الإثنين: 24/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

جيل لم يعش التاريخ ولكنه استلهمه

نشر بتاريخ: 12/10/2022 ( آخر تحديث: 13/10/2022 الساعة: 08:32 )

الكاتب: عوني المشني

اغلبية ساحقة من الجمهور الفلسطيني لم تعرف ان هناك اجتماع للفصائل الفلسطينية للمصالحة ، لم يعد يهمها تلك الاجتماعات رغم اهمية المصالحة لدى الرأي العام الفلسطيني ، احدهم قال لي المصالحة تحققت على ارض المعركة ، في جنين كما في نابلس المطاردين من الفصائل يتقاسموا الخبز والرصاص والرصاص والمهمات ايضا ، انهم موحدون فعلا في مواجهة العدو ، انها وحدة فوق الفصائلية ، لهذا لم يعد الجمهور يكترث ان توحدت النخب السياسية او بقيت منقسمة .
احد مثقفي اليسار الفلسطيني وفي جلسة تناقش الحالة الفلسطينية كان صريحا وجريئا الى حد الدهشة حينما قال : " لم يعد يهم شعبنا ما يجري في حماس او اليسار ، نحن نفهم ان صلاح الحالة الفلسطينية نابع من صلاح فتح ، اذا كانت فتح بخير سيكون الوضع الفلسطيني بخير واذا تعثر وضع فتح تعثر الوضع الفلسطيني ، انا لست فتح وربما مختلف معها كثيرا ولكن لا يمكن تجاوز الازمة الفلسطينية الا باعادة فتح لدورها لتأخذ مكانتها وتستعيد قوتها " انتهى حديث هذا المثقف اليساري ليبدأ حديث من نوع اخر : كيف تصلح فتح ؟
حاول مثقفي فتح وعبر مئات الجلسات الاجابة على هذا السؤال ، واينما ذهبت بين كوادر فتح تجد نفس الهم ونفس التساؤلات : اصلاح وضع فتح !!! وضعت البرامج عقدت الجلسات ، تشاور القادة والكوادر ، اختلف الكل مع الكل ، ولكن بقيت فتح في حالة تراجع متسارعة . لم يستطع احد ان يوقف هذا الانحدار المتسارع ، واصبح اصلاح فتح هو السهل الممتنع ، الممكن المستحيل ، الضرورة المستبعدة ، الحلم الكابوس .
بعد اتفاقيات توسلوا وفي جلسة جمعتني مع عدد من كادر فتح في العاصمة الاردنية عمان سأل احدهم : مدا سيكون وضع فتح بعد اوسلو ؟!!!
وقع علي السؤال كالصاعقة ، زلزل كثيرا من المسلمات لدي ، ولكنني تمالكت نفسي وتصديت الاجابة : ما يجمعنا في فتح شيئين لا ثالث لهما ، الهدف وهو التحرر والاداة وهي الكفاح ضد الاحتلال ، في اللحظة التي يختل الهدف او الاداة ان يبقى ما يجمع او يبرر وجود فتح ، وكان نقاش واجتهادات …..
لست الوحيد الذي فهم ذلك ، الامن الاسرائيلي فهم ذلك ايضا ، لهذا عمل ومنذ توقيع اتفاقيات اوسلوا على ذلك ، وبدلا من تشكيل قوة سياسية متماهية مع الاحتلال كروابط القرى الفاشلة والتي شكلها الاحتلال قبيل الانتفاضة الاولى في بداية الثمانينات من القرن الماضي ، بدلا من ذلك حاول تقويض فتح فكريا وسياسيا ونضاليا وتحويلها الى كيان بذات الاسم مستخدما تاريخها الكفاحي وتضحياتها الكبيرة ولكن بمضمون مختلف تماما ليس له علاقة بالتحرر او الكفاح ضد الاحتلال ، وعبر عمليات معقدة من التهميش والاغراء والافساد واختلاق مصالح مشتركة بدى للوهلة الاولى انه قد نجح والى حد كبير في ذلك . وتشكلت بفعل عوامل مختلفة مستويات قيادية تتماهى بشكل جزئي او كلي مع ذلك .
ولكن كان هناك قول اخر
كافة الاجتماعات والمبادرات والابداعات لاصلاح حركة فتح والتي بدى على رأسها كادرات تاريخية مجربة بقيت تراوح مكانها ولم تخرج اي من تلك المبادرات او الاجتماعات باي نتائج ذات قيمة ،،،، هذا عزز من قناعة الامن الاسرائيلي وبعض المتنفذين الذين تماهوا مع هذا الوضع بان الامور استقرت بهذا الاتجاه .
ساد جو من الاحباط ، السؤال الذي بات على كل لسان في فلسطين هو : الى اين نحن ذاهبون ؟ ما الذي يجري في فتح ؟ لماذا يحصل هكذا ؟؟ فقد قطاع واسع من الشعب الفلسطيني ثقته بالفصائل وبات ينظر اليها بشك كبير في قدرتها على تحمل المسئولية ، وفقدت الطبقة السياسية الفلسطينية الكثير من الاحترام بنفس القدر التي افتقدت بها صدقيتها .
ولكن ذلك لم يكن النهاية …..
جيل جديد حفظ فتح اغنيات واسماء شهداء وقصص معارك ، جيل لم يعيش تاريخ فتح ولكنه استلهمه ، جيل تشكل عبر معاناة الاحتلال واحلام الحرية وسلطة تبدو عليها مظاهر الفساد فتشكل لديه انفصام سياسي واجتماعي ونفسي ووجد نفسه ضحية لهذا الواقع . ولم يجد في التاريخ الفلسطيني افضل من تاريخ حركة فتح ليستلهمه . صحيح ان الاحتلال خرب الواقع في فتح ولكنه لم يستطع ان يشوه التاريخ ، افسد قيادات ولكنه لم يلوث الفكرة ، لهذا هرب هذا الجيل من واقعه المرير الى الافكار الملهمة وشكل نهضة نوعية بدأت نواتها في جنين وامتدت الى نابلس وها هي تتسع مع كل شهيد فلسطيني جديد او مع كل مظهر من مظاهر الفساد ، لا تتسع فحسب بل يزداد تأثيرها العملياتي والجماهيري ، وفي خطوة غير مسبوقة ها هي تعلن عن الاضراب العام في مناطق السلطة الفلسطينية كاملة ، صحيح ان الاستجابة لهذه الدعوة، كانت جزئية ولكن ان يستجيب لها قطاعات واسعة من الطلبة الجامعيين والنقابات والمدن والقرى هذا يعني انها تجاوزت بتأثيرها حدود الجغرافيا وحدود الانتماء السياسي . هذه الظاهرة لم تشكل قيادة سياسية ولكن الطبيعي ان يقود تطورها في المستقبل الى بنية سياسية متناسبة معها وبهذا يصنع هذا الجيل من نفسه قيادة لانه اصلا فقد الثقة بالقيادات السياسية ، هذا الجيل لا ينتمي لفتح التنظيم ولكنه يستلهم فتح الفكرة والتاريخ والشهداء والاسرى .
وبعد ….
وبعد الظاهرة تكبر ككرة الثلج ، قمعها بالقوة يعمقها ، حصارها يزيدها انتشارا ، ومحاولة شراءها يشعر اصحابها باهميتهم واهمية الظاهرة ليتمسكوا بها اكثر . والاهم انها تتفولذ عبر نار الاشتباك المتواصل . صحيح انها ظاهرة فردية معزولة في بدايتها ، لكنها في ظل حاضنة شعبية كبيرة وتعاطف غير مسبوق واحترام اكثر من عادي فانها تحولت الى خط كفاحي لها سمات واضحة ويتشكل عبر قيادات ميدانية انتجتها الظاهرة ذاتها . هذا شكل في المحصلة النهائية تحولا مثيرا والخطوة الاهم والاقوى لاعادة فتح في تاريخها . حتى المثقفين وكوادر الحركة المهمشين والذين ارهقوا انفسهم في اجتماعات ومبادرات لاصلاح الحركة قد وجدوا في هذه الظاهرة تجسيدا لافكارهم وقناعتهم ، وهنا حصل اللقاء الطبيعي . صحيح انه حتى اللحظة لم يجري وضع الظاهرة في سياق سياسي تنظيمي برامجي ، وربما هو الافضل ان تبقى هكذا حتى زمن . فالظاهرة ذاتها تصنع ادواتها السياسية والتنظيمية وليس العكس .
وهذا يعني ….
هذا يعني ان ديناميكية اعادة فتح الى سياقها التاريخي هو نتاج الظروف الموضوعية التي تنشأ مع الاحتلال وغير مرتبط بارادة القادة او تخطيط الغرف المغلقة للامن ، اي امن كان ، وفتح بتاريخها ملهمة ودرجة الالهام هذه اقوى بما لا يقاس من السياسات المصطنعة ، وحتى لو ضعفت تلك الحالة عبر القمع الاحتلالي والتعاون المريب من متنفذين فانها تستمد قوة كامنة مختزنة تجعلها تتجدد بفعل طبيعة العلاقة الطبيعية بين شعب يخضع للاحتلال من جهة ومحتليه من جهة اخرى
خلاصة
خلاصة الامر ان صراعا قد يكون في الظل يحتدم بين تيارين في فتح ، تيار متنفذ يريد ان يستخدم تاريخ فتح في تبرير الامر الواقع وتيار آخذ بالتبلور يريد ان يعيد لفتح زخم تاريخها ومجدها ، والجمهور الفلسطيني هو حاضنة التيار هذا بينما الفساد المتحالف مع الاحتلال وقصر النظر هو من يمثل التيار الاول . هذا صراع يجري في الظل ، ترتفع وتيرته احيانا ولكن سرعان ما تخف تلك الوتيرة لاسباب متداخلة معقدة . ولانه لا مصلحة لاحد بان ينفجر هذا الصراع . اسرائيل لا مصلحة لها لان انفجاره يعري ويضعف التيار المتنفذ ويجعله يفقد القدرة على التأثير وقوى التغيير لا مصلحة لها بجعل التنافس الداخلي يعلو على الصراع مع الاحتلال .
ما عادت سياسات بيع الاوهام تكفي لشراء الهدوء ، وعرين الاسود ليست نبتة غريبة عن الارض الفلسطينية ولكنها الخطوة التالية بعد ظاهرة الذئاب المنفردة ، وحتما ستتلوها خطوات ، لا احد يستطيع التنبؤ ، لكن اي عاقل يدرك ان الاحتلال باستمراره يشكل مبرر كافي لابداعات فلسطينية خارج التوقع .