المناظراتُ الخطابية الطلابية تدقُّ ناقوسَ الخطر

نشر بتاريخ: 24/05/2022 ( آخر تحديث: 24/05/2022 الساعة: 08:33 )

الكاتب:

د. فؤاد سليمان

لا شكَّ أن ممارسة الخطاب أيًا كان مأتاه ينطوي على استراتيجيات أدائية يسعى من خلالها المتحدث إلى استمالة الجمهور والتأثير في توجهاته لتحقيق مكسب انتخابي، كما ويسعى المناظر إلى بناء تصور ذهني لدى المتلقي حول حدث أو قضية معينة، وفي سبيل ذلك قد يلجأ إلى التعتيم والافتراض المسبق والتملص أحيانا.

شهدت الجامعاتُ الفلسطينية مؤخرا مناظراتٍ انتخابية بين الحركات الطلابية ككل عام، لكنها مؤخرا ليست كما استقرَّ في اللاوعي الوطني لدينا، ولم يكن أعسر ولا أوجع على الفكر من طبيعة الخطاب هذه المرة فقد تجاوز البديهيات والمسلمات التي نؤمن بها كشعبٍ مازال يطمح للحرية والاستقلال إلى خطابٍ مغلف برغبات التقليل من الآخر ونفيه إن أمكن، مناظرات يغادر فيها الخطاب كنفَ الوئام الجمعي الذي يُفترض أن نكون فيه موحدين في خندق واحد إلى كسر الآخر والانتقاص منه ومن تضحياته، بل إنه خطاب ٌيستكين إلى الأنانية المفرطة ويُظهرُ التكدَّسَ الفكري الذي وصلنا إليه، يحاول فيه كلُّ قطبٍ صناعة الزمن الجماعي على مرآة فكره الفردي بدل أن يكون الجميع متفقا فيه على أن صناعة الزمن والتاريخ يجب أن تكون على مقاس الزمن الوطني الجماعي.

وهنا يبرز السؤال أين تلك المبارزات الفكرية التي كانت تشهدها جامعاتنا سابقا، تلك المناظرات التي كانت تُؤدًّى دون قرعٍ للسيوف وضربٍ للدفوف، أين ذلك الرصيدُ الغاضب من الانتماء للوطن والفكرة أولا، أين ذلك الفكر والنهج الذي لا ينتعش إلا بوجود الفكر المضاد له، ويؤمن إيمانا مطلقا أنه بضديته مع الآخرين يكتمل وجوده وتتحقق الشراكة؟

هل فقدنا محاضنَ الفكر والموضوعية؟ لماذا تحوًّل خطاب المتنافسين إلى كابوس التصنيف الضدي وما يترتَّبُ عليه من لغة التخوين والانتقاص، لماذا بتنا نخضعُ للخطاب الإطلاقي الذي انحرفَ عن مدار الفلك الوحدوي الواحد، لماذا لم يعُد خطابُنا يرقى إلى أن وجودنا لا يكتسب جدواه إلا بوجود الآخر المختلف ولولاه ما كان التنافس موجودًا في الأصل؟

إن الحقيقة المرَّة التي لا بدًّ من المجاهرة بها والإفصاح عنها أن رياحَ الردة تعصفُ بخطابنا وتبعدهُ عن هدفنا الأسمى فانتكسنا وتراجعنا أمام أنفسنا وأمام العالم، هذه الحقيقة وإن كانت كمسِ الجمرات بأطراف اللسان إلا أنها تمثلُ الواقع المرير الذي نعيشه، ولولا خشيةُ المظنات لقلتُ: إننا لن نبرحَ هذه الحالة ما دُمنا تحت وطأة الأنا ومظنة الارتياب من الآخر.

آن الآوان لمغادرة عتبات هذا الخطاب المُرتبك المحاصر بالفطرة القاصرة والسجية الغافلة والذي ارتهن له السواد الأكبر تابعين ومتبوعين، لا بدَّ من التأسيس لخطابٍ جديد على كل المستويات يواكب تطلعاتنا ويلبي الحاجة لوحدتنا يستند إلى الارتقاءات المعرفية والوطنية؛ ليكون أكثر اقتدارا وجدارة بهذا الشعب وتضحياته الجسام، خطابٌ لا يحرض الأنا المتضخمة على الآخرين، ولا يوقظ الضغائنَ الدفينة، يُجيب عن الأسئلة الغائبة، خطاب لا يسعى لإحداث الانكسارات الفردية والجماعية يبتعدُ عن تلك المشادات المشوٌَهة والكسيحة في أدائها ومضمونها التي ستُفقدُ الأجيال المتلاحقة الثقة بالجميع إلى خطابٍ وطني مسؤول يقوم على ترتيب وتوظيب الأولويات والمسلمات التي لا يختلف عليها اثنان، يحترم السياق السياسي والزمان والمكان وجمهور المتلقين مرماه البناء وغايته الوطن، يستندُ إلى رجحان الأدلة وتدافع البراهين للإقناع وليس للمكر والمخاتلة، معياره ووحدة قياسه الوطن والمصلحة الوطنية، حتى نحفظ وَعينا من الشَطَط والانزلاق أكثر، ويحقِّقُ لنا طمأنينة الذات لنقنعَ أنفسنا بأنفسنا أولا ثم نقنع به الآخرين، خطابٌ يذوب في الوئام الجماعي الكلي.

أُشيرُ أخيرا إلى أمر لا يلقي له المتناظرون بالًا ولا يأخذُ من وقتهم إلا الجزء اليسير ألا وهي اللغة التي تعدُّ المكوِّن الرئيس للخطاب، فالسياسةُ لغة واللغةُ سياسة كما أشار الدكتور عبد السلام المسدي، وهنا يتحولُ اللفظ من مجرد دال يحيل إلى مدلول إلى موقف وتصبح اللغة بذلك سلاحًا قويا ومؤثرا في الجانب النفسي، وصاحبُ الكلام يحمل مسؤولية مقاصده من كلامه، وعليه فاللغة ليست بريئة، وهي سلاح فتاك على ساحة المناظرات يجب أن يعدُّها أو يشرف عليها أولو الأمر والشأن، ليكونَ عمادُها المتين البناء والتكامل وليس النبذ والإقصاء.