قيامة القدس والانبعاث الفلسطيني

نشر بتاريخ: 19/05/2022 ( آخر تحديث: 19/05/2022 الساعة: 11:58 )

الكاتب: مصطفى بشارات

الملحمة التي سطرها المقدسيون يومي الجمعة والاثنين 13 و 16 أيار 2022 لا تنفصل عن الحالة العامة للنهوض الوطني التي يعيشها الفلسطينيون على امتداد فلسطين التاريخية. وإذا كان الصمود اللافت لأهالي الشيخ جراح، وما تبعه ورافقه من دخول غزة على الخط فيما عرفت بـ "معركة سيف القدس" في أيار 2022، مثل صاعق التفجير لهذه الملحمة، فإن لمستوى الحراك والصمود غير المسبوقين لأبناء القدس محركات خاصة ترتبط بخصوصية وتعقيد الأوضاع التي يرزحون تحت وطأتها.

يقال "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، وعلى نفس المنوال، تبعا لطبيعة التحدي تقاس القدرة على الصمود وما يمثله أو يعكسه.

معاناة وصمود

على مدار 74 عاما من النكبة الفلسطينية – يفضل هنا الراحل الكبير عبد الوهاب المسيري القول "74 عاما من المقاومة الفلسطينية" – ومثلها، على مدار 55 عاما من احتلال القدس، شهدت المدينة المقدسة عملية فظيعة وبشعة من التطهير العرقي تم الاصطلاح عليها باسم "حملة التهويد والأسرلة" وطالت كل شيء في القدس بما شمل "الحجر والشجر والبشر". وبعد أن شهد العالم، عبر شاشات التلفزة على الهواء مباشرة، كيف اعتدى جنود الاحتلال على جثماني الشهيدين شيرين أبو عاقلة ووليد الشريف، يمكن لكل من سئم تكرار استخدام عبارة "الحجر والشجر والبشر" في الخطاب الفلسطيني، أو عدها من محسنات اللغة أو من العبارات الشعبوية، أن يدرك جيدا كم هو عميق ودقيق هذا التعبير في وصف فظاعة حرب التطهير العرقي التي تشنها "إسرائيل" في القدس ضمن مسعى دؤوب ومحموم، منذ إقامتها وعبر كل حكوماتها المتعاقبة، من أجل كسب معركتها في بسط السيطرة على المدينة وجعلها خالصة لها، وهو الانجاز الذي جاء مؤخرا المستوطن بنيت ليدعيه، لكن الملحمة البطولية التي سطرها المقدسيون، تحديدا يومي الجمعة والاثنين المشار إليهما، فندت هذا الادعاء وقوضت أركانه وجعلتها أثرا بعد عين.

خضع المقدسيون على مدى عقود، ولا يزالون، لحرب إسرائيلية شعواء استهدفت بالأساس تقليص وجودهم في مدينة القدس وصولا لتصفية هذا الوجود نهائيا، واستخدت سلطات الاحتلال في ذلك كما هائلا من الوسائل بما فيها ضرائب السكن الباهظة ورسوم البناء الخيالية وهدم البيوت ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وطال هذا الاستهداف الذي كان بمثابة تهويد للمدينة كما ذكرنا، أسرلة المناهج الدراسية وتغيير معالم القدس العربية والاسلامية والفلسطينية، وتغيير أسماء الشوارع من عربية إلى يهودية، وترافق ذلك مع اعتداءات ممنهجة ومنظمة لقوات الاحتلال وقطعان المستوطنين والجماعات اليهودية المتطرفة على المقدسات الاسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، كما ترافق مع حرب شنتها على الاقتصاد المقدسي وتجار القدس، ونشرت المخدرات في أوساط الشباب وأطلقت العنان لـ "الزعران" ودعمتهم، إلى غير ذلك من وسائل الترهيب النفسي والجسدي والتطهير العرقي والتهجير القسري للسكان، إضافة إلى محاربة الحركة الثقافية وعناوينها ومحاربة الأعلام الوطنية والدينية والتضييق عليهم، ومحاربة ومضايقة واعتقال وابعاد المرابطين والمرابطات في المسجد الأقصى المبارك أو اخضاعهم للاقامة الجبرية.

في هذا السياق كله يمكن اعتبار الهبة الشعبية العارمة التي تجسدت في كل أشكال التحدي الذي سطره المقدسيون، وهم يصرون على مواراة جثماني الشهيدين شيرين أبو عاقلة ووليد الشريف بما يليق بالشهداء، بمثابة قيامة وانبعاث جديدين للوطنية الفلسطينية والكفاح الفلسطيني اللذين كرسا فلسطينية وعروبة القدس التي ثبت أنها عصية على الاستهداف.

توصيف الوضع الراهن

والحالة هذه، يصبح من المنطقي طرح السؤال التالي: وماذا بعد؟

إحدى المشاكل التي طالما واجهها الناس في عموم الأراضي الفلسطينية المحتلة حالة الاحباط التي يدخلون فيها نتيجة الانتكاسة التي تقع بعد كل نهوض بفعل الاخفاق الرسمي الفلسطيني في توظيف ما يجري وتوجيهه الوجهة الصحيحة لتعديل كفة الصراع وميزان القوى لصالح تقريب لحظة الانعتاق من الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني.

لغاية الآن، مثلا، لم يعقد الاجتماع الفلسطيني الطارىء الذي تم الاعلان أنه سيعقد منذ الأيام الأولى للهبة التي قامت احتجاجا على الاعتداءات الاسرائيلية على المسجد الأقصى واقتحامات قوات الاحتلال والمستوطنين للحرم القدسي!

ولغاية الآن، منذ إعلان الرئيس محمود عباس خلال الاجتماع الطارىء للقيادة الفلسطينية بتاريخ 19 أيار 2020 أن “دولة فلسطين ومنظمة التحرير أصبحتا في حل من جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية ومن جميع الالتزامات المترتبة عليها بما في ذلك الاتفاقيات الأمنية”، لم يتخذ أي قرار عملي بهذا الصدد.

وخلال ذلك استمرت الجرائم والاعتداءات والانتهاكات الاسرائيلية وكرر قادة الاحتلال، وبشكل فج، خصوصا المستوطن بنيت وعدد من أركان حكومته، أنهم لن يقبلوا بقيام دولة فلسطينية تحت أي ظرف من الظروف، وعقدت في هذه الفترة لقاءات فلسطينية-إسرائيلية على أكثر من مستوى أصر الجانب الاسرائيلي أنها لم تعالج أية قضايا سياسية بينما قال الجانب الفلسطيني إنها كانت تستكشف البحث عن أفق سياسي!

مؤكد أن قطع كل أشكال العلاقة مع كيان الاحتلال، وهو الذي يتحكم بكل تفاصيل الحياة الفلسطينية بحكم سيطرته على الجو والحدود وعلى الأرض وما في باطنها، سيكون قرارا باهظ الثمن، ويجب، عند التنفيذ، تحري الدقة البالغة في وضع الآليات والاجراءات ذات الصلة؛ لأن الأمر يشبه حال من يسير على حد السيف، لكن عدم الاقدام على أية خطوة، ولو بشكل تدريجي، سيشجع إسرائيل على التزمت بمواقفها وسيدفعها لممارسة المزيد من التصعيد في عدوانها، والأهم أنه سيرسل رسالة سلبية للمواطنين الفلسطينيين العاديين، والذين أثبتوا على الدوام قدرة هائلة على الصمود واستعدادا عاليا للتضحية، أنه لا قيمة لنضالاتكم، أو في الحد الأدنى، لن يكون هناك تغيير في الأوضاع السائدة، وهنا، في هذه الحالة تحديدا، يحصل الاحباط، وهو أخطر ما يمكن أن يواجهه الشعب؛ لأن الروح المعنوية للشعوب بمثابة مصدر الطاقة الأساسي الذي يمكن للدول التعويل عليه إذا جفت كل مصادر الطاقة الأخرى أو تعرضت لأية نكسة أو أي حصار!

المطلوب

في الخلاصة: ثمة حالة غير مسبوقة من النهوض الوطني يعيشها الشعب الفلسطيني على امتداد فلسطين التاريخية وفي بلدان المهجر والشتات، ويواكب ذلك حالة غير مسبوقة أيضا من التعاطف والتضامن الدوليين مع نضال شعبنا، وهناك، كذلك، تطور في مواقف الدول من القضية الفلسطينية، ليس كما نريد لكن يمكن البناء عليه وتعزيزه، بالتالي لا بد من اتخاذ خطوات عملية فلسطينية تكون بمستوى التضحيات الشعبية، من جهة، وبمستوى التصعيد الذي تقوم به إسرائيل والتحديات التي تفرضها، من جهة ثانية.

لم يعد هناك متسع من الوقت لشرائه، وممارسة المماطلة والتسويف في اتخاذ مثل تلك الخطوات الفلسطينية لن يجدي نفعا. المأزق الذي يعيشه كيان الاحتلال، بفعل الصمود الفلسطيني أولا، ونتيجة غياب الاستقرار لأي من حكوماته الأخيرة بسبب عدم توفر أغلبية في الكنيست، ثانيا، وبفعل انكشاف الطبيعة العنصرية –الارهابية- الاستعمارية-التوسعية لاسرائيل أمام العالم، ثالثا، وبعد افتضاح التدخل الاسرائيلي لصالح أوكرانيا من جانب الروس، رابعا، وحالة الحرج التي وجدت أنظمة التطبيع العربي نفسها فيها أمام الجرائم الاسرائيلية، خامسا، وذهاب الأمور باتجاه اتفاق نووي جديد مع إيران، سادسا، كل ذلك يمثل لحظة مفصلية يجب التقاطها عبر الاسراع في اتخاذ الخطوات الفلسطينية المشار إليها، سواء فيما يتصل بوضع آليات عملية وممكنة، وأشدد على كلمة ممكنة، على طريق التحلل النهائي من العلاقة مع إسرائيل، أو بعقد اجتماع على مستوى الأمناء العامين لجميع الفصائل، شرط أن يكون كل شيء مطروح للنقاش بما في ذلك موضوع إجراء الانتخابات وتشكيل حكومة وحدة وطنية لكل من يرغب في ذلك وإنهاء الانقسام، والأهم من أجل وضع استراتيجية سياسية وكفاحية فلسطينية جديدة تستيجب للتحديات الراهنة وتأخذ في الاعتبار التحولات التي يشهدها الاقليم والعالم مع ما يتطلبه ذلك من إعادة فك وتركيب للتحالفات بما يخدم القضية الفلسطينية.

وفي الخلاصة أيضا، في موضوع القدس تحديدا، يمكن أن تشن القيادة الفلسطينية حراكا دبلوماسيا وسياسيا وقانونيا لتحقيق مطلبها في توفير نظام خاص للحماية الدولية للشعب الفلسطيني على أن يبدأ التنفيذ في مدينة القدس الشرقية بالنظر إلى المعاناة التي يرزح المقدسيون تحت وطأتها والاعتداءات التي تتعرض لها المقدسات المسيحية والاسلامية فيها، وهو وضع بات يحظى بالتفاتة واهتمام وقلق دولي واضح للعيان ويجب استغلاله.

دولة تخشى من علم وتطارد جنازة هي أجبن من أن تتحمل الصمود أمام حراك فلسطيني متماسك، قوي، مدروس، متدرج، وقادر على اقناع المجتمع الدولي، هذا المجتمع الذي بدأ يعاني من صداع اسمه الصداع الاسرائيلي، وآن له أن يتعافى منه.