الثلاثاء: 16/08/2022

مروان وجيه قاسم

نشر بتاريخ: 09/06/2022 ( آخر تحديث: 09/06/2022 الساعة: 12:39 )

الكاتب:

محمد نعيم فرحات

مروان: الأنيق، الدمث، الناعم المزدحم بحرير الروح والوجدان، المكلل بحزن شفيف، الذي أفصح عن نفسه وتجلى في لحظاتنا وأزمنتنا على نحو بالغ الرقة.

شاءت اقدراه أن يولد لأب رهيف الوعي والوجدان في أرض الجزائر العالية بكرامتها ومعناها، وان يتربى ويترعرع في كنف المغرب الأقصى مكانا الأقرب إلى القلب والروح، وان يتعلم الطب ودرس الحياة في رحاب تونس، التي مات دون أن يُشفَىَ من حبها، على ما قال محمود درويش يوما، في وصف مشاعرنا الجماعية إزائها. وان يعود الى مكان ملتبس في بلاد شديدة الوضوح، جميلة المحيا عظيمة الصبر على الجرح، ليمارس دوره الإنساني والاخلاقي والوطني.

لم تكن الأمكنة ولا المصائر والأقدار صدفا في حياة مروان ولا في حياة كل الناس، في هذه المساحات الغزيرة المترامية وضفافها وأفاقها عاش مروان، وتشكل كيانا ووعيا، مساحات تمتد من سفح فلسطين العالي علو السماء، إلى بلاط المغرب المسكون بروح عبد الكريم الخطابي، ووطن الكرامة وموطنها بلاد الأمير عبد القادر، وأرض عليسه التي وجد جمالها الغاضب، بعد أن فاض من الشرق وعن البحر الواسع مرفأه في بلاد قرطاج، فصارت قرطاج بلاطها حتى الأبد.

في أرض المغارب التي أعطت لفلسطين صورتها البهية والنقية، وحولتها لقيمة إجماع روحي تمتد من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وأسكنتها في أعالي وجدان أهل المغرب وسردية وجودهم وتعريفهم لأنفسهم، عاش مروان وتشكل وعيه عن فلسطين الفكرة والبلاد سطرا فسطرا.

***

مروان "صديق الجميع" والابن البار لفلسطين ولروحها، كان يحمل بالسليقة وبالاختيار، وجدانا وطنيا نقيا إلى حد التطرف، لم يشاْ يوما أن يرى الوجه الذي لا يبعث على السرور في صورتنا، وظل بصره وبصيرته متجهان إلى الوجه البهي فيها، لكنه غادر إلى ملكوت السماء بينما ظل انتظاره لتوقعات الوجه الأجمل لنا يطول حتى الموت.

لقد عاين وتلمس تعثرنا في كتابة نص فلسطين على ألواح الزمن كما يليق بها، وكان يتأسى رغم أمله لأجل ذلك، وربما، نكون ورغما عنا، قد سهلنا على الموت، كي يأخذه من يومياتنا وهو متعب منا وليس مرتاحا. وحالة الوجع النفسي والثقافي والروحي مما نصنعه من سوء بأيدنا لأنفسنا، توفر للموت فرصة اختطافنا. وما بين الموت على وجع أو الموت بوفرة ما في الرضا، تقوم فروق يعرفها الموت والموتى ومن يشهدون عليهم.

***

نعرف بأن الموت حق، ونعرف بأن لا مرادف للموت الا الموت نفسه، ولنا خبرة وجودية، فيما تفعله الحروف الثلاثة الأكثر هدوءً في أحرف الأبجدية التي تتشكل منها كلمة(موت)، وكيف تضع حدا حاسما للحياة وصخبها، وتنقلنا من هنا إلى هناك، من نسبيات الحياة إلى مطلقات العالم الآخر.

غير أن موت مروان قد باغتنا على نحو ساحق وفجعنا، لم يكن من احتمالات ذلك اليوم ان نسمع بموته، لكن للسماء تدابيرها التي تتجاوز إدراكنا، وتختار للناس ما هو أفضل، مما قد نراه وما لا نراه.

عرفنا مروان وعرفنا ابيه وعرفنا سر العلاقة بينهما، وسر العلاقة بيننا وبينهما، مروان الذي كان ينظر إلى أبيه كصديق وكخلق رفيع، وكان يخاطبه مثلنا. وكنا نعرف أن موت أبيه قبل بضعة شهور قد خلع شيئا ما عزيزا وحميما من قلب مروان وفؤاده، مروان صار هناك برفقة ابيه وهما راضيان.

في يوم احياء ذكرى مروان واستذكاره، لروحه الرحمة والسلام، حيث هو بعهدة ربه في السماوات العلا.

--------------------------------------------------------------------------------------------

*كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين.

**هذه كلمة تليت باسم امة من الناس في إحياء ذكرى اليوم الأربعين لغياب مروان وجيه قاسم، امة تمتد من مشارق فلسطين وجهاتها الخمس، حيث السماء جهة فلسطين الأولى والخامسة وما بينهما معا، إلى مغارب العرب وأقاليمه: تونس والجزائر والمغرب، حيث وجدت العروبة الروحية والثقافية هناك إحدى أهم مداراتها وقلاعها وأمانها.