السبت: 24/02/2024 بتوقيت القدس الشريف

غزة.. واستئناف التاريخ

نشر بتاريخ: 05/12/2023 ( آخر تحديث: 05/12/2023 الساعة: 17:46 )

الكاتب:


افتتاحية جريدة عمان

وُضع النظام العالمي خلال العام الماضي والعام الجاري على محك حقيقي كشف هشاشته وهشاشة النظريات التي قام عليها ونظّرت له بما في ذلك نظرية «نهاية التاريخ» للفيلسوف السياسي فرنسيس فوكوياما، وغيرها من نظريات العلاقات الدولية والنظريات التي قام عليها نظام «الديمقراطية الليبرالية».. وما زال التاريخ يستأنف مسيرته المرتبطة بالإنسان الحي. وما حدث في غزة في السابع من أكتوبر الماضي دليل آخر أن حركة التاريخ لا يمكن أن تتوقف وأن الإرادة الإنسانية قادرة دوما على استئناف التاريخ والقفز فوق كل الانسدادات الحضارية التي قد تقف حاجزا أمامه وأمام إرادة الإنسان.

ورغم الكلفة الكبيرة التي دفعها/ يدفعها أحرار غزة إلا أن هذه هي طريق النصر وتحرير الأوطان وكسر القيود التي تكبل البشر بالأغلال عن استئناف تاريخهم.. وحدث هذا في كل زمان ومكان وسيبقى يحدث ما دام هناك احتلال وما دامت هناك إرادة للتحرر منه، يقول الشاعر الكبير أحمد شوقي: «وللحرية الحمراء باب، بكل يد مضرجة يدق».

ورغم أن الحرب على غزة قد كشفت هشاشة النظام العالمي الحالي وضعفه وحقيقة الكثير من الأنظمة الغربية إلا أنها كشفت أيضا عجز بعض الدول التي كانت تقدم نفسها باعتبارها قادرة على تأسيس أنظمة عالمية جديدة تقوم على أنقاض النظام الحالي، وفشلت في أن يكون لها رأي أو فعل مؤثر في هذه الحرب التي شكلت فرصة مهمة لهذه الدول/ الحضارات للتحول إلى إمبراطوريات مؤثرة وفاعلة في المشهد العالمي، ما أكد أنها دول ما زالت تعاني من صراعات داخلية عميقة وغير قادرة عمليا أن تعمل على تشكيل نظام عالمي جديد.

إن بناء نظام عالمي جديد يتجاوز أخطاء النظام الحالي ويعزز مبادئ العدل والمساواة يتطلب جهودا كبيرة وتعاونا عالميا واسع النطاق. ويمكن القول إن الصراعات العسكرية التي تشتعل في أكثر من مكان في العالم وما يصاحبها من تغيرات وتحولات جيوسياسية يمكن أن توفر فرصا ـ رغم ما يحيط بها من تحديات ـ للبدء في تشكيل ملامح هذا النظام.

وأهم ملمح يمكن أن يقوم عليه تشكيل النظام الجديد موضوع القيم والأخلاق، فهناك فجوة كبيرة الآن بين المثل العليا التي ينادي بها النظام العالمي الحالي ويتحدث عنها أو يتشدق بها وبين الممارسة العملية المليئة بالمتناقضات الكبرى، وهذا ليس على مستوى الدول فقط ولكن أيضا هذه الصفة باتت لصيقة بالكثير من المؤسسات الأممية التي تعمل وفق معايير مزدوجة وبتأثير واضح من الدول الكبرى في العالم.. وبشكل خاص الدول الغربية. إن الفجوة الأخلاقية التي يتصف بها النظام الحالي تتضح جليا خلال النظر إلى قضايا الدول غير الغربية مثل الدول العربية والدول الأفريقية والدول الآسيوية، وإلى قضايا هذه الدول مثل قضية الفقر، والحروب، وحقوق الإنسان.

لكن حتى موضوع القيم والأخلاق الذي يتطلع الجميع أن يقوم عليه النظام العالمي هو محل تحديات كبرى في ظل ما فرضته العولمة من ثقافة متداخلة ومتماهية في بعضها البعض. إن الأمر يتطلب الكثير من الجهود التي تتجاوز مستوى السياسات الدولية إلى الأنظمة التعليمية والثقافات والممارسات على جميع المستويات. هذه عملية مستمرة تتطلب الصبر والعمل المستمر.. وتطلب حضور الإرادة السياسية في مختلف دول العالم خاصة تلك المتضررة من قيم النظام الحالي.

إن ما حدث في غزة يعطي الكثير من دول العالم الدافع الكبير أن مسيرة التاريخ مستمرة وأن العالم يمكن أن يتغير ويكون أكثر إنصافا وأكثر عدلا.