الأربعاء: 21/02/2024 بتوقيت القدس الشريف

كل شيء تغير.. الا أنت يا صفية

نشر بتاريخ: 13/06/2015 ( آخر تحديث: 13/06/2015 الساعة: 15:35 )

الكاتب: سراب عوض

ثلاثون عاماً مرت بفصولها. لكن ذلك اليوم، في ذلك الصيف، لم يكن مثله يوم. انصرمت السنون دون أن تفارق، وظل الأكثر حضوراً، هو يومه الاستثنائي، بتفصيلات لحظاته العصية على النسيان. رحل عن القرية التي أحبها، وعن مسرح ذكرياته الجميلة التي عاشها، وعن الأهل والأحبة، والبيوت المبعثرة على رقعة خضراء، تتخللها الشوارع التي تفصل بينها شجيرات اللوز والتين والصنوبر.

ما زال يذكر تلك البقالة الصغيرة التي كان يبتاع منها أهل القرية حوائجهم اليومية، ولا زالت روائح التبغ المنبعث من سيجارة جاره أبو راضي متوغلة بأنفاسه، أما شجاره المحبب مع بائع الخردوات سعد، فلا يغيب طويلاً عن ذهنه. كان يضحك كلما استعاد واقعة الشجار، وسمع صوتاً يكاد يخترق جدران الزنزانة: "لدينا من الذكريات المخبأة ما يجعلنا قادرين دوماً على العطاء والفرح". وعندما يسأله أحد رفاقه في الزنزانة عن سبب تلك الضحكة، كان يجيب بسعادة غامرة، فيما رفاقه يصغون اليه كما لو أنه يروي لهم قصة جديدة يسمعونها للمرة الأولى.

فقد كان بائع الخردوات، يتمترس عند أول القرية ليمعن النظر بفتياتها اللاتي يذهبن الى المدينة لإكمال تعليمهن في المرحلة الإعدادية، وكانت قلة قليلة من أولياء الأمور من سمحوا لبناتهم الذهاب الى المدينة التي تبعد نحو ثلاثين كيلو متراً عن القرية, لمواصلة تعليمهن. من الموقع الذي اختاره، أطل سعد أيضاً، على مشغل للخياطة تعمل فيه بعض مليحات القرية، اللواتي لم يحظين بفرص اكمال تعليمهن الاعدادي، فأنهين مرحلة الابتدائية والتحق بعضهن بمشغل للخياطة، وأخريات تزوجن ونذرن أنفسهن لبيوتهن وأسرهن.

يتذكر هنا، حديث عمته خديجة التي كانت مضرب مثل القرية بالعدَل والزين والحكمة، والتي كانت تقول: "شو علم وما علم يا ولدي..!! عشنا وشفنا البنت ما تطلع على المدينة لوحدها، البنت تتعلم صنعة تنفع بها بيتها وزوجها. يا ولدي.. إحنا بآخر زمن". كان سعد يرقب كل شاردة وواردة. يحفظ ألوان ألبسة الفتيات، وكذلك أغطية رؤوسهن التي كان في تلك الفترة، عبارة عن قطعة من الشيفون الخفيف الكاشف لما تحته من جدائل شعر. ذات يوم قال متغزلاً بفتاة شقراء:" يسلملي الشعر الطاير" فما كان من الفتاة الا أن نزلت من الحافلة، وبصقت في وجهه أمام مجموعة من المتفرجين، فتتابعت ضحكاتهم الساخرة لهول ما حل بصديقهم بائع الخردوات من مصاب. ولم يكن يتعلم من تجاربه. كنت أقول له متسائلاً وموبخاً: بالله عليك كم مرة يجب أن تهان لكي تتعلم؟ إكبر يا صديقي، عيب !!

أما صفية ابنة الحاج محمود، مؤذن القرية وصوتها الملائكي، فبرغم زواجها الذي مر عليه ثلاثة عشر عاماً الا أنه ما زال يروي قصته معها كما لو أن الزفاف قد حدث اليوم. لم يحملها وزر زواج أيقن أن لا ذنب لها به، فالفتيات لا يخرجن عن مشورة أولياء أمورهن، وأولو الأمر في القرية كثر الأب والأخ والأخت وزوج الأخت والجار والأعمام والأخوال وسائر أبناء العمومة. ثم إن مدة محكوميته العالية، لا يمكن أن تعطيها أي ذريعة لرفض الزواج أو العزوف عنه.

عند كل مغيب كان يلقاها على نبع ماء صغير كانت ترتاده مع فتيات القرية من الصديقات والمقربات لتملأ جرار الماء وتعود كما كن النساء يفعلن في القرية. كان يكتفي باستراق النظر اليها، ويذكر المرات القليلة التي منحه القدر فرصة الحديث معها. يومها، لم يكن برفقتها سوى صديقتين مقربتين، فسمحن لها أن تتبادل معه الحديث لدقائق، ريثما ينهين ملء جرار الماء.

وكانت الليلة التي أُسر فيها من أجمل ليالي عمره حسب قوله لرفاقه. لم تكن جماليتها في ثوب صفية المخملي وشالها المقصب حين التقاها بمنزل خاله أبو العبد الذي مر عليه صبيحة يوم الأحد، بعد أن تيقن أن جميع أهل القرية نيام فآثر الخروج من مخبئة ليذهب الى بيت خاله، وعند الظهيرة طلبت منه زوجة خاله أن يغادر المنزل متخفياً، لأن صفيه قادمة لزيارة بناتها فخافت أن تراه بالبيت فتذهب وتخبر واحداً من القرية ربما يبلّغ عنه شخصاً آخر فيتفشى خبره. ضحك وقال: لا عليك يا خالة سأغادر قبلها، لم تكن أم العبد تعلم ما بينهما فأخذها الخوف عليه لقول ما قالت، وعند المغيب ارتحل حاملاً معه أجمل الصور وأبهاها. ذهب الى رفاقه المطاردين في مخابئ القرية مبتسماً على غير عادته. وكلما كان النوم يغشى عنيه؛ كانت كلمة صفية ترن بأذنية وتقول بصوتها الخافت: سأنتظرك..

عند انتصاف الليل بدأ يسمع أزيز الرصاص، فجاء أحد الشبان وأخبرهم أن دوريات الجيش تجوب القرية بحثاً عنه وعن رفاقة الفدائيين، وأنها تفتش منازل ذويهم وأقربائهم وتأخذ بعضهم الى أماكن غير معلومة. خرج ومن معه من الرجال حاملين أسلحتهم، وبدأت المعركة التي أسر فيها هو وثلاثة من رفاقه، واستشهد آخر. أصيب هو في ساقه الأيمن، ولم يتمكن من الفرار، وانتهى الأمر بوقوعه ورفاقه في الأسر. بقي أكثر من عام يبكي صديقة الذي ارتحل الى جوار ربه، ويسرد القصص على مسمع رفاقه الذين كان لكل واحد منهم قصة مشابهة، في ألمها وقسوتها.

ما زالت صورة والدته منقوشة في قلبه وخاطره، وما زال صوتها يأتي صبيحة كل يوم كما كان قبل ثلاثين عاماً وأكثر. تأتي لكي توقظه من غفوته أمه التي اعترف أنه كان معذبا لها حتى في نومه. يذكر رائحة الخبز المنبعث من الصاج، صبيحة كل يوم. يذكر شجار والده معها بسببه، ويقول:كان يعتبر دلال أمي لنا، عنصراً مفسداً وكان ينهاها عن ذلك، بل كان الغضب يلمع في عينه، كلما رآها تحمل كوباً من الشاي أو فنجان قهوة، لواحد منا. يقول لها ساخراً: اشربيه عنهم يا حليمة. أذكر ذاك السوط الذي كان يتوسط خاصرة أبي. لا زالت آثاره منقوشة على ظهري وساقي, وأذكر صوت أمي وهي تبكي مراراً وتكراراً راجية والدي أن يتوقف عن ضربي، فلا يستجيب إلا بعد شوط طويل من التوسل والرجاء. وعلى الرغم من ذلك، فحتى أبي، برغم كل قسوته، لم أكن لولاه، سأصبح رجلاً يتحمل هذا العذاب الذي أتحمله الآن!

في نبرة حزينة، وصوت شجي وعينين دامعتين، دأب على القول لرفاقه، فيما يشبه التعليل لانحيازه لأمه: كان أبي ناراً وأمي ماء رقراقاً، وكنت أنا بطبيعتي أفضّل نار أبي على ماء أمي .. رحم الله والداي وأوسع نُزلهما".

بعد ثلاثين عاماً لفظه السجن. كان ذاك، هو اليوم الذي انتظره طويلاً. انفتح أمام عينيه مشهد جديد للحياة وللناس. رأى ما لم يتوقعه، وطفق يُسائل نفسه: هل يصح أن تكون عقلية السجين ضد التغير والتطور. فالمجتمعات كلها تتطور، وما من أمة بقيت على حالها؟. تدفقت الأجوبة في خواطر سريعة: إن عقلية السجين ترفض بالطبع، التخلي عن القيم المبادئ والقيم التي أفنى من أجلها زهرة شبابه. ليس من السهل موت الفكرة قتلاً بالنسيان أو تجاهلاً بالنكوص.

فالفكرة الحية هي التي عاشت مع الإنسان أناء الليل وأطراف النهار. خرج من زنزانته الى قبر والدية لقرأ الفاتحة ثواباً لروحيهما. كانت القرية تشبه كل شيء الا نفسها. حين أستقبله أهلها، عند مدخلها، مهنئين بالفرج، بدت أزقتها على غير ما رآها من قبل، والبيوت ازدادت بهاءً وأناقة. لم يتعرف على معظم المهنئين، ولا على معظم البيوت التي اختلطت عليه مواضعها. لم يبقَ شيٌ على حاله. حتى الأغاني الوطنية لم تعد كما كانت، كان مشتاقاً لأن يسمع شيئاً من أغنيات سكنت في وجدانه. فلا يمكن لقوة في الدنيا، أن تنزع من الشفاه، تلك الأغنيات، ولا من القلب معانيها: طل سلاحي يا بلادي. دربي مُر، دربك مُر، ادعس فوق ضلوعي ومُرْ. قديش هالشعب الثاير ضحى وقدّم، تيعيش حر. اللي بدمه يجود، ما يهمه لو سال دمه، وغطى الأرض. طول ما سلاح الثورة بإيدي، يبقى وجودي مفروض فرض!

كل شيء يمكن أن يتغير، حتى مفهوم الوطن، وفي الحقيقة، تغير كل شيء، الا أنت يا صفية!