السبت: 18/05/2024 بتوقيت القدس الشريف

حارس الفنار والمهد الفلسطيني

نشر بتاريخ: 28/09/2023 ( آخر تحديث: 28/09/2023 الساعة: 08:29 )

الكاتب:

سامي قرّه

يقدّم الأستاذ نافذ الرفاعي في روايته "حارس الفنار" المشهد التاريخي الوطني الفلسطيني منذ النكبة حتى يومنا الحاضر، وفي كل فصل من فصول الرواية التسعة والعشرين يقدّم المؤلف رسمًا تصويريًا لأحد الأحداث التي ألمت بالشعب الفلسطيني خلال السبعين سنة الماضية. يصف الكاتب والأكاديمي الفلسطيني صالح الشقباوي رواية "حارس الفنار" بالجدارية الوطنية الفسيفسائية التي تعالج فترة زمنية مهمة من تاريخ فلسطين هي زمن الثورة، وزمن القداسة، كما تعالج الخيانة وتحويل الثورة إلى ارتزاق ونهب وسرقة. تشكل الرواية إضافة أدبية نوعية للأدب الروائي الفلسطيني المعاصر.

للأدب وجود مادي أي أن المادة الأدبية نجدها مطبوعة على أوراق وهذه الأوراق تشكل كتابًا، وهذا الكتاب له وزن ويحتل مساحة معينة. أمّا تجربتنا في قراءة الأدب فليست تجربة مادية ولا تتصل بالعالم المادي من حولنا لأننا عندما نقرأ رواية مثل "حارس الفنار" نتوقف عن عمل أي شيء ويتوقف سير حياتنا الاعتيادية، وننفصل عن الأصدقاء والعائلة، وننسحب مؤقتًا إلى عالم خاص هو عالم الرواية. والعالم الذي ننسحب إليه في الرواية هو عالم حارس الفنار وعالم غادة وأختها وعالم الرفيق والثوري باجس وغيرهم من الشخصيات التي لا تمثل أنفسها فقط بل تمثل الشعب الفلسطيني برمته.

وتجربتنا في القراءة تشبه الحلم، لأنه عند القراءة تتوقف حركة الجسم ويصبح جسدنا خاملًا، لكن يبقى عقلنا يقظًا ومخيلتنا حيّة ونشاطنا الفكري مفعم بالحيوية. والأدب الذي نقرأه يتحدث عن عالم افتراضي غير ملموس وذلك لأننا لا نستطيع أن نؤثر فيما نقرأ، ولا نستطيع أن نؤثر على المادة المقروءة. مثلًا، في رواية "حارس الفنار" لا يمكننا أن نتدخل كي نساعد غادة على إثبات براءتها من العمالة أو نمنع أختها من الهجرة أو نُقنع حارس الفنار أنه لا جدوى من إشعال النار في نفسه.

من ناحية أخرى يتفاعل القارئ مع ما يقرأ فيندمج مع الأحداث على الرغم من عجزه في تغييرها أو التأثر فيها، ولكنه لا يتأثر بما تتمخض عنه الأحداث من عواقب. فعندما نقرأ في الرواية عن مجزرة دير ياسين أو مجزرة صبرا وشاتيلا لا نتأذى بما يحدث من الناحية الجسدية، لكن من الناحية الوجدانية والفكرية فإننا نتأثر كثيرًا لأننا نقرأ عن حدث مأساوي في تاريخ الشعب الفلسطيني فنختبر التجربة بالإنابة وتكون هذه التجربة غنية رغم قساوتها. تسمّى مثل هذه التجربة بالتجربة الأدبية.

يعتمد فهمنا للأدب القصصي أو الروائي على قدرتنا في خلق رابط بين ما نقرأ والبيئة التي نعيش فيها. وعندما نتحدث عن الأدب الفلسطيني خاصة نجد رابطًا قويًا بين الأدب والحياة، بل أن حياة الفلسطينيين هي موضوع الأدب الفلسطيني. يستقي الأستاذ نافذ الرفاعي في روايته مادته الخام من التاريخ الفلسطيني الحديث ويعيد إنتاجها فنيًا بأسلوب شيق وبلغة رصينة على الرغم من استخدامه في بعض الأحيان كلمات وتعابير منمقة هي أقرب إلى الزخرفة منها إلى المعنى والمضمون حتى وإن كان لها وقع جميل على الأذن.

عنوان الرواية "حارس الفنار"، في الأدب يحمل الفنار عدة رموز – تجدر الإشارة هنا إلى أن كلمة الفنار والتي تعني "مصباح قوي يُنصب على سارية أو برج عال لإرشاد السفن" مأخوذة من اللغة اليونانية ومنها مشتقة أيضًا كلمة فانوس.

على الرغم من القصص الغريبة والعجيبة والغامضة التي حاكها الناس عن الفنار، كما يقول الحارس، ترمز الفنار إلى القوة، فعادة تكون الفنار مبنية على تلة صخرية تضربها أمواج البحر ولا تتأثر بها. تبيّن الرواية أن الشعب الفلسطيني رغم ما حلّ به من مصائب، إلا أنه يقف صامدًا مثل الفنار يتحدى الصعاب محافظًا على هويته وحقوقه. ينتهي المطاف بالحارس وغادة والرفيق إلى الفنار بعد ترحال وتجوال وتشرد وتهجير، وهي مصدر قوة وتعزية لهم وهي تُبقي مصباح أحلامهم مشتعل للخلاص من الجحيم الذي يعيشونه.

يرمز الفنار أيضًا إلى الأمان والاستقرار، وهو يبعث الأمل في نفوس الحارس وغادة على أن الفرج آت عن قريب. فليس من الغريب إذن أن أول كلمة ينطق بها الحارس عند وصوله لأول مرة إلى الفنار هي "البوعزيزي، البوعزيزي" التي تشير إلى الشاب التونسي الذي أحرق نفسه عام 2010 معلنًا بداية الربيع العربي وقدوم أمل جديد. حتى أن الحارس نفسه كاد أن يُحرق نفسه كي يجلب الأمل في التغيير نحو الأفضل لولا تدخل غادة. ومقابل الفنار هناك البحر والأمواج العاتية التي تهدد الحياة، فالفنار إذن هي الملجأ المنقذ الذي يعيد الأمل والنجاة إلى المسافرين على سفينة الحياة. تعطينا رواية "حارس الفنار" الأمل بأن سفينة الشعب الفلسطيني التي تتقاذفها أمواج الحياة لا بد من أن ترى الفنار وتهتدي به إلى بر الأمان. يقول الراوي: "أصبح الفتار مصيرًا، وليس مكانًا" (12).

كما ذكرت آنفًا، تتطرق الرواية إلى مواضيع كثيرة جدًا في حياة الشعب الفلسطيني، تعج الرواية بالأحداث وتكاد تفقد الوحدة في حبكتها، لكنها من ناحية أخرى تبيّن الجانب الحقيقي للواقع الإنساني والسياسي وفي بعض الأحيان الاجتماعي للفلسطينيين. يكتب المؤلف بموضوعية وهو جريء في انتقاده للوضع القائم المليء بالصراعات والتناقضات والتعقيدات الداخلية، ونرى شخصياته تتشكل أو قد تشكلت بالعوامل السياسية والاجتماعية والبيئية التي تحدد سلوكياتها.

من المواضيع المهمة التي تطرحها رواية "حارس الفنار" موضوع الذاكرة الجمعية والفكر مقابل الجهل والمرأة. يشير المؤلف إلى موضوع الذاكرة مرات عدة في الرواية لكنه لا يتحدث عن موضوع الفكر مقابل الجهل وموضوع المرأة إلا قليلا لكنني أعتقد أنهما أمران مهمان لا بد من الإشارة إليهما لأنهما يوضحان موقف الكاتب من عنصرين أساسيين في الفكر السياسي والاجتماعي العربي.

تعتبر الذاكرة في الأدب الفلسطيني أداة لإعادة خلق التجربة الفلسطينية بعد النكبة، وهي أيضًا أداة للمقاومة عن طريقها يحافظ الفلسطينيون على تاريخهم من الاندثار. وهذا ما يسعى إليه كل من الراوي وحارس الفنار وغادة لتحقيقه من خلال سرد حكاية التشرد والتهجير وأسباب ذلك، فهم يربطون بين الماضي والحاضر مع إعطاء أهمية كبرى لأحداث الماضي لأنها هي المسؤولة عن تشكيل الحاضر. وهذا الربط بين الماضي والحاضر نجده في ثنائية الحلم الذي يحلم في تحقيقه حارس الفنار (أي الحرية) والواقع البائس الذي يعيشه، ونجده أيضًا في شيخوخة الحارس الذي يمثل الماضي والشابة غادة التي تمثل الحاضر، كما نرى الربط بين الماضي والحاضر في الخلط بين صيغة الماضي وصيغة المضارع للدلالة على فترتين زمنيتين مختلفتين. فالذاكرة تعيدنا إلى الماضي وتأسرنا في الحاضر، فماذا عن المستقبل؟ المستقبل يبقى هو الحلم الذي يحلم به حارس الفنار، الحلم الذي قد لا يتحقق ابدًا بسبب ما وصل إليه الوضع العربي. يريد حارس الفنار أن يحرق نفسه كي ينجو من أحلامه، تلك الأحلام التي سرقها لصوص الأحلام منه.

يتطرق المؤلف إلى مسالة العقل والعلم والفكر مقابل الجهل مرّة واحدة فقط في الرواية، وأجد فيما يقول قوة ينبغي أن تهزنا من الداخل. يقول الراوي، "إن العلم منارة للهدى، جعل الحياة جميلة فيها الشفاء، وعندما شاعت الخرافة واختلط الجهل بالعلم حدثت الفجيعة" (22). في هذه العبارة دعوة إلى تغليب العقل على الجهل، وإذا نظرنا إلى مجتمعنا العربي، على الرغم من الخصائص الإيجابية التي تميزه عن بقية المجتمعات، نجد أن ما يحكمه هو الإيمان بالمعتقدات الخارجة عن واقعنا المادي، والعادات والتقاليد البالية، والعصبية القبلية، والتعصب الديني أحيانًا والجهل السياسي وغير ذلك من القضايا التي تعيق تقدمه في شتى المجالات. علينا إعادة قراءة ذواتنا وقراءة واقعنا كي نفهم أنفسنا ونعرف ما نريد وإلى أين نتجه. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق العلم والفكر والاهتمام بالمصلحة العامة، والعلم والفكر هما الفنار الذي سيقودنا إلى ما نصبو إليه ويحقق آمالنا.

وقد نجد في هذه العبارة أيضًا إشارة إلى التاريخ الموضوعي الحقيقي المبني على الواقع والذي يهدف إلى توعية الإنسان والتاريخ المزيف المبني على الخرافة والذي يهدف إلى تجهيل الإنسان. وإيمان الإنسان بالتاريخ المزيف والتعاطي معه على أنه حقيقة له عواقب وخيمة وخاصة في الحالة الفلسطينية.

أخيرًا، تبيّن الرواية أن التحرر من المعتقدات والتقاليد الاجتماعية غير البناءة لا تقل أهمية عن التحرر من الظلم والاحتلال. نلمس ذلك بوضوح في شخصية صديقة غادة التي تتحدى مجتمعها وتتزوج من رجل لا يتبع ديانتها وتهاجر معه بسبب رفض عائلتها وأقاربها لها. فصديقة غادة تتخذ قرارها بنفسها وتضع لنفسها خارطة طريق حياتها لأنها تعلم جيدًا أنه كما أن الاحتلال والظلم يقتلان إنسانية الإنسان فإنه في كثير من الأحيان تكون الموروثات الثقافية والاجتماعية قاتلة لحرية الفرد وحرية المعتقد وحرية اتخاذ القرار. أجد في هذه الحادثة دعوة للمرأة أن تكون قادرة على تحديد هويتها بنفسها وتحديد من تكون وكيف تكون.

رواية "حارس الفنار" غنية بمواضيعها. هي رواية مستفزة تطرح مسائل تستدعي اهتمام القارئ، هي رواية تثور على الواقع وتفتح آفاقًا كثيرة للتغيير، وقد كُتبت كي تسلط الضوء على بعض قضايا الحاضر العربي والحاضر الفلسطيني.