الخميس: 08/12/2022

في الضفة وغزة السجين يصبح سجاناً

نشر بتاريخ: 16/02/2015 ( آخر تحديث: 16/02/2015 الساعة: 09:50 )

الكاتب: د. وليد القططي

في إحدى مرات الاعتقال لدى أجهزة أمن السلطة , وبالتحديد في المعتقل التابع للأمن الوقائي في مركزه الرئيسي بتل الهوى , فُتح عليّ باب الزنزانة لاصطحابي إلى جولة تحقيق جديدة , فإذا بي أجُد أمامي أحد رفاق السجن القُدامى الذي قضى في السجن عشرين عاماً على مرحلتين . فمرت على كلينا لحظة وجوم وصمت بسبب تبّدل الادوار ما بين السجين والسجان , فقطع هو الصمت قائلاً : " أبو احمد ... ايش إلّي جابك على السجن ؟! " , فأجبت " إلّي جابني على السجن سجيناً هو إلّي جابك على السجن سجاناً ! " وتابعت كلامي له " قضيت نصف عمرك سجيناً , وهل ستقضي النصف الثاني سجّاناً ؟! " سمعت فيما بعد أنه ترك العمل في السجن بعد أن طلب نقله لعمل آخر بعيداً عن السجن .

وهذه القصة ليست بعيدة عما يحدث اليوم في فلسطين المحتلة , وبالتحديد في الضفة وغزة حيث الكلمة العليا للأجهزة الأمنية , التي زادت سطوتها بعد الانقسام , وأمعنت في انتهاك حقوق الانسان , هذه الانتهاكات التي وثقتها مراكز حقوق الانسان المنتشرة في الضفة وغزة ومنها ( الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ) في تقريرها الأخير المنشور بتاريخ 8 / 2 / 2015 في موقع ( الحياة ) الإخباري , حيث ذكرت أنها تلقت ( 56 ) حالة تعذيب وسوء معاملة في الضفة وغزة في شهر يناير الماضي منها ( 41 ) شكوى في الضفة و ( 15 ) شكوى في غزة , وكذلك ( المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ) الذي يوثق بعد الانقسام 2007 وحتى عام 2014 مئات الحالات التي انتهكت فيها حقوق الانسان في الضفة وغزة , أهمها التعذيب الجسدي والنفسي للمعتقلين على خلفية أمنية وجنائية وسياسية وأجمعت هذه التقارير على ان هذه الانتهاكات تتم بطريقة منهجية , خاصة الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية التي طالت المئات من الطلبة الجامعيين والأسرى المحررين وغيرهم .

ويأتي ضمن هذا السياق منع أجهزة الأمن في غزة الدكتور عاطف أبو سيف – الأديب والكاتب والأكاديمي الفلسطيني – من السفر عبر معبر بيت حانون ايرز للتوّجه إلى عمّان ومنها إلى الدار البيضاء لحضور المؤتمر الذي سيعلن فيه عن القائمة الصغيرة للجائزة العالمية للرواية العربية ( البوكر ) والذي سيعقد على هامش المعرض الدولي للكتاب والنشر في الدار البيضاء بالمملكة المغربية , وهذه القائمة التي تضم ست روايات تم اختيارها من بين ( 180 ) رواية عربية , تشمل روايته ( حياة معلّقة ) الصادرة عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان , فهذا المنع من السفر يأتي في إطار العقاب على خلفية الرأي وأرضية الانتماء السياسي , وهو جزء من منهجية العقل الأمني الاستبدادي الذي لا يفرّق بين المعارضة السياسية والخصومة الفكرية ,وبين الخطر الأمني الحقيقي الذي يهدد سلامة وأمن المجتمع .كما انه جزء من منظومة سياسية وأمنية لا تقبل الأخر المختلف وتسعى لإقصائه وإلغاء وجوده معنوياً وربما مادياً .

أليس من الغريب أن يأتي كل ذلك في ظل حصار خانق على غزة يمارسه العدو والشقيق , هذا الحصار الذي حّول غزة وقطاعها إلى سجن كبير , وحّول سكانها إلى سجناء في بلادهم يتم حرمانهم من أبسط حقوق البشر ومنها حقهم في السفر والتنقّل خارج هذا السجن الكبير المُسمّى قطاع غزة , أليس غريباً أن يتم منع بعض سكانه من السفر – في حال توفّر هذه الفرصة النادرة – من قبل السجين نفسه فيتحّول إلى سجان بفعل الأمر الواقع . وفي نفس القدر من الغرابة – مع الفارق في حرية السفر النسبية في الضفة – يتم وضع المئات من الطلبة الجامعيين والأسرى المحررين وغيرهم سنوياً في سجون السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية الواقعة تحت الاحتلال الصهيوني الذي يمارس القمع على الجميع – السجناء والسجانين – ويمارس عليهم جميعاً دور السجّان .

ان التصدي لهذه الانتهاكات لحقوق الانسان في كلٍ من الضفة وغزة ينبغي ان تكون من أولويات العمل الوطني الفلسطيني , لا تقل عن اهمية التصدي للانتهاكات الصهيونية لحقوق الانسان الفلسطيني , وأولها حقه في الحياة بكرامة فوق أرضه , وحقه في حرية الرأي والتعبير والإبداع , لا رقيب عليه إلّا الإحساس بالمسئولية الوطنية , وضميره الحي , وبدون قيود إلا قيود القانون والدين والأخلاق . إن الدفاع عن حق الدكتور عاطف أبو سيف في السفر هو دفاع عن حقنا جميعا في أن نعيش بحرية وكرامة فوق هذه الأرض .