ملاحظات ليست عابرة في ظل اغتيال شيرين أبو عاقلة

نشر بتاريخ: 19/05/2022 ( آخر تحديث: 19/05/2022 الساعة: 00:12 )

الكاتب:

جمال زحالقة

الموكب الجنائزي
شاءت الظروف أن تكون جنازة شيرين أبو عاقلة تعبيراً صادقاً عن مشاعر الشعب الفلسطيني الجيّاشة من جهة، وعن حالة التشظي المفروضة عليه، التي يعيشها. لقد جرى اغتيال شيرين في جنين، حيث خط المواجهة الساخن هذه الأيام، فرافقها أهل جنين وصوتهم يقول إنها ابنتنا التي استشهدت، فهي كانت أكثر من نقل معاناتهم إلى العالم، بمهنية عالية وبموضوعية غير محايدة ومشحونة بما ينسجم مع المآسي التي غطّتها، وهي وأهل جنين يعرفون جيّدا أن نقل الحقيقة بلا رتوش هي أفضل دعاية للقضية الفلسطينية.
وانتقل النعش إلى نابلس لتشريح الجثة وكشف البيّنات التي تدين الجيش الإسرائيلي، وهنا أيضا كانت جماهير نابلس معها تعبّر عن مزيج فلسطيني من الحزن والأسى والغضب والفخر بشيرين، وما قدّمته لشعبها ولقضيّته، ولعل أكثر ما هزّ مشاعر الناس هو البيان “المهني” المنضبط للطبيب الجراح، الذي وصف باقتضاب ما حلّ بجمجمة الراحلة الفلسطينية، جرّاء “المقذوف” الناري الذي اخترقها. وأصعب الكلام هو ما قلّ وهزّ الأحاسيس وحزّ في النفوس.
وجرت بعدها المراسيم الرسمية في المقاطعة في رام الله، حيث ودّعها آلاف المحتشدين بهتافاتهم وبكائهم، وبالتعبير عن غضب سيكون له ما بعده. وكان المشهد يموج بالمشاعر بين ضبط رسمي رتيب، وغليان شعبي كئيب، في لحظة نادرة أحس الناس فيها أن من يمثّلهم ويرمز إلى حالهم والأقرب إليهم هو الموجودة في التابوت وليس الواقفين على المنصّة. وحين وصل جثمان شيرين الى بلدها ومسقط رأسها في القدس، عملت قوّات الاحتلال المستحيل لتخريب الجنازة ومحاصرتها، معظم الشعب الفلسطيني ممنوع من الوصول إلى القدس، سواء من الشتات أو الضفة أو غزّة، وحاولت قوّات الاحتلال منع من استطاع الاقتراب من الموكب الجنائزي فنُصبت حواجز منعت الناس من الاقتراب من المستشفى أولا، ومن الكنيسة ثانيا ومن المقبرة ثالثا. لقد كنتُ في القدس وشاهدت آلاف الشباب ينتقلون من مكان إلى آخر في محاولة لاختراق الطوق المفروض على الجنازة، فما أن يسمع الشباب أن هناك طريقا للوصول حتى يهرعوا إليه من باب الخليل إلى باب الجديد إلى باب العمود إلى محاولات التسلل من سلوان ومن باب الأسباط. وفي الوقت الذي جرت فيه الصلاة على المرحومة في الكنيسة، كانت الآلاف لا تجد طريقا إليها. لقد سارت الجنازة في مسار تشظي الوطن، وسار معها بقلبه من لم يستطع برجليه. وفي كل محطّة من المحطّات كان التوتّر مع الاحتلال حاضرا، لكنّه تحوّل في القدس إلى صدام بين شباب مفعم بالمشاعر، يريدها جنازة وطنية تجوب شوارع القدس، كما يليق بالمقدسية التي يعرف كل من عرفها كم كانت عاشقة للقدس، ومحتل غاصب أراد منع هذا المشهد بكل ثمن، فكان الاعتداء على الجنازة وعلى المشيّعين وعلى المستشفى الفرنسي في القدس. لقد أرادوا منع تحويل الجنازة إلى مشهد وطني في القدس، فحوّلوها هم باعتدائهم الوحشي والغبي إلى مشهد وطني وإنساني هزّ ضمائر العالم بأسره. ولو حاول أحد، مسبقا، أن يمنح جنازة شيرين المعنى السياسي والوطني والإنساني والحضاري، الذي تستحقّه، لما استطاع أن ينجز بالتنظيم ما فعله التحدّي. لقد فضحت شيرين الاحتلال في حياتها وفي مماتها، وفي ما تركته خلفها من إرث لن ينمّحي، خاصة أنّها أصبحت قدوة ومثالا يحتذى للكثير من فتيات وشباب فلسطين.

السقوط الحر للإعلام الإسرائيلي

سطّر الكاتب اليساري الإسرائيلي قوبي نيب موقفا غاضبا على الاعتداء على الجنازة، مشيرا إلى أنه ما من دولة في العالم من الممكن أن تقوم بمثل هذا الهجوم الهمجي على موكب جنائزي، وواصفا إسرائيل ونظامها بأنّهما يمثّلان حالة نادرة من الانغلاق والغطرسة والوحشية والغباء، ومضيفا: “دعونا نأمل في أن العالم فهم أخيرا من نحن؟ دولة كولونيالية مقرفة. وهذا استخلاص لا يقدّر بثمن”. ولكن هذا الصوت لا يمثل سوى هامش الهامش في الحياة السياسية والثقافية والإعلامية في دولة الاحتلال. في المقابل كتب يسرائيل هرئيل، من أهم أبواق اليمين الإسرائيلي، مقالا في صحيفة “هآرتس” بعنوان “شيرين أبو عاقلة ماتت كشهيدة وليس كصحافية” جاء فيه أن سلاح الشهداء التقليدي هو “البندقية والعبوّة وحزام المتفجّرات والسكين، لكن سلاح الشهيدة أبو عاقلة أكثر فتكا، فهو مكوّن من صور ورموز وإيحاءات تخلق وعيا ووجهة نظر، حين تتغلغل يتجمّع الكثيرون ويحملون السلاح.. بعد عشرين عاما في ساحات القتال ماتت موت الأبطال محرّكة سلاح الدعاية الملهب الفتّاك، الذي صاغ وعي الإرهاب الفلسطيني”. وبعد أن عبّر هرئيل عن يأسه من إمكانية إقناع العالم بالرواية الإسرائيلية، دعا مباشرة إلى تشويه سمعة شيرين أبو عاقلة من خلال جمع وتوليف مقاطع من عملها المهني. وبعد أن وصف عملها بأنّه محاربة إسرائيل أردف، مبرّرا اغتيالها، بأنها سقطت خلال تأدية هذا العمل في جنين. من الواضح أن هرئيل، ومهما حاول، لن يجد ضالّته في ميراث شيرين أبو عاقلة الإعلامي، ولكن من المرجّح أن تقوم ماكينة التزييف الإسرائيلية بقص وتركيب مقاطع تقارير، للمسّ بمصداقية شيرين المهنية، وهذا يقتضي الحذر والرد الفوري. وكان السقوط الحر من نصيب التيار المركزي في الإعلام الإسرائيلي، الذي يتشدّق ليل نهار بالموضوعية والمهنية والحرص على نزاهة المهنة. فلم يعبّر أحد من الصحافيين المركزيين في إسرائيل عن تماهيه مع شيرين أبو عاقلة كصحافية “مثلهم”، ولم يقم أحد منهم بانتقاد الاعتداء الوحشي على الجنازة، وكرّروا كالببغاوات الرواية المتقلّبة للجيش والشرطة، ولم يتحفّظوا على ضرب حاملي تابوت شيرين أبو عاقلة، سوى من باب أن هذا يضر بسمعة إسرائيل، وحاولوا إسداء النصح حول كيفية مواجهة الضغوط الدولية وتحسين صورة إسرائيل، التي شوّهتها مشاهد فظيعة. قد يكون البعض توقّع من صحافيين “كبار” في إسرائيل أن يحترموا مهنة الصحافة وأن يعبّروا بالحد الأدنى عن تضامنهم مع صحافية لقيت حتفها وهي تؤدّي مهنتها بأمانة، ولم تؤذ ولم تعتد على أحد. لكنّهم لم يفعلوا وانبروا يتصرّفون كعادتهم كصحافيي بلاط مجنّدين بالكامل في خدمة النظام وفي ممارسة طقوس عبادة أصنام الأمن الإسرائيلية.

لا تخفي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية انزعاجها من دور الإعلام الموضوعي، وهي “تفضّل” أن تبقيه بعيداً عن مركز الأحداث

لعل أهم البرامج الإعلامية في إسرائيل هو “استوديو الجمعة”، الذي يحظى بأعلى نسبة مشاهدة ويشارك فيه أسبوعيا عشرة صحافيين مركزيين من الصف الأوّل. وكان النقاش فيه الجمعة الفائت هو تأثير اغتيال شيرين أبو عاقلة على علاقات إسرائيل الدولية وحول كيفية تبرير الاعتداء الوحشي للشرطة على المشيّعين. وكان من اللافت أن جميع المتحدثين والمتحدثات، لم يذكروا شيرين أبو عاقلة باسمها، بل تحدثوا عنها بوصفها “الصحافية”، والوحيد الذي ذكرها بالاسم كان المشارك العربي في البرنامج. وأن يتحدّث عشرة صحافيين ويذكروا كلمة “الصحافية” عشرات المرّات، من دون أن ينبسوا باسمها، فهذا ليس صدفة وهو تعبير عن خوف دفين من حالة التفوّق المهني والأخلاقي عليهم، الذي تمثّله شيرين وكذلك عن انحطاط مهني وأخلاقي وعن بلادة إنسانية، وهو في الحقيقة دليل ومؤشّر على رفض النخب الإسرائيلية، بما فيه الإعلامية منها، التعامل مع الفلسطينيين كبشر، ناهيك من حقوقهم كبشر.
من قتل شيرين أبو عاقلة؟
لو أخذنا مركّبات الجريمة الثلاثة، الضحية والموقع والمجرم، وأضفنا إليها الدافع وغياب سلطة (محلية أو دولية) تمانع أو تمنع ارتكاب جريمة، لوجدنا وفقا لتحليل أوّلي لما قاله شهود العيان، وما وصل إليه الطب الشرعي الفلسطيني، وما جاء في مسلسل التصريحات الإسرائيلية، بأن الجنود الإسرائيليين هم من أطلقوا النار وقتلوا شيرين. والأهم من هذا أن قوّات الجيش الإسرائيلي دخلت مخيّم جنين بهدف ارتكاب جريمة في إطار استراتيجية الأمن الإسرائيلية المبنية على سحق أي مقاومة للمشروع الكولونيالي الصهيوني. والاستراتيجية هنا هي العقلانية الأنانية الإجرامية، وهي تختلف جذريا عن تنظيرات آين راند بشأن العقلانية الأنانية الإنسانية، فما يميّزها هو تسويغ مسبق وجاهز لأي قتل أو تدمير أو تنكيل لأيّ كان بأنّه فعل عقلاني وحتى أخلاقي لازم للدفاع عن “النفس” وعن المصالح الإسرائيلية “المقدسة”، حتى لو كانت هذه المصالح توسّعية وقمعية وتسلّطية. وهنا تبدو العقلانية الإسرائيلية أكثر وحشية من كل الغيبيات والخزعبلات العقائدية، التي إن كانت موجودة بكثرة وتحكم الأساطير المكوّنة للمشروع الصهيوني، إلّا أنها لا تؤثّر في استراتيجيات الدفاع الأمني والعسكري والسياسي لهذا المشروع. وفي إطار هذه الاستراتيجية يهدف أي إطلاق نار إلى تحقيق غرض معيّن يخدم الهدف العام، وقتل المدنيين الفلسطينيين لا يتناقض مع الغايات، بل يخدمها من حيث هو يثير الرعب ويبني الردع.
لقد استشهدت شيرين أبو عاقلة خلال اقتحام مخيم جنين، والجيش الإسرائيلي ينوي تكرار الاقتحام، وهو يخطّط لاجتياح شامل للمخيّم ويجري تدريبات بهذا الخصوص. ومن المؤكّد أن هذه التدريبات تشمل كيفية التعامل مع الصحافة. ولا تخفي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية انزعاجها من دور الإعلام الموضوعي، وهي “تفضّل” أن تبقيه بعيداً عن مركز الأحداث. ويبدو أن هناك من ترجم هذا الكلام إلى لغة الرصاص.

*رئيس حزب التجمع الوطني في أراضي 48