قراءة في نتائج انتخابات جامعة بيرزيت

نشر بتاريخ: 20/05/2022 ( آخر تحديث: 20/05/2022 الساعة: 15:39 )

الكاتب:

د. صقر سليمان

هذه هي الانتخابات الثالثة والعشرون التي تجري في جامعة بيرزيت منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وبمراجعة سريعة لنتائج الانتخابات المتعاقبة نجد ان كتلة الوفاء الاسلامية التابعة لحركة حماس قد فازت 12 مرة مقابل 11 مرة لحركة الشبيبة الطلابية التابعة لحركة فتح في مؤشر على أن الحركتين تشكلان الثقل النقابي في هذه الجامعة وبشكل متقارب وبالتالي يمكن المجادلة بان نتيجة هذه الانتخابات لم تخرج عن الاطار العام للسياق التاريخي لهذه الانتخابات من حيث الرابحين والخاسرين. غير أن ما هو مفاجئ في هذه الانتخابات هو الفارق الكبير نسبيا في عدد الاصوات بين الكتلتين لصالح كتلة الوفاء الاسلامية. في نفس السياق جاءت نتائج الكتل الطلابية الأخرى مخيبة للأمال -باستثناء القطب اليساري الذي حافظ على مقاعده الخمسة- في تعبير واضح عن ازمة هذه التنظيمات التي اصبحت عاجزة عن تخطي نسبة الحسم.

على الرغم من أن انتخابات جامعة بيرزيت أو أي جامعة فلسطينية أخرى لا يمكن التعامل معها باعتبارها عينة تمثل الرأي العام الفلسطيني والواقع الفلسطيني الانتخابي الا أن هذه الانتخابات حظيت بمتابعة واضحة من المراقبين والشباب الفلسطيني على اختلاف مشاربهم التنظيمية كونها جاءت بعد فترة انقطاع لعدة سنوات ولكون جامعة بيرزيت من أعرق وأكبر الجامعات الفلسطينية ولقربها من مركز اتخاذ القرار السياسي الفلسطيني. بالرغم من ان حركة الشبيبة الطلابية قد فازت في انتخابات جامعة فلسطين الأهلية باغلبية مريحة الأ انها لم تحقق الفوز في انتخابات جامعة بيت لحم التي فاز بها القطب اليساري الأمر الذي يستدعي ضرورة القاء الضوء على نتائج هذه الانتخابات ودراسة العوامل التي شكلت الرأي العام للطلبة وأثرت على توجهاتهم لانتخاب الكتل الطلابية المختلفة سواء في جامعة بيرزيت أو غيرها من الجامعات التي جرت بها انتخابات طلابية. وفيما يلي بعض العوامل التي أثرت على توجهات الطلبة في هذه الانتخابات.

الاستقطاب المجتمعي والأدوات الاعلامية: منذ ظهور حركة حماس عام 1988 بدأ المجتمع الفلسطيني يعيش حالة من الاستقطاب المجتمعي تعززت هذه الظاهرة مع نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006 وما تلا ذلك من انقلاب قادته ضد السلطة الوطنية. جاء الربيع العربي ليعزز هذا الاستقطاب الذي غالبا ما كان يميل لصالح الحركات الاسلامية نتيجة العاطفة الدينية التي يتسم بها المجتمع الفلسطيني المحافظ وقدرة حماس على تقديم نفسها كفصيل مقاوم مستغلة منصات اعلامية معروفة وواسعة الانتشار كقناة الجزيرة وغيرها من قنوات الاخوان المسلمين. لا شك ان عملية الضخ الاعلامي المتواصل والمكثف يساهم في إعادة تشكيل وعي الناس والتأثير في توجهاتهم السياسية والاجتماعية خاصة عندما يكون مصدره منصات إعلامية خارجية وتحظى بمشاهدة واسعة "ومصداقية نسبية" لدى الناس. بالاضاقة إلى ذلك استطاعت حماس ايصال روايتها الى الجمهور الفلسطيني بسلاسة وقدرة واضحة من خلال تقديم نفسها كفصيل مقاوم وباستخدام وسائط التواصل الاجتماعي وتشكيل جيش من الذباب الالكتروني لتوجيه الرأي العام وتشكيله اتجاه أي قضية. فمثلا خلال الشهرين الماضيين استطاعت حركة حماس الاستفادة مما جرى في القدس والاقصى وكذلك استغلال العمليات قي الداخل الفلسطيني المحتل التي تم تنفيذها بشكل فردي وبدون أي قرار تنظيمي وغالبا ما كان كان المنفذون ينتمون لحركة فتح ومع ذلك لم تستطع حركة فتح استثمار هذه العمليات او تحسين صورتها أمام الجمهور الفلسطيني بالمقابل كانت حماس تقدم نفسها كحركة مقاومة وباركت لفظيا هذه العمليات بالرغم من انها لم تحرك ساكنا. من الواضح أن قدرة حماس على اقناع الجمهور الفلسطيني هى أكبر من قدرة حركة فتح وهذا يعود الى توفر ماكنات اعلامية محلية واقليمية تعمل لصالح حماس وكذلك لقدرة الحركة على استخدام السوشيل ميديا بكفاءة بالاضافة إلى الانسجام في الخطاب الاعلامي وهذا ما تفتقر اليه حركة فتح. أخيرا وليس أخرا هناك أزمة ثقة متصاعدة بين قيادة حركة فتح والجمهور الفلسطيني تحد من قدرة الحركة على ايصال روايتها واقناع الناس بها.

تأثر الطلبة بالواقع السياسي على حساب العمل النقابي الداخلي: ساهمت أزمة كورونا وما تمخض عنها من تبني سياسة التدريس عن بعد إلى إفراغ الحياة الجامعية من معناها وأدى إلى تراجع عنصر التأثر بالحرم الجامعي. حيث كان هناك انقطاع كبير للطلبة عن الحياة الجامعية الأمر الذي حال دون منح الكتل الطلابية الفرصة والوقت الكافي لبناء علاقة متبادلة مع الطلبة حيث كان هناك غياب للتثقيف السياسي والنقابي للطلبة مما قلص النشاطات اللامنهجية وافقد الحياة الجامعية جزءا اصيلا من مكوناتها. أضف إلى ذلك ان كثير من المحاضرات لا زالت تتم عن بعد مما حد من قدرة الطلبة على التقييم الكافي لاختيار ممثليهم بناء على معايير نقابية وتم استبدالها بمعايير سياسية متأثرة بقضايا معينة مثل التنسيق الأمني وكذلك أحداث معينة حصلت على الساحة الفلسطينية مثل قضية نزار بنات أو ما يثار من قضايا تتعلق بالفساد والضعف في إدارة شؤون المؤسسات الحكومبة وغياب معايير الحوكمة الأمر الذي أثر سلبا على فرص حركة الشبيبة الطلابية في حصد الأصوات. شكلت العلاقة المتداخلة بين فتح والسلطة أحد نقاط ضعف حركة فتح فالانجازات تنسب لاصحابها ولاتنال فتح شرف تبنيها بالمقابل فإن حركة فتح تدفع ثمن أي اخفاق او خطأ ترتكبه السلطة باعتبار فتح صاحبة المشروع والراعي الحصري للسلطة.

تدخلات الاحتلال الاسرائيلي: أثارت عملية اعتقال عدد من كوادر كتلة الوفاء الاسلامية في ليلة الانتخابات بجامعة بيرزيت تساؤلات حول أهداف الاحتلال وتأثيره على الاستحقاقات الديمقراطية سواء على مستوى الوطن او النقابات او الجامعات. تاريخيا مارس الاحتلال هذه السياسية للنيل من الحركة الطلابية ومنع وصول كوادر هذه الحركة إلى قيادة العمل الطلابي. بعيدا عن نظرية المؤامرة وبنظرة موضوعية على مجريات انتخابات جامعة بير زيت يمكن المجادلة بأن ما قام به الاحتلال من اعتقال لعدد من الطلاب هو عمل غير بريئ ويشكل محاولة للتأثير على نتائج الانتخابات، كيف لا وقد جاءت عملية الاعتقال في ليلة الانتخابات مما ساهم بوضوح في زيادة تعاطف الطلبة مع كتلة الوفاء الاسلامي. بلا شك أثرت عملية الاعتقال بشكل سلبي على حركة الشبيبة الطلابية وأظهرت حركة فتح كحركة مستفيدة بل ومتواطئة مع ما يقوم به هذا الاحتلال من ممارسات والهدف هو اضعاف حركة فتح وتوسيع الفجوة بينها وبين الجماهير الفلسطينية ظنا منه ان ذلك سيؤدي إلى اخضاع حركة فتح وجعلها في حالة خوف دائم من أي استحقاق ديمقراطي.

الخلافات الداخلية: كان سر قوة حركة فتح هو انفتاحها الفكري وعدم تبنيها لأي أيدولوجيا أو مذهب الأمر الذي سهل امتدادها الجماهيري وعزز قوتها سياسيا وتنظيميا. تاريخيا استطاعت حركة فتح ادارة خلافاتها الداخلية وفسيفسائها الفكري من خلال ايجاد مساحة معينة من الاختلاف المسيطر عليه – مع بعض الاستثناءات- مما مكنها من الحفاظ على وحدتها وديمومة قيادتها للنضال الفلسطيني عبر هذه السنوات الطويلة. المتابع للشأن الفتحاوي يلاحظ تراجع في قدرة الحركة على ادارة خلافاتها الداخلية والتباين في المواقف السياسية والتنظيمية وهذا الضعف ظهر جليا في قيام العديد من كوادر الحركة في ترشيح انفسهم في قوائم منافسة للحركة في تحد واضح للتنظيم وفي احتجاج واضح على الطريقة التي تمت من خلالها اختيار مرشحي الحركة في الانتخابات المحلية والتشريعة والتي من وجهة نظرهم تمت على أسس غير موضوعية وتستند إلى معايير المحسوبية والعلاقات الشخصية. تشكل الخلافات الداخلية أحد أهم التحديات تواجه حركة فتح وتهدد قدرتها على استدامة قيادتها للنضال الفلسطيني مما يستلزم إعادة توسيع مساحة النقد والنقد الذاتي داخل الحركة والاتجاه نحو تعزيز هوية الحركة التي تأخذ بعين الاعتبار طبيعتها الجامعة التي تحافظ على الاختلاف وبقاء الروح النقدية داخل الحركة باعتباره الضمانة لاستدامة الحركة وتطورها.

خلاصة القول: حركة فتح حركة عريقة ولها تاريخ عظيم من النضالات فقد قدمت في مسيرة متواصلة أعداد لا تحصى من الشهداء والجرحى والأسرى ولديها شرعية تاريخية لا يستطيع احد نكرانها غير انها تواجه تحديات حقيقية فالشرعية التاريخية لم تعد تكفي في ظل ديمومة الصراع وعصر السوشيل ميديا المدعوم بآليات العولمة. فالجماهير بالرغم من تقديرها للماضي واعترافها بدور فاعليه الا أنها تبني مواقفها وتوجهاتها على الحاضر وما تراه وتعيشه. بلا شك إن حركة فتح في وضع لا تحسد عليه وهي تقف على مفترق طرق وأمام تحدي مواجهة الحقيقة فإما ان تقوم باجراء مراجعة معمقة وتقيم واقعها وما آلت اليه اوضاعها وسياساتها واستخلاص العبر والدروس وبغير ذلك فإنها قد تجد نفسها أمام واقع مترهل وخسارات متتالية بالامكان تحاشيها اذا صدقت النوايا فالطبيعة لا تقبل الفراغ ولا يوجد شئ ثابت في هذه الحياة الا التغيير كونه سمة الحياة وعنصر استدامتها وديمومتها.