الإثنين: 20/05/2024 بتوقيت القدس الشريف

السياسة للمنظمة .. والخدمات على الحكومة

نشر بتاريخ: 15/04/2024 ( آخر تحديث: 15/04/2024 الساعة: 17:09 )

الكاتب:

حازم القواسمي – 15 نيسان 2024

تحدثت كثيراً في مقالاتي السابقة عن ضرورة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام السياسي بين حركتي فتح وحماس واختلاف استراتيجيتهم النضالية بين سلمية ومسلحة، مما أدى أيضاً إلى تكريس الانقسام الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وكتبت مطوّلا عن ضرورة الوقف الفوري للحرب العدوانية المدمرة على قطاع غزة والبدء في إعادة الإعمار. وحتى نفهم الأدوار المختلفة للهياكل العديدة الموجودة في الساحة الفلسطينية، فلنسلّم بوجود منظمة تحرير الفلسطينية (حتى لو لم تشمل جميع الفصائل) ووجود حكومة واحدة حتى لو لم توافق عليها جميع الفصائل.

إنّ دور منظمة التحرير الفلسطينية هو دور سياسي نضالي، يقوده الرئيس محمود عباس كرئيس لهذه المنظمة، بينما يتركّز دور الحكومة الفلسطينية التي يترأسها الدكتور محمد مصطفى على تقديم أفضل الخدمات لشعبنا من خلال إصلاح وتطوير عمل الوزارات والمؤسسات الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبينما يبدو الأمر بسيطاً إلا أنّه ليس كذلك. فالسياسة تدخل في كل شأن من شؤون الفلسطينيين في كل مكان. وهناك من يقول أن الفلسطينيين يتنفسون سياسة. إلا أنه المقصود من ترك عبأ التحرير والمقاومة والاستقلال والعودة والمفاوضات وبناء الدولة لتتحمله منظمة التحرير، هو من باب عدم تحميل هذه الحكومة ما لا تستطيع أن تحمله. فالفصائل المنضوية تحت منظمة التحرير مثل فتح والديمقراطية والشعبية وغيرها، وحتى الفصائل غير منضوية حتى الآن مثل حماس والجهاد، أقدر من وزراء التكنوقراط المهنيين في إدارة المعركة السياسية النضالية مع المحتل. وهذا هو دور الفصائل بناء على تاريخهم وخبرتهم النضالية. وهذا جهد يختلف كلّيا عن الجهد التي تستطيع حكومة الكفاءات أن تقوم به.

وربما يبدو من الوهلة الأولى أن العمل السياسي لمنظمة التحرير أهم للمواطن العادي من قضية تحسين الخدمات. فالشعب الفلسطيني يطمح أولاً لإنهاء الاحتلال، ومن ثمّ معه وقته الطويل لتحسين الخدمات وتطوير مؤسساته. لكن من الناحية الأخرى، لا يمكن انتظار التحرر، والذي قد يطول أو يقصر، من أجل أن يحصل المواطن في غزة أو نابلس أو الخليل فقط على الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وطرق وعيادات ومدارس وغيرها. فالمواطن الذي يعيش في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى تحت الاحتلال، يريد أن يحيا حياة كريمة إلى أن يأتي وقت التحرير. ولو اعتبرنا أن كل الشعب الفلسطيني سجين لدى الاحتلال، فحتى الأسرى لهم حقوق أساسية ضمنتها لهم القوانين والشرائع الدولية.

وربما هذا الفصل بين دور المنظمة ودور الحكومة مفيد من كل النواحي. ولكن ماذا عن أمن المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية وبين المدن والقرى حيث يعيث المستوطنون فساداً وإرهابا كل يوم، هل هو من دور المنظمة وفصائلها أم دور الحكومة ووزارة الداخلية وأجهزة الأمن الفلسطينية التي واجبها الأول هو حماية أمن المواطن الفلسطيني. وللأسف بعد أكثر من ثلاثين سنة من اتفاق أوسلو، لا يعرف المواطن الفلسطيني من هي الجهة الفلسطينية الرسمية المسؤولة عن حمايته وحماية بيته وأرضه وممتلكاته. ولا يعرف على أي جهة يتصل عندما يهاجمه المستوطنون. وعلى الأغلب لا يتصل بأحد لأنه يعلم مسبقاً إنه لا يوجد جهة سوف تساعده. لقد آن الأوان أن نتوقف عند هذه النقطة الجوهرية، لأنه بدون أمن ولا أمان، سيكون الحل هو التهجير الطوعي من فلسطين للخارج. يجب أن تتكفل جهة رسمية بحماية أمن المواطن الفلسطيني، ولا تتركه لقمة سائغة للمستوطنين. وإذا كان اتفاق أوسلو لا يسمح لأجهزة الأمن للعمل في مناطق ج، فلنغيّر هذا الاتفاق اللعين الذي انتهى عمليا قبل أكثر من عشرين عاما. ولنطالب بنشر قواتنا الفلسطينية في كل شبر من الضفة الغربية وقطاع غزة. ولتنتهي التصنيفات التي استعبدتنا وأعطت اليد العليا للمحتل علينا.

لقد جرت جولات كثيرة من المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ عشرات السنين من أجل تنفيذ حل الدولتين، ولم تكلل تلك الجهود بالنجاح حتى الآن. ومع عودة الولايات المتحدة وأوروبا بالمناداة بحل الدولتين بعد السابع من أكتوبر 2023، قد تعود تلك المفاوضات مجدداً وقد تطول وقد تقصر وقد تأخذ عشرات أخرى من السنين كما حصل سابقا. فهل من المعقول أن ينتظر المواطن الفلسطيني تحقيق أمنه حتى انتهاء هذه المفاوضات أم يجب العمل فوراً على تحقيق توازن جديد في الضفة الغربية وقطاع غزة يكون فيه الامن ليس فقط للاسرائيليين ومستوطنيهم المستعمرين، بل أيضاً للمواطن الفلسطيني. لا يعقل أن تستمر كثير من مدننا وقرانا في الضفة الغربية الواقعة في ما يسمى مناطق "ج" بلا شرطة وبلا سلطة مما أدى إلى فوضى عارمة في السير وفي البناء وفي حمل السلاح وغيره من الآثار السلبية بسبب غياب السلطة.

بعد 7 أكتوبر لن يكون كما كان قبلها، وعلينا كمجتمع فلسطيني وكقيادة فلسطينية تحري مصلحة مواطننا الفلسطيني في هذه المرحلة الجديدة، عنوانها أمن المواطن واستقراره وحياته الكريمة، إلى أن يزول الاحتلال اللعين وتعود الأرض إلى أصحابها. وقد يتطلب ذلك بناء تحالفات أمنية وسياسية واقتصادية جديدة لم نكن نتوقعها من قبل.