنا بإيحاء لتأمل أنفسنا، خصوصاً هو/هي؛ فمع التجربة، تصبح هذه الثنائية هي الأكثر تأثيراً علينا كبشر، ومجتمعات بل وعالم أيضاً، من حيث ضرورة التوازن بين الطاقات الإنسانية الذكورية والأنثوية، للتحفيف من كل أنواع الصراعات، بدءاً بالذات وصولاً للعلاقات الدولية؛ فتأمُّل تاريخ الحرب والسلام، يقود بالمجمل الى طغيان مشاعر على أخرى، بل وطغيان لمشاعر فرد أو أفراد في السيطرة، لا على مجتمعهم فقط، بل فيما هو خارجه.

فإنها اليوم، ومن تطور الوعي، راحت إلى بذر بذور الأمل، بدءاً منهما: أصل الوجود. لقد انتقلت نقلة نوعية من تصوير الشعور في الحيّز العام والاجتماعي والنفسي، إلى الحيز الخاص بين الرجل والمرأة، محتفلة به، كأنها تبشّر أو تعود للأصول التي كانت عليها المرأة قبل الانقلاب الذكوري، باختلاف الرؤيا، بحيث تعلي من شأنهما معا، فلا يسطوان على بعضهما، بل يتكاملان فعلا، ليس فقط معا، بل في ذات كل منهما بما في كل نفس منهما طاقات الذكورة والأنوثة.

من هنا، تتعمّق قيمة المساواة والعدالة، من منطلق طبيعي وإنساني، حين تعبر عن هموم المرأة، مقدرة وجود الرجل، يدا بيد، فلا تخفي الحاجة لهذا الوجود.

لعلنا نتجه الى السياق الفكري وربما التاريخي لنص أريستوفان، 446–386 قبل الميلاد، والكاتب المسرحي الكوميدي، والذي يعتبر من رواد المسرح الساخر في اليونان القديمة، والذي لم يستثن أحدا من سخريته؛ فقد سخر من كل أنواع البشر، مضمنها النكات والمبالغات والنقد السياسي اللاذع. ولربما وفرت شخصيته حاضنة مهمة للتخيّل، مدفوعا بالبحث عن خلاص ما؛ حيث ظهرت البذور الوجودية في أعماله قديما.

عاصر أريستوفان نزاع أثينا مع شقيقتها اسبرطة، حاضرتي اليونان القديمتين، ولم يكن من السهل عليه تقبل النزاع الدموي، فكان ينتقد قتل اليوناني لأخيه. وقد تعرض لمضايقة السلطة الجديدة بسبب مواقفه.

منطق براكساجورا في السيطرة على الحكم، مبرر بأن الحكام الذكور نهبوا البلاد، وأغرقوا أثينا في ويلات الحروب. ويتم ذلك لهن، بسبب أنهن الأغلبية.

والمسرحية التي من تمثيل عامر خليل وايمان عون وشادن سليم وآخرين، كان من الممكن لو أخذت مداها المسرحي، لآتت تأثيرا أكثر عمقا. ولربما لكان تأثيرها كوميديا أكثر في مسألة كبار السن والحب.

استخدام ملابس معاصرة، قرّب المسرحية الإغريقية ووطنها في الزمان والمكان الآن، أما الإضاءة، فلربما كان استخدام اضاءة اليد في البداية انسجاما مع السرية.

وأخيرا، فثمة تجربة مسرحية، جمعت اريستوفان من زمن الإغريق، مع مخرج فرنسي معاصر (غرب قديم وجديد) مع طاقم تمثيلي من فلسطين (شرق)، كان يمكن أن تكون إبداعية أكثر لو تم الاستغراق فيها دراميا.

وتظل "برلمان النساء" واحدة من أهم الروائع الخالدة، التي ستظل تلهم البشرية للعدالة والسلام وهي في طريقها نحو المستقبل.

[email protected]