الثلاثاء: 27/09/2022

"رسائل من القدس وإليها" والتّناغم الثّقافي

نشر بتاريخ: 15/08/2022 ( آخر تحديث: 15/08/2022 الساعة: 11:42 )

الكاتب:

سلمى جبران

صدر في الأيّام القليلة الماضية كتاب "رسائل من القدس وإليها" لجميل السلحوت وصباح بشير عن مكتبة كل شيء في حيفا، ويقع الكتاب الذي يحمل غلافه الأوّل لوحة للفنان التشكيلي محمد نصرالله في 182 صفحة من الحجم المتوسّط.
الوجه الدّاخلي للإنسان يتجلّى عندما يختلي بنفسه ليكتب رسالة. رسائل الأديبين جميل السلحوت وصباح بشير كشفت عن ثقافتهما وتفكيرهما الحرّ. هذه الرسائل هي تدوين شخصي اجتماعي حضاري شائق يصعب العثور عليه في غير مسار الرسائل.
الانفتاح والصدق والثقافة والفكر تناغمت بمقامات جميلة جعلت من الفردي جماعيّا ومن الجماعيّ فرديّا. لم تترك هذه الرسائل جانبا من الحياة دون تفكير وبحث ومعرفة عميقة حوله، فانطلقت تحكي عن تاريخ البلد وتاريخ العائلات والتربية والتديُّن والسياسة والظلم وحقوق الإنسان والمعاناة الفلسطينيّة والبحث والوعي الذاتي وجغرافية عدة بلدان من عدّة قارّات.
مجرّد قراءة لوحدها لا تكفي في هذه الرسائل/المقالات التي تنضح معرفة وثقافة وعادات وقيم وتقاليد وتربية. وكل هذه المواضيع كانت تلقائيّة وفي سياقها الطبيعيّ، بعيدة عن السرد المملّ ومشبعة بالمعرفة والتفكير.
لفتتني قضيّة هامّة تطرَّقَ إليها جميل السلحوت وهي العقليّة المضطهَدة عند المرأة والتي تديم اضطهاد ذاتها كامرأة. وهذه نقطة عميقة يتمّ التنبُّه لها بعد بحث ذاتي وسبر غور النفس ومساءلتها. ومن بدأ بتحليل هذه الظاهرة هو عالم التربية البرازيلي باولو فريري وأسماها (oppressed mentality). وتحدّث السلحوت أيضًا عن تقاليد اجتماعيّة خانقة مثل زيارة المسافر عند عودته، ممّا أضفى على هذه الحوارات صبغة مغايرة من التفكير الحرّ والارتقاء الاجتماعي والأدبي. وأعجبتني سخريته من عقليّة "فوائد شرب بول البعير" وكذلك قوله: "إنّ الكتابة تهمة تطارد صاحبها في العالم العربي".
كلّ ما تطرّقت إليه صباح بشير ينمّ عن رقيّ ذهني وتفكير حرّ بعيد عن مجاراة القطيع، وخاصّة قضيّة قبول الآخر كما هو دون محاولة تحويله إلى ما نريد. وأشارت وبتعمُّق إلى مسألة تحكُّم الماضي بنا و"السيطرة على العقول ومصادرتها". وبتحليل عميق، كتبت صباح في الرسالة 12.08.2012: "حين نعوِّل على الدين وحده، الأزمة الاجتماعيّة التي نعيشها ستتفاقم بشكل خطير وتصبح أكثر تعقيدا".
تمتّعت كثيرًا بقراءة الكتاب ونهلتُ من ينابيع معرفة قد لا أصل إليها دون قراءة هذه الرسائل، فهي عناقيد ثقافيّة معمّدة بنشوة المعرفة والتفاصيل التاريخيّة والاجتماعيّة، وهي مرآة حضاريّة تشجّع السياحة الثقافيّة وتتغنّى بحبّ المعرفة.